انقسمت وول ستريت مساء الأربعاء 28 أكتوبر 2026 إلى معسكرين واضحين بعد إعلان نتائج شركتين من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، ورسالة السوق كانت مباشرة: إنفاق الذكاء الاصطناعي لم يعد يُكافأ تلقائيًا، بل صار يُحاسَب على أساس ما يدرّه من إيرادات وأرباح فعلية. مايكروسوفت قدّمت هذا الدليل بالأرقام، فقفز سهمها بنحو 4 إلى 4.8% في تداولات ما بعد الإغلاق، بينما دفعت ألفابت، الشركة الأم لجوجل، ثمن إنفاق ضخم لم يقابله نمو مماثل في التدفق النقدي، فهبط سهمها بين 7% وأكثر من 10% في بعض لحظات الجلسة الممتدة، في تراجع وصفته صحيفة وول ستريت جورنال بأنه الأشد منذ ثلاث سنوات إذا استمر على هذا النحو عند افتتاح الخميس.
مايكروسوفت: Azure يقود النتيجة وإنفاق الذكاء الاصطناعي يتحول إلى ربح
أعلنت مايكروسوفت عن نتائج الربع الأول من سنتها المالية 2027 بإيرادات بلغت 92.3 مليار دولار، متجاوزة توقعات المحللين التي دارت حول 90.6 إلى 90.7 مليار دولار. وبلغت ربحية السهم المعدلة 4.89 دولار مقابل نحو 4.72 إلى 4.73 دولار كانت متوقعة، بنمو يقارب 19% على أساس سنوي. الرقم الأهم في التقرير كله كان نمو إيرادات منصة Azure السحابية بنسبة 48% على أساس سنوي، متخطية توقعات عند حدود 44.8%، وهو تسارع يقرأه المستثمرون على أنه ترجمة مباشرة لطلب الشركات على قدرات الحوسبة اللازمة لتشغيل نماذج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وصلت إيرادات مايكروسوفت كلاود إلى 63.9 مليار دولار بنمو 30%، وسجّلت الشركة دخلًا تشغيليًا قرب 45.9 مليار دولار وصافي ربح عند 36.6 مليار دولار. على جانب الإنفاق، بلغت النفقات الرأسمالية 39.4 مليار دولار خلال الربع، وهو رقم ضخم في حد ذاته، لكنه جاء أقل من مستوى قرب 45.9 مليار دولار كان يخشاه بعض المتابعين في أحد التقديرات المجمعة، فخفّف المخاوف من انفلات الإنفاق دون عائد.
الفارق الذي صنع رد فعل السوق ليس حجم الإنفاق وحده، بل تزامنه مع نمو سحابي أسرع من المتوقع وهوامش ما زالت متماسكة.
ألفابت: سحابة قوية وبحث ينمو.. لكن التدفق النقدي الحر يتحول إلى سالب
على الجانب الآخر، جاءت أرقام ألفابت للربع الثالث من 2026 أضعف من التوقعات على الخطوط الأهم للسوق. سجّلت الشركة إيرادات عند 127.6 مليار دولار مقابل توقعات دارت بين 127.9 و128.2 مليار دولار، أي إخفاق طفيف في الرقم الإجمالي، لكن الضربة الأكبر ظهرت في ربحية السهم التي بلغت 2.12 دولار فقط مقابل نحو 3.01 إلى 3.03 دولار متوقعة. السبب الرئيسي كان خسارة قدرها 8.7 مليار دولار في الأوراق المالية لحقوق الملكية، ما دفع بند الدخل الآخر إلى سالب 8.2 مليار دولار، بعدما كان موجبًا عند 12.8 مليار دولار قبل عام.
الصورة التشغيلية نفسها لم تكن سيئة بالكامل. إيرادات جوجل كلاود قفزت بنسبة 103% على أساس سنوي لتصل إلى 30.7 مليار دولار، ونما نشاط البحث بنسبة 12% مع أسرع نمو في عدد الاستعلامات منذ خمس سنوات، بينما وصل تطبيق Gemini إلى مليار مستخدم. النفقات الرأسمالية بلغت نحو 51.4 مليار دولار في ربع واحد، والتدفق النقدي الحر تحول إلى سالب بنحو 9.1 مليار دولار.
لتمويل هذا السباق، أصدرت ألفابت سندات أولية بقيمة 28.7 مليار دولار، وباعت أسهمًا بقيمة 12.4 مليار دولار عبر برنامج بيع في السوق، وأوقفت عمليات إعادة شراء الأسهم. بالنسبة لمساهم اعتاد على ألفابت كآلة توليد نقد تعيد شراء أسهمها بانتظام، تغيّرت القصة فجأة: الشركة صارت مقترضًا ومُصدرًا للأسهم في الوقت نفسه، وربحية السهم تعرّضت لضربة محاسبية كبيرة. هنا تحديدًا اختلف حكم السوق بين شركتين تنفقان مبالغ متقاربة على البنية التحتية نفسها تقريبًا.
