الأموال الساخنة تعود للشراء في أدوات الدين المصرية بـ367 مليون دولار الخميس بعد تخارج 3.5 مليار في أسبوعين

Published:

عادت الأموال الساخنة للشراء في أدوات الدين الحكومية المصرية يوم الخميس 29 أكتوبر 2026 بصافي 367.4 مليون دولار، وفق بيانات السوق الثانوية الصادرة عن البورصة المصرية ونقلتها منصة بيزنس، لتكسر موجة تخارج حادة استمرت نحو أسبوعين وكلفت السوق قرابة 3.5 مليار دولار منذ الاثنين قبل الماضي. الانعكاس جاء في اليوم نفسه الذي فقد فيه الدولار مستوى 56 جنيهًا في بنوك عدة، وقبل ساعات من قرار البنك المركزي المصري مساء الخميس رفع الفائدة 100 نقطة أساس، في أول رفع منذ مارس 2024.

الأموال الساخنة تنهي أسبوعين من البيع المتواصل

الأرقام التي أظهرتها البورصة المصرية عن تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي ترسم صورة أسبوع عصيب. يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 وحده سجل المستثمرون العرب والأجانب صافي بيع بقيمة 391 مليون دولار، وارتفع إجمالي التخارج منذ بداية ذلك الأسبوع حتى نهاية الأربعاء إلى 1.67 مليار دولار. أما الحصيلة الكاملة منذ الاثنين قبل الماضي، أي على مدى نحو أسبوعين، فبلغت قرابة 3.5 مليار دولار خرجت من أذون وسندات الخزانة المتداولة في السوق الثانوية.

هذا النزيف لم يأت من فراغ. الدولار صعد خلال أكتوبر بأكثر من 4 جنيهات كاملة، من 52.03 جنيه للبيع في نهاية سبتمبر إلى مستويات فوق 56 جنيهًا في ذروة الأسبوع الماضي. كل جنيه يصعده الدولار يأكل من عائد المستثمر الأجنبي المحسوب بالعملة الصعبة، ويدفع مديري الصناديق إلى تقليص الانكشاف على الجنيه بدل زيادته. وحين تتحرك العملة بهذه السرعة، يصبح قرار الخروج أسرع من قرار البقاء، مهما بدا العائد الاسمي على الأذون مغريًا.

الخبير المصرفي محمد عبد العال قدّر في تصريحات لصحيفة الشروق حجم التخارجات بأكثر من 4 مليارات دولار خلال آخر عشرة أيام، وهو تقدير أوسع من رقم البورصة لأنه يشمل قنوات إضافية خارج السوق الثانوية. عبد العال لفت أيضًا إلى قفزة معاملات سوق الإنتربنك بين البنوك بنسبة 62% لتصل إلى نحو 3.12 مليار دولار خلال الأسبوع الماضي، مقابل 1.93 مليار دولار في الأسبوع السابق، وهي قفزة تعكس حجم الطلب على الدولار داخل الجهاز المصرفي نفسه أثناء ذروة الضغط، لا مجرد خروج محافظ أجنبية.

ماذا كانت الأموال الساخنة تفعل قبل موجة الخروج؟

حتى لا يضيع سياق الرقم، فالموجة الأخيرة جاءت بعد فترة دخول واضحة. قبل التخارج سجلت السوق أسبوعين متتاليين من صافي الشراء، الأول بقيمة 328.5 مليون دولار والثاني بقيمة 1.2 مليار دولار، أي أن المستثمرين ضخوا أكثر من مليار ونصف المليار دولار قبل أن ينقلب الاتجاه. وفي سبتمبر 2026 بلغ صافي الشراء الكلي 702 مليون دولار، لكن تركيبته كانت لافتة: العرب اشتروا بصافي 1.528 مليار دولار، بينما باع الأجانب بصافي 826.5 مليون دولار.

هذا الانقسام بين المال العربي والمال الأجنبي تكرر أكثر من مرة خلال العامين الماضيين. المستثمر الخليجي والعربي يتعامل مع السوق المصرية بمنطق مختلف عن صندوق التحوط العالمي: قرب جغرافي، وعلاقات مصرفية مباشرة، وقدرة أعلى على تحمل تقلب العملة في مقابل عائد مرتفع. أما الصناديق العالمية فتتحرك بمؤشرات المخاطر العالمية وسعر الدولار عالميًا، وتخرج أولًا عند أي اهتزاز. لذلك فقراءة الرقم الإجمالي وحده مضللة؛ المهم دائمًا من الذي اشترى ومن الذي باع.

يوم الخميس تغيرت الصورة جزئيًا. صافي شراء 367.4 مليون دولار في جلسة واحدة لا يعوض 3.5 مليار خرجت، لكنه أول إشارة على أن البيع الأعمى توقف، وأن جزءًا من المستثمرين رأى في المستويات الحالية نقطة دخول. تزامن العودة مع تراجع الدولار تحت 56 جنيهًا عزز هذا الانطباع، إذ أغلقت تعاملات الخميس 29 أكتوبر عند 55.99 جنيه للشراء و56.09 جنيه للبيع في البنك الأهلي المصري وبنك مصر، وهما أكبر بنكين حكوميين ويعمل سعرهما كمؤشر لحالة السوق الرسمية.

