لم يحتاج الخبير الاقتصادي د. حسن الصادي إلى مقدمات طويلة حين سأله الإعلامي محمد ناقد في برنامج «الصنايعية» على قناة الشمس: هل أنت مع سعر صرف حر مرن أم مع تدخل الدولة؟ فجاءت إجابته جملة واحدة ستصبح عنوان المواجهة كلها: سعر صرف مرن في الاقتصاد المصري في وضعه الحالي هو «انتحار اقتصادي بحت». المواجهة، التي بُثت في 25 أكتوبر 2026، جمعت حسن الصادي أستاذ الاستثمار والتمويل بجامعة القاهرة، وجهًا لوجه أمام د. عمرو سليمان أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان، المدافع عن التعويم المُدار ومرونة سعر الصرف، في مناظرة نادرة حول السؤال الذي يطارد كل بيت مصري: أنقذوا الجنيه أم اتركوه للسوق؟
وتأتي هذه المواجهة في أسبوع يتصدر فيه سعر الصرف المشهد من جديد؛ إذ سجل سعر الدولار لدى البنك المركزي المصري صباح اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026 نحو 56.06 جنيهًا للشراء و56.19 جنيهًا للبيع، بينما تجتمع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي اليوم لحسم أسعار الفائدة المستقرة حاليًا عند 19% للإيداع و20% للإقراض، بعد أن سجل التضخم السنوي في المدن 13.9% والتضخم الأساسي 14.1% خلال سبتمبر 2026. وبين رقم الدولار وقرار الفائدة، يبدو سؤال حسن الصادي وعمرو سليمان هو سؤال الساعة نفسه.
حسن الصادي: لا توازن ممكنًا بين العرض والطلب.. «هنفضل نجري ورا سراب»
يبني حسن الصادي موقفه على معادلة حسابية قبل أن تكون أيديولوجية. فلكي يعمل سعر الصرف المرن، كما يقول، لا بد من الوصول إلى نقطة التوازن بين العرض والطلب على العملة، والسؤال: هل يستطيع الاقتصاد المصري توليد ما يكفيه من الدولار؟ إجابته: لا. فالصادرات المصرية لا تتجاوز نحو 70 مليار دولار، بينما الواردات تتراوح بين 120 و140 مليار دولار، أي أن الصادرات تغطي قرابة نصف الواردات فقط، وكل الموارد الدولارية الأخرى مجتمعة لا تسد الفجوة. ويضيف الصادي بلهجة حاسمة: «رفع سعر الصرف لو وصلته لـ100 جنيه مش هيعمل توازن، لو وصلته لـ200 جنيه مش هيعمل توازن.. هنفضل نجري ورا سراب اسمه سعر الصرف المرن». والحل عنده أن تتدخل الدولة لفترة محددة تعمل فيها على إعادة هيكلة الاقتصاد المصري، لا أن تترك العملة لقوى سوق مشوّه أصلًا.
ويذكّر حسن الصادي بأن سعر الصرف في الأساس «أداة من أدوات التجارة الدولية — ده ABC اقتصاد»، تستخدمه الدول لتزيد صادراتها وتقلل وارداتها. لكن ذلك يفترض اقتصادًا يملك منتجات يصدرها وواردات يستطيع الاستغناء عنها، كما في الصين وأمريكا والهند. أما الاقتصاد غير المرن، فينتج سعر صرف غير مرن بالضرورة؛ فمشكلة مصر عنده ليست مشكلة سعر صرف، بل مشكلة هيكل إنتاجي لا يولّد العملة التي يحتاجها.
كل تعويمة أكلت نصف الاقتصاد.. والفاصل بينها يتقلص
ويستعرض حسن الصادي سجل التعويمات المصرية كدليل إدانة: «كل مرة كان الاقتصاد المصري بيخسر 50% من قيمته». فالجنيه قفز من نحو 6.80 جنيه إلى 13 ثم 18 جنيهًا، ثم من 15 إلى 30، ثم من 30 إلى 50 بما يعادل 66% من قيمة الاقتصاد، والآن — كما يقول — يجري «تعويم صامت» يفقد فيه الجنيه قوته تدريجيًا من 48 إلى ما فوق 55 و56 جنيهًا «في صمت، من غير ما الناس تحس بالقفزة». والأخطر في روايته هو إيقاع التعويمات نفسه: كنا نعوّم ثم ننتظر 20 سنة لامتصاص الآثار، فأصبحت 10 سنوات، ثم 5، ثم سنة ونصفًا، ثم صارت التعويمة تأتي مع كل مراجعة من مراجعات صندوق النقد الدولي. ويسأل الصادي: هل أتى التعويم بثمار في أي مرة؟ ويجيب: كل مرة جاءت بمعدلات تضخم غير عادية وفوائد مرتفعة وتباطؤ في الصناعة والاستثمار المباشر، وإحجام من رأس المال الأجنبي عن الدخول في اقتصاد يفقد نصف قيمته كل بضع سنوات، لأن المستثمر يرى مكاسبه تتبخر مع كل تعويمة.
