لم تهدأ أسعار النفط سوى ساعات معدودة. بعد أن أغلق خام برنت أمس الثلاثاء دون مستوى 100 دولار للبرميل، عاد اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026 ليقفز مجددًا فوق حاجز الـ101 دولار، لكن هذه المرة بدوافع جديدة تمامًا لم تكن على طاولة المتداولين قبل يومين: عاصفة تتجه نحو قلب صناعة النفط الأمريكية، ومخزونات أمريكية تتراجع خلاف التوقعات، وتصعيد حوثي جديد على الأراضي السعودية.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 93 سنتًا، بنسبة 0.92%، لتصل إلى 101.51 دولار للبرميل بحلول الساعة 00:22 بتوقيت جرينتش صباح اليوم، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 82 سنتًا (0.92%) إلى 90.25 دولار للبرميل، بحسب ما نقلته وكالة رويترز في تقريرها الصباحي اليوم.
وكان برنت قد أغلق أمس متراجعًا إلى 100.58 دولار بعد موجة جني أرباح قصيرة، كما رصدت تغطيتنا السابقة للتراجع، بعد أن قفز فوق 101 دولار يوم الاثنين الماضي على خلفية الهجمات الحوثية على السعودية، التي غطيناها هنا بالتفصيل. اليوم يأتي الارتداد بمحركين إضافيين: الطقس الأمريكي والمخزونات.
لماذا تصعد أسعار النفط مجددًا؟
العامل الأبرز اليوم ليس في الشرق الأوسط، بل في خليج المكسيك. فقد أعلن خبراء الأرصاد الأمريكيون أمس الثلاثاء أن عاصفة تتشكل في الخليج ستصبح أول إعصار في موسم الأطلسي لعام 2026 خلال يومين فقط، ومن المتوقع أن تضرب مباشرة منشآت إنتاج النفط والغاز. ويحمل النظام الاستوائي حاليًا اسم “المنخفض الاستوائي التاسع” (Tropical Depression Nine)، ويتجه بسرعة نحو لويزيانا ومسيسيبي، مع توقعات بوصوله إلى الساحل الشمالي للخليج يوم الجمعة.
الرقم الذي أشعل قلق السوق هو أن المناطق البحرية الواقعة في مسار العاصفة تنتج 15% من إجمالي الخام الأمريكي و5% من الغاز الطبيعي في البلاد. والأخطر أن العاصفة قد تؤثر على ست مصافٍ كبرى يشغلها كل من شل وفاليرو وماراثون وبي.بي.إف إنرجي وشيفرون. وتمثل مصافي ولايات خليج المكسيك نحو 50% من إجمالي الطاقة التكريرية الأمريكية البالغة 18.2 مليون برميل يوميًا، ما يعني أن أي توقف مؤقت قد يضرب نصف قدرة التكرير في الولايات المتحدة في توقيت حرج.
وبدأت الشركات الكبرى بالفعل في التحرك: أعلنت شيفرون إجلاء العاملين من جميع منصاتها في خليج المكسيك، فيما أجلت شل العاملين غير الأساسيين من ست منصات بحرية، وانضمت إليهما بي.بي. وقال تيم ووترر، كبير المحللين في “كيه.سي.إم تريد”، إن العاصفة تمثل “عقبة غير مرغوب فيها بالنسبة للخام، إذ ترفع احتمالات اضطرابات الإنتاج والتكرير في وقت تعاني فيه السوق أصلًا من مشكلات معروض كافية”.
العامل الثاني جاء من بيانات معهد البترول الأمريكي الصادرة مساء أمس، والتي أظهرت أن مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع المنتهي في 2 أكتوبر، بينما ارتفعت مخزونات نواتج التقطير بشكل هامشي فقط. وانخفضت مخزونات الخام بمقدار 2.09 مليون برميل في أسبوع واحد، وهو رقم يفوق التوقعات ويعزز الاعتقاد بأن الطلب الأمريكي أقوى مما يبدو، في وقت كان بعض المتداولين يراهنون على تباطؤ الاستهلاك.
الحوثيون يعيدون التوتر إلى الواجهة
في الجبهة الشرقية، لم يخفت التصعيد اليمني-السعودي. فقد أعلنت هيئة الطيران المدني السعودية أن مطار الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي في جازان ومطار نجران الدولي تعرضا لاعتداءين مساء يوم الاثنين، في تصعيد جديد للأعمال القتالية بين المملكة وجماعة الحوثي اليمنية المدعومة من إيران.
