أغلقت وول ستريت جلسة الخميس 29 أكتوبر 2026 على واحدة من أغرب المفارقات في ذاكرة المتعاملين هذا العام: المؤشرات الكبرى حمراء، وناسداك يهبط 1.38%، لكن أغلب الأسهم الأمريكية صعدت فعليًا. الصورة التي رسمتها الجلسة لم تكن انهيارًا ولا بيعًا جماعيًا، بل عملية تدوير واسعة خرجت فيها الأموال من أسهم التكنولوجيا العملاقة والذكاء الاصطناعي، ودخلت بقوة إلى قطاعات كانت منسية طوال الأشهر الماضية مثل الرعاية الصحية والعقارات والسلع الاستهلاكية الأساسية والمرافق. من قرأ شريط الإغلاق وحده ظن أن السوق انهار، ومن قرأ خريطة القطاعات فهم أن السوق كان يعيد ترتيب نفسه.
وول ستريت بالأرقام: ناسداك يقود الهبوط وراسل يصعد وحده
أنهى مؤشر ناسداك المركب الجلسة منخفضًا 1.38% عند 26,184.72 نقطة، وهو التراجع الأكبر بين المؤشرات الرئيسية، متأثرًا بثقل أسهم النمو والرقائق. وتراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.30% إلى 7,720.39 نقطة، لينهي بذلك سلسلة مكاسب استمرت ثلاث جلسات متتالية. أما مؤشر داو جونز الصناعي فانخفض 0.25% إلى 52,342.56 نقطة، وضغطت عليه خسائر أسهم ثقيلة مثل كاتربيلر. وفي المقابل تمامًا، صعد مؤشر راسل 2000 للأسهم الصغيرة 1.01% إلى 2,859.22 نقطة، في إشارة واضحة إلى أن شهية المخاطرة لم تمت، بل انتقلت من الكبار إلى الصغار. وانخفض مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات 1.42%، ليلخص وحده حجم الضغط الذي تعرض له قطاع الرقائق خلال الجلسة.
الفارق بين أداء المؤشرات المرجحة بالقيمة السوقية وأداء السوق الفعلي ظهر بوضوح في مؤشر ستاندرد آند بورز متساوي الأوزان، الذي يمنح كل شركة الوزن نفسه بصرف النظر عن حجمها، إذ صعد 1.20% في اليوم نفسه الذي تراجع فيه المؤشر التقليدي. وتفوق عدد الأسهم الرابحة على عدد الأسهم الخاسرة في بورصتي نيويورك وناسداك معًا، وهو ما يؤكد أن الهبوط كان مركزًا في عدد محدود من الأسهم العملاقة ذات الأوزان الثقيلة، لا موجة بيع ضربت السوق كله. وجلسة الخميس كانت جلسة إعادة تموضع بامتياز.
خريطة القطاعات في وول ستريت: 9 قطاعات خضراء من أصل 11
من بين قطاعات ستاندرد آند بورز الأحد عشر، أغلقت تسعة قطاعات على ارتفاع. تصدر قطاع الرعاية الصحية المكاسب بصعود 2.40%، مدعومًا بقفزة سهم إيلي ليلي بعد رفع الشركة توقعاتها للعام بالكامل. وجاء قطاع العقارات ثانيًا بمكاسب 2.21%، مستفيدًا من تراجع عوائد السندات خلال الجلسة، لأن أسهم العقارات حساسة جدًا لاتجاه الفائدة. وصعد قطاع السلع الاستهلاكية الأساسية 1.54%، وقطاع المرافق 1.53%، وهي قطاعات دفاعية يلجأ إليها المستثمرون عادة عندما يريدون تقليل المخاطرة دون الخروج من السوق. وارتفع القطاع المالي 1.44%، وقطاع المواد الأساسية 1.29%، والقطاع الصناعي 0.97%، وقطاع السلع الاستهلاكية الكمالية 0.75%، وقطاع الطاقة 0.38% بدعم من استقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة.