وول ستريت أغلقت على ارتفاع محدود بعد تثبيت الفيدرالي للفائدة
قبل صدور النتائج بعد الإغلاق، أنهت الأسهم الأمريكية جلسة الأربعاء على ارتفاعات محدودة. صعد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.28% إلى 7743.98 نقطة، وزاد ناسداك بنسبة 0.27% إلى 26549.85 نقطة، وارتفع داو جونز بنسبة 0.19% إلى 52475.10 نقطة. واستقر عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات قرب 5.02 إلى 5.04%،
الاحتياطي الفيدرالي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في نطاق 3.75 إلى 4.00%، في قرار جاء بتصويت 10 مقابل 2، بينما تسعّر الأسواق احتمالًا قرب 85% لرفع الفائدة في اجتماع ديسمبر المقبل وفق رهانات المتعاملين بعد القرار. هذا المزيج، فائدة مرتفعة لفترة أطول وعوائد سندات فوق 5%، يجعل المستثمر أقل تسامحًا مع أي شركة تطلب منه تمويل إنفاق ضخم اليوم مقابل وعود بعيدة. وهو السياق نفسه الذي شهد في جلسات سابقة موجات بيع مرتبطة بملفات الطاقة والتكنولوجيا، كما تابعنا في تغطية تحركات وول ستريت وملفات الطروحات الكبرى، وكما ينعكس أيضًا على أسعار النفط وتحركات الأسواق العالمية التي تتأثر مباشرة بتوقعات الفائدة والدولار.
ما حدث بعد الإغلاق امتداد لما جرى الأسبوع الماضي مع ميتا وتسلا، حين باع المستثمرون الشركتين بعد نتائج أثارت أسئلة عن حجم الإنفاق والعائد منه. الفارق الآن أن السوق لم يعد يعاقب الجميع بالطريقة نفسها. مايكروسوفت كوفئت لأن نمو Azure فاق التوقعات، وألفابت عوقبت لأن إنفاقها تجاوز قدرتها الحالية على توليد نقد حر، رغم نمو سحابتها القوي. المعيار الجديد ليس من ينفق أكثر، بل من يثبت أن كل دولار يُضخ في مراكز البيانات يعود إيرادًا خلال فصول قليلة.
أمازون وبيانات الخميس: الاختبار التالي لشهية الذكاء الاصطناعي
الاختبار التالي يأتي سريعًا. أمازون تعلن نتائجها مساء الخميس بعد الإغلاق، والسوق سيراقب فيها الرقم نفسه الذي حسم الحكم على منافسيها: نمو وحدة AWS السحابية مقارنة بحجم نفقاتها الرأسمالية وخططها للعام المقبل. أي تباطؤ سحابي مع رفع جديد لخطط الإنفاق سيواجه على الأرجح رد الفعل نفسه الذي واجهته ألفابت، بينما قد يمنح نمو قوي في AWS السوق سببًا للتمييز مجددًا بين المنفقين.
وقبل نتائج أمازون، تصدر صباح الخميس بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الثالث ومؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الفيدرالي. على الضفة الأوروبية يترقب المتعاملون أيضًا قرار البنك المركزي الأوروبي، ما يجعل الخميس يومًا مزدحمًا بالمحفزات على جانبي الأطلسي.
تحليل الفلوس
ما جرى مساء الأربعاء ليس مجرد تباين فصلي بين شركتين، بل بداية مرحلة مختلفة في تقييم أسهم التكنولوجيا الكبرى. خلال العامين الماضيين اشترى السوق قصة الإنفاق نفسها من الجميع تقريبًا، وارتفعت التقييمات على افتراض أن بناء البنية التحتية أولًا سيجلب الإيرادات لاحقًا بشكل شبه تلقائي. نتائج هذا الأسبوع تقول إن مرحلة الشيك المفتوح انتهت: مايكروسوفت جنت علاوة لأن Azure نما 48%، وألفابت دفعت خصمًا لأن تدفقها النقدي الحر صار سالبًا رغم نمو سحابي تجاوز 100%. عندما يصبح عائد الخزانة فوق 5% وتقترب احتمالات رفع جديد للفائدة من 85%، يصبح تبرير تقييمات مرتفعة بوعود بعيدة أصعب بكثير، والشركات التي لا تربط إنفاقها بإيرادات قريبة ستُسعّر كشركات بنية تحتية كثيفة رأس المال، لا كشركات برمجيات خفيفة الأصول.
بالنسبة للمستثمر المصري الذي يتابع الأسهم الأمريكية مباشرة أو عبر صناديق مؤشرات ناسداك وصناديق التكنولوجيا العالمية، الرسالة عملية وليست نظرية. التركيز المفرط في عدد محدود من أسهم الذكاء الاصطناعي يعني أن محفظته صارت رهينة لنتائج فصلية لخمس أو ست شركات تنفق معًا مئات المليارات سنويًا؛ تذبذب بنسبة 7 إلى 10% في سهم واحد بعد الإغلاق لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل صار جزءًا من طبيعة هذا الاستثمار في موسم النتائج. التنويع داخل القطاع نفسه، بين من يثبت تحويل الإنفاق إلى ربح ومن ما زال في مرحلة الحرق، صار أهم من مجرد اختيار القطاع، ومراجعة أوزان المؤشرات التي تبالغ في تركيزها على الأسماء الأكبر باتت ضرورة وليست ترفًا.
ما يجب مراقبته يوم الخميس محدد وواضح: نتائج أمازون ونمو AWS مساءً، وبيانات الناتج المحلي والتضخم صباحًا، وقرار البنك المركزي الأوروبي، ثم قرار البنك المركزي المصري بشأن أسعار الفائدة وما يحمله لشهية المستثمرين المحليين تجاه الأصول المقومة بالدولار. إذا جاءت أمازون بنمو سحابي قوي وإنفاق منضبط، قد يستعيد السوق رواية التمييز الإيجابي وتستقر التقييمات. أما إذا تكررت معادلة ألفابت، إنفاق أعلى وتدفق نقد أضعف، فالأقرب هو اتساع موجة إعادة التسعير لتشمل القطاع كله، مع انتقال جزء من السيولة نحو السندات والسهم الدفاعي حتى تتضح الصورة في نتائج إنفيديا المقبلة.