وتزامن ذلك مع إعلان المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، اعتراض وتدمير صاروخ باليستي شمال مدينة الرياض، أطلقته الميليشيا الحوثية. وهذا التطور يبقي ملف أمن إمدادات النفط السعودي مفتوحًا أمام السوق، حتى مع استمرار تدفق الخام.
في المقابل، حاولت السعودية طمأنة السوق: قال وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان أمس الثلاثاء إن كمية النفط التي يجري ضخها عبر خط أنابيب شرق-غرب وصلت إلى 5.8 مليون برميل يوميًا بحلول صباح الثلاثاء، في إشارة إلى استمرار تعويض أي اضطرابات محتملة في الشحن عبر الممرات البحرية.
إمدادات تتدفق.. لكن السوق يشتري المخاطرة
على الورق، الصورة ليست كلها قاتمة للمعروض. فقد كشف الرئيس التنفيذي لشركة فيتول لتجارة السلع الأولية، أمس الثلاثاء، أن نحو 12 مليون برميل يوميًا من النفط الخام ومليوني برميل يوميًا من المنتجات المكررة غادرت منطقة الشرق الأوسط على متن ناقلات خلال الأيام السبعة إلى العشرة الماضية، أي أن التدفقات الفعلية ما زالت قوية رغم المخاطر.
لكن السوق، كما يرى استراتيجيو السلع في “آي.إن.جي”، “سيبقى متوترًا تجاه أي اضطرابات محتملة في الإمدادات”، معتبرين أن مخاطر الإمداد من الشرق الأوسط “ما زالت حقيقية للغاية” في ظل استمرار الهجمات على السفن. ولاحظ وارن باترسون، رئيس استراتيجية السلع في البنك، أن برنت تداول تحت ضغط كبير خلال جلسة الثلاثاء ونزل قرب 97 دولارًا، لكنه مع ذلك أغلق فوق 100 دولار، في علامة على أن قاع السوق يرتفع مع كل موجة بيع.
يذكر أن برنت كان قد استقر فوق 102 دولار يوم الجمعة الماضي، قبل أن يتراجع مطلع الأسبوع بعد قرار أوبك+ إبقاء أهداف إنتاج نوفمبر دون تغيير في اجتماع الأحد 5 أكتوبر، وإعلان مجموعة السبع عن سحب 100 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية. أي أن السوق يتأرجح منذ أيام بين أخبار تزيد المعروض وأخرى تهدده، والغلبة حاليًا لعامل الخوف.
تحليل الفلوس: ما الذي يعنيه استمرار أسعار النفط فوق 101 دولار؟
بالنسبة لمصر، الرقم 101 ليس مجرد عنوان في نشرة أخبار. مصر مستورد صافٍ للمنتجات البترولية، وكل دولار إضافي فوق افتراضات الموازنة يترجم مباشرة إلى فاتورة استيراد أثقل بالعملة الصعبة. ومع احتفاظ البنك المركزي باحتياطي نقدي قياسي تجاوز 57 مليار دولار في سبتمبر، فإن أي اتساع مستدام في فاتورة الطاقة سيظهر أثره في ميزان المدفوعات خلال شهور، لا سنوات.
الملف الأكثر إلحاحًا هو لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية، التي تراجع أسعار البنزين والسولار كل ثلاثة أشهر بناءً على متوسطات الأسعار العالمية وسعر الصرف. بقاء برنت فوق 100 دولار لفترة ممتدة يضع اللجنة أمام خيارين لا ثالث لهما: تمرير الزيادة للمستهلك، أو تحمّل الموازنة فارقًا يضغط على عجزها. والسولار تحديدًا هو حلقة الوصل بين سعر النفط العالمي وأسعار النقل والغذاء في السوق المحلية، أي أن أي زيادة فيه تتسرب تدريجيًا إلى التضخم الذي ترصده بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ما الذي يجب مراقبته في الأيام المقبلة؟ ثلاثة ملفات: الأول مسار العاصفة يوم الجمعة قرب لويزيانا ومسيسيبي، فأي إغلاق للمصافي الست سيرفع أسعار المنتجات المكررة عالميًا حتى لو استقر الخام. الثاني البيانات الرسمية لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية اليوم، والتي ستؤكد أو تنفي قراءة معهد البترول عن تراجع المخزونات. والثالث: هل يتسع التصعيد الحوثي-السعودي إلى منشآت نفطية مباشرة، أم يبقى محصورًا في أهداف مدنية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان مستوى 101 دولار محطة عبور نحو 105، أم مجرد ذروة مؤقتة قبل عودة جديدة دون المئة.