«لن يدفع فاتورة أي شيء في الدولة المصرية إلا الشعب المصري»
وحين انتقلت المناظرة إلى سؤال «من يدفع فاتورة سعر الصرف؟»، رفض حسن الصادي أصل التقسيم بين حكومة وشعب: «ما فيش حاجة اسمها حكومة بتدفع فاتورة تعويم.. الحكومة هي الشعب وتمثل الشعب، وتدير الاقتصاد لأقصى منفعة ورفاهية ممكنة له». فكل فاتورة — تضخمًا أو دينًا أو غلاءً — تنتهي في جيب المواطن وحده. واستشهد الصادي بوصف المصرفي هشام عز العرب، الذي يعتبره أكبر «بنكر» في مصر، لتعويم 2016 حين قال إننا «ركبنا المرجيحة» فيه، مضيفًا: «مش هزود عليه ولا هزايد». كما فنّد الصادي حجة خصمه بأن التعويم رفع تحويلات المصريين بالخارج، قائلًا إن الزيادة جاءت من إنهاء خدمات كثير من المصريين في الخليج وعودتهم بمدخراتهم ومكافآت نهاية خدمتهم، محذرًا من أن التحويلات ستتراجع خلال سنتين أو ثلاث مع تراجع أعداد العاملين بالخارج، وأن التعويم «لم يأتِ بأي ثمار إيجابية».
شماعة البترول.. ولماذا نشتري كل شيء من «السوق الفورية»؟
ومن أخطر ما قاله حسن الصادي في المواجهة تفكيكه لحجة «صدمة أسعار البترول». فمصر — بحسب أرقامه — تنتج محليًا نحو 60% من احتياجاتها البترولية بتكلفة إنتاج للبرميل بين 14 و16 دولارًا، وحتى مع حصة الشريك الأجنبي تقف التكلفة عند 28 إلى 34 دولارًا، بينما يُدخل هذا البرميل في الموازنة بنحو 65 دولارًا، أي بوفر كبير؛ والجزء المستورد فعليًا هو 40% فقط من الاحتياجات. ثم يسأل: لماذا نفاجأ كل مرة بسعر البرميل العالمي كأننا نشتري احتياجاتنا من السوق الفورية (Spot Market) يومًا بيوم؟ فالدول تؤمّن احتياجاتها بعقود آجلة (Futures) وخيارات ومشتقات مالية تمتد من 3 إلى 39 شهرًا، تثبّت بها أسعار البترول والقمح والذرة والزيت والسكر لسنين قادمة. ويلخّص: «قيس على كده كل احتياجات المواطن المصري الأساسية.. أمال فين العقود الآجلة؟ أمال فين الناس اللي بتتعامل مع الأسواق الدولية؟». ويضيف أن وزير الصناعة نفسه قال إن 80% من المنتج المحلي مكوّن أجنبي، أي أن «كل ما بننتج بنستورد أكتر» — وهو خلل هيكلي، كما قال الصادي، «عمر ما التعويم ما هيظبطه».
الأموال الساخنة: المشكلة ليست في الدخول بل في الخروج
وفي محور الجنيه رهينة للأموال الساخنة، قدّم حسن الصادي أرقامًا وتشخيصًا صريحًا: الاحتياطي المعلن البالغ نحو 56 مليار دولار يتضمن قرابة 37 مليار دولار ودائع، أي أن «الصافي بتاعنا لا يتجاوز 19 مليارًا». أما الأموال الساخنة فالمشكلة عنده ليست دخولها بل خروجها، لأن توقيته لا يملكه أحد: «خرجوا كلهم مرة واحدة في 2022 فوقعوا الاقتصاد، ورجعوا تاني — هي نفس الأموال، صناديق معروفة». ويرى أن رفع الدولار من 48 إلى 55 جنيهًا لا «يعاقب» هذه الأموال كما يُروَّج، لأن صاحب المليار الذي خرج سيعود ليشتري الجنيه عند 55 و56 ويعوّض وأكثر؛ فالأموال الساخنة الموجودة الآن تقترب — بحسب قوله — من 48 مليار دولار بعد أن خرج منها 22 مليارًا في أزمة 2022. وروشتته آلية خروج متدرجة: من يخرج خلال ثلاثة أشهر يدفع ضريبة أعلى، ومن يبقى ستة أو تسعة أشهر تقل ضريبته، فيتباطأ الخروج ويتحول التمويل قصير الأجل إلى تمويل أطول عمرًا. ويختم بقاعدته الذهبية: «ما تلعبش مع الهوت ماني.. الهوت ماني بيحرق الاقتصاد»، مستنكرًا أن رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب عدّ الأموال الساخنة يومًا «المصدر السادس للعملة الصعبة» في مصر، بينما مصادر العملة الطبيعية خمسة فقط: الصادرات والسياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين والاستثمار الأجنبي.