في الجانب الآخر، لم يتراجع سوى قطاعين فقط: قطاع خدمات الاتصالات بنسبة 1.87%، وهو القطاع الذي يضم ألفابت وميتا، وقطاع التكنولوجيا بنسبة 1.18%. أن يخسر السوق قطاعيه الأكبر وزنًا وينجو بهذا الشكل، فهذا يعني أن قاعدة السوق أوسع وأقوى مما توحي به عناوين المؤشرات. التدوير بهذا الحجم لا يحدث صدفة؛ مديرو الصناديق كانوا يبيعون ما ارتفع كثيرًا ويراهنون على ما تأخر، استعدادًا لمرحلة قد لا تقودها أسهم الذكاء الاصطناعي وحدها كما حدث طوال العامين الماضيين.
الأسهم المتحركة: ألفابت في أسوأ يوم بتاريخها وليلي تنقذ القطاع الصحي
كان سهم ألفابت، الشركة الأم لجوجل، هو بطل الجلسة من الناحية السلبية، بعدما هوى 12.64% في أسوأ يوم تداول في تاريخ الشركة، على خلفية مخاوف المستثمرين من حجم الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي. وقد تناولت الفلوس هذه القصة بالتفصيل في تقريرها السابق: سهم ألفابت ينهار ويمحو مئات المليارات من قيمته السوقية، وهو التقرير الذي يشرح كيف تحولت نفقات الذكاء الاصطناعي من قصة نمو محبوبة إلى سؤال محاسبي قاسٍ عن العائد. ولم يكن ألفابت وحيدًا في المنطقة الحمراء؛ سهم سيرفيس ناو انهار 26.95%، وسهم فورتينت خسر نحو 20%، وسهم مارفيل تراجع 13.24%، وسهم كاتربيلر هبط نحو 9% وكان أكبر ضاغط على مؤشر داو جونز.
على الجانب الرابح، قفز سهم إيلي ليلي 6.63% بعدما رفعت شركة الأدوية توقعاتها لأرباح وإيرادات العام بالكامل، فرفع معه قطاع الرعاية الصحية كله. وصعد سهم ميتا 1.97%، وسهم أبل 1.49%، بينما أغلق سهم مايكروسوفت شبه مستقر منخفضًا 0.11% فقط، رغم إعلان الشركة نتائج فاقت التوقعات، وكأن السوق قرر أن معيار المكافأة هذا الموسم لم يعد مجرد التفوق على التقديرات، بل إثبات أن الإنفاق الضخم سيتحول إلى أرباح قريبة. وبعد جرس الإغلاق، جاءت أخبار إضافية تستحق المتابعة دون أن تكون قصة اليوم: أمازون خيبت التوقعات في الرقم الرئيسي، إذ سجلت ربحية سهم 1.89 دولار مقابل 1.97 دولار متوقعة، وتراجع سهمها في تداولات ما بعد الإغلاق، كما هوى سهم إنتل نحو 20% بعد الإغلاق على خلفية توقعات ضعيفة، وهما عاملان قد يضغطان على افتتاح الجمعة.
الخلفية الاقتصادية: نمو قوي وتضخم عنيد وفيدرالي منقسم
جاءت جلسة الخميس فوق خلفية اقتصادية مزدحمة. نمو الناتج المحلي الأمريكي في الربع الثالث سجل 3.4% على أساس سنوي، متجاوزًا التوقعات البالغة 3.2%، وهو رقم يؤكد أن الاقتصاد الأمريكي لا يتباطأ بالوتيرة التي تخشاها الأسواق. في المقابل، سجل مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر سبتمبر ارتفاعًا 3.6% على أساس سنوي، وارتفع المؤشر الأساسي الذي يستبعد الغذاء والطاقة 3.1%، ليبقى التضخم أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% بمسافة واضحة. وكان الفيدرالي قد أبقى يوم الأربعاء أسعار الفائدة دون تغيير في نطاق 3.75% إلى 4.00%، في قرار صوت لصالحه عشرة أعضاء مقابل معارضة عضوين، وهو انقسام يعكس صعوبة المرحلة.