رفع الفائدة 100 نقطة: رسالة المركزي إلى حاملي الجنيه

مساء الخميس نفسه، وبعد إغلاق السوق، أعلن البنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة الأساسية 100 نقطة أساس كاملة، ليصل سعر عائد الإيداع إلى 20%، والإقراض إلى 21%، وسعر العملية الرئيسية والائتمان والخصم إلى 20.5%. القرار فاجأ شريحة واسعة من السوق كانت تراهن على التثبيت أو حتى بدء التيسير، وهو أول رفع يقره المركزي منذ مارس 2024، حين جاء الرفع الأكبر تاريخيًا مصحوبًا بتحرير واسع لسعر الصرف.

توقيت الرفع لا يمكن فصله عن حركة المحافظ. حين تخسر السوق الثانوية مليارات الدولارات في أسبوعين، ويصعد الدولار أكثر من 4 جنيهات في شهر، يصبح الدفاع عن جاذبية الجنيه جزءًا من مهمة السياسة النقدية، حتى لو كانت مؤشرات التضخم المحلي تتحرك في اتجاه مريح نسبيًا. وقد شرحنا في الفلوس بالتفصيل لماذا رفع البنك المركزي الفائدة رغم تراجع التضخم، وكيف تتداخل حسابات سعر الصرف والتدفقات مع حسابات الأسعار المحلية في قرار لجنة السياسة النقدية.

الرفع يرفع نظريًا العائد الحقيقي على أدوات الدين قصيرة الأجل، ويمنح من يفكر في العودة إلى أذون الخزانة حافزًا إضافيًا: عائد أعلى، وعملة بدأت تستقر تحت مستوى نفسي مهم. لكن المستثمر الأجنبي لا يشتري قرارًا واحدًا؛ هو يشتري مسارًا. سؤاله العملي في الأيام المقبلة سيكون عن مزادات الأذون الجديدة: هل ستقبل وزارة المالية عطاءات بأسعار فائدة أعلى تعكس قرار المركزي، أم ستحاول كبح تكلفة الدين وترفض جزءًا من السيولة المعروضة؟ إجابة هذا السؤال ستظهر في أول عطاءات الأسبوع الجديد.

على جبهة العملة، استقر الدولار في تعاملات الجمعة 30 أكتوبر بعد قرار الرفع عند مستويات قريبة من إغلاق الخميس، وتابعنا حركة السوق لحظة بلحظة في تغطية سعر الدولار يوم الجمعة 30 أكتوبر بعد رفع الفائدة، حيث حافظت البنوك الكبرى على أسعار شراء دون 56 جنيهًا في أغلب الشاشات، في إشارة أولية إلى أن الرفع نجح على الأقل في وقف موجة الصعود، وإن كان الحكم النهائي مؤجلًا لجلسة الأحد، أول يوم عمل كامل بعد القرار.

تحليل الفلوس

عودة الشراء يوم الخميس بصافي 367.4 مليون دولار خبر جيد بحذر، لا إعلان نهاية أزمة. الرقم يمثل نحو عُشر ما خرج في أسبوعين، وتحوله إلى اتجاه يحتاج جلسات متتالية من الشراء الصافي، لا جلسة واحدة قد تكون تغطية مراكز قصيرة قبل عطلة نهاية الأسبوع وقبل قرار الفائدة. الفارق بين الاثنين سيظهر يوم الأحد 2 نوفمبر، أول جلسة في السوق الثانوية بعد الرفع: إذا تجدد الشراء وبأحجام قريبة أو أكبر، فالسوق تقول إن تسعير المخاطر تغير فعلًا؛ وإذا عاد البيع، فجلسة الخميس كانت استراحة لا انعكاسًا.

رفع الفائدة 100 نقطة يمنح الجنيه درعًا إضافية، لكنه ليس عصا سحرية. التجربة المصرية منذ 2022 تعلّم أن الأموال الساخنة تعود حين يجتمع شرطان معًا: عائد حقيقي موجب ومرتفع، وثقة بأن سعر الصرف لن يبتلع هذا العائد خلال أسابيع. الشرط الأول تحقق تقريبًا بقرار الخميس؛ الشرط الثاني يُبنى يومًا بيوم من استقرار شاشات البنوك ووفرة المعروض الدولاري، وخاصة إذا هدأت معاملات الإنتربنك من مستوياتها المرتفعة الأخيرة قرب 3.12 مليار دولار أسبوعيًا. كلفة الدرع حقيقية أيضًا: كل نقطة فائدة إضافية ترفع فاتورة خدمة الدين المحلي على الموازنة، وتمنح البنوك سببًا إضافيًا لتفضيل إقراض الحكومة على إقراض القطاع الخاص.

ما يجب مراقبته في الأسبوع الجديد محدد: نتائج مزادات أذون الخزانة ونسبة تغطية العطاءات وأسعار الفائدة المقبولة فيها، وصافي تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية جلسة بجلسة من بيانات البورصة المصرية، وسعر الدولار في البنك الأهلي وبنك مصر حول مستوى 56 جنيهًا الذي تحول إلى خط مقاومة نفسي. إذا صمدت العملة تحت هذا المستوى وتجدد الشراء الأجنبي، فقرار الرفع سيكون قد اشترى للسوق وقتًا ثمينًا؛ أما إذا انكسر الاستقرار سريعًا، فالسؤال سيعود أكبر: ماذا تبقى في يد المركزي بعد استخدام سلاح الفائدة بهذه الجرعة؟

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img