ارتفعت أسعار النفط بأكثر من دولار للبرميل صباح الأربعاء 21 أكتوبر 2026، لتستعيد جزءًا كبيرًا من خسائر الجلسة السابقة، بعدما عادت مخاوف الإمدادات إلى الواجهة وتلقت السوق دعمًا إضافيًا من بيانات أولية أظهرت استمرار تراجع المخزونات الأمريكية من الخام والمنتجات النفطية. ووفقًا لوكالة رويترز، صعدت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.59 دولار، بما يعادل 1.5%، لتسجل 110.38 دولار للبرميل بحلول الساعة 03:50 بتوقيت جرينتش، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 1.36 دولار، أو 1.4%، ليصل إلى 99.18 دولار للبرميل.
الحركة الصاعدة لم تأتِ من فراغ. السوق تعيش منذ أسبوعين حالة شد وجذب حادة بين عاملين متضادين: تصعيد ميداني يهدد حركة الناقلات وإمدادات الطاقة في الخليج والبحر الأحمر، وفي المقابل حديث متقطع عن وساطات إقليمية قد تفتح بابًا لتهدئة بين طهران وواشنطن. كل خبر عن وساطة يدفع التجار إلى جني الأرباح والبيع، وكل هجوم جديد على سفينة أو منشأة يعيد علاوة المخاطر إلى السعر في ساعات قليلة. هذا بالضبط ما حدث بين تعاملات الثلاثاء وصباح الأربعاء.
أسعار النفط بين وساطة باكستانية وتصعيد ميداني
يوم الثلاثاء، تراجعت الأسعار عند التسوية بعد أنباء عن مناقشة الرئيس الإيراني مسألة الوساطة مع قائد الجيش الباكستاني خلال لقائهما في طهران، وهو ما غذّى آمالًا حذرة لدى بعض المتعاملين بأن قناة تفاوض غير مباشرة قد تكون قيد التشكيل. وأغلق خام برنت تعاملات الثلاثاء عند 108.79 دولار للبرميل، منخفضًا عن أعلى مستوى سجله خلال الجلسة نفسها عند نحو 111.75 دولار، وهو أعلى مستوى في خمسة أشهر. الفارق بين القمة والقاع في يوم واحد، والذي تجاوز ثلاثة دولارات، يكشف حجم القلق المزروع في السوق وحساسية الأسعار لأي إشارة سياسية، حتى لو كانت أولية وغير مؤكدة.
لكن الصورة على الأرض لم تتغير. وكالة نورنيوز الإيرانية نقلت أن طهران أبلغت قائد الجيش الباكستاني أنها لن تجري محادثات مع واشنطن قبل تلبية مطالبها، وهي رسالة تخفف كثيرًا من وزن التكهنات حول اتفاق قريب. وفي الوقت نفسه، تحدثت تقارير عن وصول وفد قطري إلى طهران، دون أي تأكيد رسمي حتى الآن من الدوحة أو طهران بشأن طبيعة الزيارة أو جدول أعمالها. ووفقًا لوكالة رويترز، رأى سوفرو ساركار، المحلل لدى بنك دي بي إس، أن تحركات السوق الأخيرة تعكس مزيجًا من جني الأرباح والآمال المعلقة على صفقة بوساطة قطرية أو باكستانية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن التوصل إلى اتفاق لا يزال بعيدًا.
هذا التقدير يلخص مزاج السوق بدقة. التجار لا يبنون مراكز طويلة الأجل على أمل سياسي هش، لكنهم أيضًا لا يستطيعون تجاهل احتمال مفاجأة دبلوماسية تخفض علاوة المخاطر دفعة واحدة. النتيجة هي تذبذب واسع داخل نطاق مرتفع أصلًا، مع بقاء برنت فوق مستوى 108 دولارات رغم عمليات البيع، وهو ما يعني أن الخوف من نقص الإمدادات الفعلي ما زال أقوى من رهانات التهدئة.
المخزونات الأمريكية تدعم أسعار النفط من باب الطلب
الدعم الثاني لأسعار النفط صباح الأربعاء جاء من الولايات المتحدة. فقد أظهرت بيانات معهد البترول الأمريكي استمرار السحب من مخزونات الخام والمنتجات النفطية، في إشارة إلى أن الطلب الأمريكي لم يتراجع بالقدر الذي تخشاه الأسواق، وأن المصافي ما زالت تسحب من المخزون بوتيرة تعزز الأسعار. أرقام المعهد تُعد تمهيدًا للبيانات الرسمية التي تصدرها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في وقت لاحق اليوم الأربعاء، وهي البيانات التي يترقبها التجار باعتبارها الحكم الأدق على توازن العرض والطلب في أكبر دولة مستهلكة للنفط في العالم.
إذا أكدت الأرقام الرسمية اتجاه السحب نفسه، فستجد الأسعار مبررًا إضافيًا للتماسك فوق المستويات الحالية، لأن تراجع المخزون في موسم يفترض فيه عادة هدوء الطلب يعني أن المعروض المتاح للتداول الفوري أضيق مما توحي به أرقام الإنتاج وحدها. أما إذا جاءت البيانات الرسمية عكس ذلك، ببناء مفاجئ في المخزونات، فقد تعود موجة جني الأرباح سريعًا، خاصة أن جزءًا من الصعود الحالي مبني على توقعات لم تُحسم بعد.