روشتة حسن الصادي: ثبّت مؤقتًا، قيّد الكماليات، وابنِ قاعدة إنتاجية
لا يطرح حسن الصادي التثبيت كعقيدة دائمة، بل كجسر زمني مشروط: ثبّت سعر الصرف وقيّد واردات السلع الكمالية والترفيهية لأربع أو خمس سنوات توفر ما بين 15 و20 مليار دولار، ريثما تُبنى قواعد إنتاجية تستطيع لاحقًا الاستفادة من مرونة سعر الصرف — تصديرًا حقيقيًا وإحلالًا للمنتج المحلي محل المستورد. فبدون هذه القاعدة، تحذر أرقامه، ستؤدي المرونة إلى تصدير طعام المصريين نفسه — كما حدث حين اختفت البطاطس والبصل والخضار من السوق المحلية وظهرت في أسواق الخارج أرخص من مصر — بينما لا يمكن تقليص واردات القمح والزيت والسكر الأساسية «وإلا جوّعنا المصريين». أما جوابه عن سؤال «ماذا لو كنت محافظ البنك المركزي؟» فبدأ بشرط مؤسسي: أن يكون المحافظ أصيلًا بكامل مدته، يُعرض على البرلمان ولا يُعزل، لأن آثار السياسة النقدية لا تظهر في ستة أشهر وآلامها قصيرة الأجل قد تطيح بمحافظ «قائم بالأعمال» يُجدَّد له كل سنة. وقراراته الثلاثة: التدخل في التقسيط الاستهلاكي بحيث يُقسَّط المنتج بنسبة مكوّنه المحلي فقط (20% مكوّنًا محليًا تعني تقسيط 20% من الثمن)، ووضع قيود على الاقتراض دون دفعة مقدمة لأن قروض الـ100% تقتل آلة الادخار التي تموّل الإقراض أصلًا، ومحاربة التضخم بخفض سعر الفائدة مقترنًا بآلية للسيطرة على الأسعار — لأن السياسة النقدية عنده «شحم» الاقتصاد، أما الاقتصاد الحقيقي فتصنعه السياسات المالية. بل يضيف فكرة مبتكرة: «تعويم» موجّه في السياحة فقط، بمنح السائح خمس ليالٍ بسعر أربع، أي خفض فعلي 20% لمنتج السياحة وحده، دون تعويم عام يضرب كل الأسعار.
تحليل الفلوس
قوة طرح حسن الصادي في هذه المناظرة أنه ينقل الجدل من شعار «التعويم إصلاح» وشعار «التثبيت كارثة» إلى أسئلة قابلة للقياس: هل توجد صادرات تكفي لصنع توازن؟ هل الاحتياطي المعلن ملك فعلي أم ودائع؟ وهل جرى تأمين احتياجات الطاقة والغذاء بعقود آجلة أم تُشترى بالسعر الفوري؟ وحين يجتمع المركزي اليوم لحسم الفائدة والدولار فوق 56 جنيهًا، فإن نصف أسئلة الصادي على الأقل ليست خطابة معارضة، بل أسئلة إدارة مخاطر كان يجب أن تُجاب في بيانات رسمية منذ زمن: ما صافي الاحتياطي الحقيقي؟ وما خطة الخروج المنظم للأموال الساخنة الموجودة الآن بعشرات المليارات؟ فالمناظرة الجيدة، كهذه، تفرض على صانع القرار أن يرد بالأرقام لا بالشعارات المضادة.
ومع ذلك، يبقى في طرح الصادي ثغرة يعرفها خصمه جيدًا واستغلها عمرو سليمان ببراعة: التثبيت المؤقت بلا دولار متاح فعليًا يعيد إنتاج السوق السوداء التي ذاقها المصريون في 2022 و2023، حين كان المواطن يشتري بالسعر الموازي لا بسعر البنك، واستُنزف الاحتياطي من 45 إلى 33 مليار دولار في تجربة التثبيت زمن الحرب الروسية الأوكرانية كما ذكّر سليمان. فخطة «ثبّت أربع سنوات وابنِ» تحتاج قبل أي شيء إلى مصدر دولار انتقالي يمنع عودة السعرين — وهو ما لم يسمِّه الصادي صراحة، اللهم إلا وفورات تقييد الكماليات والعقود الآجلة. الفارق بين الرجلين في النهاية ليس في تشخيص المرض — فكلاهما يقر بخلل الهيكل الإنتاجي — بل في ترتيب العلاج: سليمان يرى المرونة دواءً مرًّا يمنع الانفجار المؤجل، والصادي يراها انتحارًا في اقتصاد لا يملك جسدًا يحتمل الدواء أصلًا.
ما يجب أن يتابعه المصريون بعد هذه المواجهة ثلاثة مؤشرات لا تصريحات: أولها قرار لجنة السياسة النقدية اليوم وبيانها عن سعر الصرف والتضخم، وثانيها مسار صافي الاحتياطي والأموال الساخنة في بيانات المركزي الشهرية، وثالثها أي تحرك رسمي نحو تأمين واردات الطاقة والغذاء بعقود طويلة الأجل أو تقييد واردات كمالية بعينها. فإذا تحرك مؤشر واحد من الثلاثة في اتجاه أسئلة الصادي، تكون المناظرة قد فعلت ما لا تفعله مئات البيانات: حرّكت السياسة نفسها.
المصدر: شاهد الحوار كاملًا / الخبر الأصلي: برنامج الصنايعية — قناة الشمس
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. حسن الصادي وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.