الأغرب أن رهانات الأسواق على اجتماع ديسمبر تميل الآن إلى رفع جديد للفائدة، إذ تدور احتمالات الرفع حول 80% إلى 85% وفق أداة متابعة العقود في بورصة شيكاغو التجارية، رغم أن الفيدرالي ثبت الفائدة قبل يوم واحد فقط. ورغم ذلك، تراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.94% إلى 4.95%، في حركة تعكس إقبالًا على الملاذات الآمنة وسط اضطراب أسهم التكنولوجيا، لا قناعة بأن التشديد انتهى. واستقر مؤشر الخوف فيكس قرب 17.2 نقطة، وهو مستوى يقول إن السوق متوتر لكنه غير مذعور. وفي أسواق السلع، استقر خام غرب تكساس الوسيط عند 102 دولار للبرميل، بينما أغلق الذهب قرب 4,031 دولارًا للأوقية في السوق الفورية، ونحو 4,017.70 دولار في عقود كومكس، محافظًا على مستوياته التاريخية المرتفعة.
تحليل الفلوس
السؤال الحقيقي بعد جلسة الخميس ليس لماذا هبط ناسداك، بل ما طبيعة هذا التدوير: هل هو توسيع صحي لقاعدة الصعود بعد عامين من تركيز المكاسب في حفنة أسهم ذكاء اصطناعي، أم أنه بداية فك ارتباط بطيء بفقاعة الإنفاق الرأسمالي؟ قراءة الفلوس تميل إلى التفسير الأول حتى الآن، لسبب بسيط: الذعر لا يرفع تسعة قطاعات دفعة واحدة، ولا يدفع راسل 2000 والمؤشر متساوي الأوزان إلى الصعود بهذا الوضوح. ما حدث أقرب إلى جني أرباح منظم وإعادة توزيع للمخاطرة. لكن التحذير قائم؛ إذا بدأت نتائج بقية شركات التكنولوجيا الكبرى تؤكد أن الإنفاق يتسارع أسرع من الإيرادات، سيتحول التدوير الهادئ إلى خروج أوسع، وعندها لن تنجو القطاعات الدفاعية طويلًا.
المفارقة الثانية أخطر من الأولى: عوائد السندات تهبط بفعل طلب الملاذ الآمن، بينما احتمالات رفع الفائدة في ديسمبر تقفز إلى ما فوق 80%. السوقان يرويان قصتين متعاكستين؛ سوق الأسهم يخشى تباطؤ أرباح التكنولوجيا، وسوق العقود يرى تضخمًا عنيدًا عند 3.6% ونموًا قويًا عند 3.4% لا يسمحان للفيدرالي بالتيسير. هذا التناقض لا يدوم عادة؛ إما أن تتراجع رهانات الرفع إذا تدهورت بيانات التوظيف والتضخم المقبلة، أو تعود العوائد للصعود وتضغط على تقييمات الأسهم كلها، لا التكنولوجيا فقط. بالنسبة لمصر، المعادلة مباشرة: وول ستريت مستقرة القاعدة تعني شهية مخاطرة عالمية حية، وهذا يدعم تدفقات الأموال الساخنة إلى أذون الخزانة والبورصة المصرية، أما رفع فائدة أمريكية جديد في ديسمبر مع نفط عند 102 دولار وذهب فوق 4,000 دولار، فسيعني دولارًا أقوى وضغطًا أكبر على الجنيه وتكلفة استيراد طاقة أثقل. الأنظار الآن إلى نتائج إكسون موبيل وشيفرون يوم الجمعة، ثم اجتماع أوبك بلس في عطلة نهاية الأسبوع؛ أي مفاجأة نفطية هناك ستعيد تسعير كل ما حدث يوم الخميس قبل افتتاح الاثنين.