ولا يمكن فصل حركة المخزونات عن الصورة الأوسع للمعروض العالمي. فبينما تضخ دول تحالف أوبك بلس كميات إضافية بوتيرة محسوبة، تعمل المخاطر الجيوسياسية في مضيق هرمز والبحر الأحمر عكس الاتجاه تمامًا، إذ ترفع تكلفة الشحن والتأمين وتطيل زمن الرحلات، وهو ما يقلص المعروض الفعلي الواصل إلى المصافي حتى لو لم يتوقف إنتاج حقل واحد. السوق اليوم تسعّر خطر التعطيل قبل وقوعه، لا بعده.
هجمات على الناقلات ومنشآت سعودية ترفع علاوة المخاطر
العامل الأكثر إلحاحًا في تسعير النفط حاليًا هو أمن الملاحة. شركة كبلر المتخصصة في تتبع حركة السفن أحصت ما لا يقل عن 18 هجومًا على سفن خلال الأسبوعين الماضيين، وهو رقم يعكس تصعيدًا متسارعًا لا حوادث متفرقة. وحذر محللون لدى مجموعة بورصات لندن، إل إس إي جي، من أن إيران توسع نطاق استهداف الناقلات إلى ما بعد مضيق هرمز وصولًا إلى خليج عُمان، بما يهدد ممرات بديلة كانت شركات الشحن تعوّل عليها لتجنب بؤرة الخطر الأصلية.
بالتوازي، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجمات يوم الاثنين استهدفت موقعًا لشركة أرامكو في ينبع وحقل الشيبة النفطي ومطاري الرياض وأبها، وفق ما نقلته التقارير. سواء ثبت حجم الأضرار الفعلية كاملًا أم لا، فإن مجرد استهداف منشآت نفطية سعودية بهذا الاتساع يعيد إلى الأذهان سيناريوهات تعطل إمدادات كبرى، ويدفع شركات التأمين إلى رفع أقساط الحرب على رحلات الخليج، ويدفع المشترين الآسيويين والأوروبيين إلى تأمين شحنات بديلة بأسعار أعلى. كل ذلك يصب في اتجاه واحد: برميل أغلى عند التسليم الفعلي مقارنة بسعر الشاشة وحده.
ويبقى مضيق هرمز نقطة الاختناق الأخطر عالميًا، إذ يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط المنقولة بحرًا، والبدائل البرية لا تعوّض سوى جزء من كمياته. لهذا تفاعلت الأسعار بقوة مع الهجمات الأخيرة، وستبقى حساسة لأي تطور ميداني جديد.
تحليل الفلوس
بالنسبة لمصر، صعود برنت إلى 110.38 دولار ليس خبرًا خارجيًا بعيدًا، بل ضغط مباشر على المالية العامة وعلى جيب المواطن بتأخير زمني قصير. مصر مستورد صافٍ للوقود، وكل برميل تستورده الخزانة أو الهيئة العامة للبترول بسعر أعلى يوسع فاتورة الدعم والواردات معًا. موازنة الدولة بُنيت على افتراض سعر نفط يدور حول 80 دولارًا للبرميل وفق ما تناولته تغطيات سابقة للفلوس، ما يعني أن الفجوة بين السعر المفترض والسعر الفعلي تتجاوز اليوم 30 دولارًا في البرميل الواحد. وكل عشرة دولارات زيادة مستدامة في السعر تترجم عمليًا إلى مليارات إضافية من الجنيهات تتحملها الموازنة، إما عبر بند الدعم أو عبر كلفة الاستيراد بالعملة الصعبة في وقت تحاول فيه الدولة الحفاظ على استقرار احتياطياتها وسعر صرفها.
الضغط لا يتوقف عند الموازنة. ارتفاع أسعار النفط العالمية يغذي أسعار السولار والبنزين عالميًا، وينتقل أثره محليًا إلى تكلفة النقل والشحن، ومنها إلى أسعار الغذاء والسلع الأساسية. لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية ستنعقد في موعدها الدوري المقبل أمام معادلة أصعب: سعر عالمي مرتفع، وسعر صرف يتحرك، والتزام حكومي معلن بخفض فاتورة الدعم تدريجيًا ضمن برنامج الإصلاح المتفق عليه. كلما طال بقاء برنت فوق 100 دولار، ضاقت مساحة المناورة أمام اللجنة بين خيار التثبيت الذي يرهق الموازنة وخيار التحريك الذي يرفع التضخم. والتضخم نفسه هو الحلقة الأخيرة في السلسلة، لأن أي زيادة في أسعار الوقود تنتشر بسرعة في أسعار النقل الجماعي والخاص ونقل البضائع، وتصل إلى المستهلك في أسابيع لا شهور.
ما يجب مراقبته خلال الساعات والأيام المقبلة محدد وواضح. أولًا، البيانات الرسمية لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية اليوم الأربعاء: تأكيدها للسحب من المخزونات سيدعم بقاء الأسعار مرتفعة، ومخالفتها قد تفتح باب تصحيح مؤقت. ثانيًا، مسار الوساطة الباكستانية والقطرية: أي بيان رسمي من طهران أو واشنطن يغير قواعد اللعبة سيخفض علاوة المخاطر بسرعة، أما بقاء الرسائل على حالها، لا محادثات قبل تلبية المطالب، فيعني أن السوق ستواصل تسعير الخطر لا التهدئة. وثالثًا، أمن الملاحة في هرمز وخليج عُمان والبحر الأحمر، لأن هجومًا واحدًا كبيرًا على ناقلة نفط عملاقة قد يدفع برنت إلى مستويات لم يشهدها منذ سنوات. لمصر تحديدًا، السؤال الأهم ليس سعر اليوم، بل متوسط السعر حتى موعد لجنة التسعير المقبل، فهو الرقم الذي سيحدد حجم الضغط الفعلي على الموازنة وعلى الأسعار التي يدفعها المواطن.







