فتحت وول ستريت جلسة الاثنين 26 أكتوبر 2026 على ارتفاع واضح، مدفوعة بموجة تفاؤل جديدة حول الذكاء الاصطناعي بعدما نشرت شركة أنثروبيك ملف طرحها العام الأولي، في خطوة أعادت الثقة إلى صفقة الذكاء الاصطناعي التي اهتزت في الأسابيع الماضية تحت وطأة الديون الضخمة وتساؤلات الربحية. وفي المقابل، انهارت الأسهم البرازيلية انهيارًا حادًا بعد فوز مفاجئ للرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية التي جرت الأحد، لتتحول جلسة واحدة إلى صورتين متناقضتين: شهية مخاطرة في نيويورك، وذعر سياسي في ساو باولو. وبحسب متابعة بارونز للجلسة، كانت الأسهم الأمريكية صاعدة في التعاملات المبكرة والمتوسطة، بينما هوت أسهم كبرى الشركات البرازيلية المدرجة في الولايات المتحدة بنسب وصلت إلى 51% في حالة شركة إكس بي.
التباين لا يقتصر على دولتين. ففي اليوم نفسه أعلنت ميتا عن طرح أسهم ضخم بقيمة 35 مليار دولار مع إمكانية بيع 60 مليار دولار إضافية العام المقبل، وكشف إيلون ماسك عن حصول سبيس إكس على تمويل بالدين بقيمة 40 مليار دولار لشراء وحدات معالجة رسومية، وأعلنت فيرايزون نتائج ربع سنوية فاقت توقعات الأرباح لكنها أخفقت في الإيرادات، بينما قفز سهم رينج ريسورسز 16% بعد اتفاق استحواذ بقيمة 12.83 مليار دولار. هي جلسة تلخص أسئلة الأسواق العالمية الآن: من يمول سباق الذكاء الاصطناعي، ومن يدفع ثمن السياسة، وأين تذهب الأموال الساخنة عندما ترتفع عوائد السندات الأمريكية فوق 5%؟
وول ستريت تصعد على ظهر أنثروبيك.. وملف الطرح يعيد إشعال تجارة الذكاء الاصطناعي
قالت بارونز إن الأسهم الأمريكية ارتفعت الاثنين مع صعود أسهم التكنولوجيا بعدما أصدرت أنثروبيك ملف الطرح العام، وهو ما فسره المستثمرون كإشارة إلى أن شهية السوق للاكتتابات الكبرى في الذكاء الاصطناعي لم تمت. وكانت العقود الآجلة قد مهدت للصعود قبل الافتتاح، إذ ارتفعت عقود داو جونز بنحو 0.4% وستاندرد آند بورز 500 بنحو 0.3% وناسداك بنحو 0.5% بحسب إنفستوبيديا، قبل أن تتحول المؤشرات إلى مكاسب فعلية مع بدء التداول.
أهمية ملف أنثروبيك تتجاوز شركة واحدة. فالسوق كان يبحث عن اختبار حقيقي: هل يقبل المستثمرون تقييمات ضخمة لشركات ذكاء اصطناعي ما زالت تحرق نقدًا، في وقت تتضخم فيه ديون مراكز البيانات؟ مجرد الإعلان عن الملف أعطى إجابة أولية بالإيجاب، ورفع أسهم القطاع كله، لأن نجاح طرح بهذا الحجم يعني سيولة جديدة ويعني أن نافذة الاكتتابات ما زالت مفتوحة. لكنه يعني أيضًا مزيدًا من المعروض من الأسهم، ومزيدًا من المنافسة على محافظ المستثمرين، وهو التوازن الذي سيراقبه السوق حتى موعد التسعير الفعلي.
انهيار البرازيل: لولا يفوز.. وإكس بي تهوي 51% وبتروبراس 19%
الصدمة الأكبر جاءت من البرازيل. فقد تراجعت الأسهم البرازيلية بعنف بعد فوز لولا المفاجئ في انتخابات الأحد الرئاسية، في إعادة تسعير فورية للمخاطر السياسية. هوى سهم إكس بي إنك، منصة الاستثمار البرازيلية المدرجة في ناسداك، بنسبة 51%، وتراجعت بتروبراس، عملاق النفط الحكومي، بنسبة 19%، وانخفضت أمبيف، أكبر شركة مشروبات في البلاد، بنسبة 15%. أرقام بهذا الحجم لا تعكس مراجعة أرباح ربع سنوية، بل خوفًا من تغيير قواعد اللعبة: تدخل حكومي أوسع في الشركات الحكومية، وضغوط على الانضباط المالي، وسياسات قد تضغط على هوامش البنوك ومنصات الاستثمار.
للمستثمر في الأسواق الناشئة، المشهد مألوف ومقلق في آن واحد. فالبرازيل ومصر تتشاركان حساسية عالية تجاه سعر الفائدة الأمريكي وسعر الدولار ومزاج صناديق الأسواق الناشئة. عندما يهرب المستثمر من ساو باولو خوفًا من السياسة، فإنه غالبًا ما يراجع مراكزه في بقية الأسواق الناشئة في اليوم نفسه، حتى لو كانت قصصها مختلفة. لهذا تابع متعاملون في القاهرة جلسة نيويورك الاثنين باهتمام مضاعف: ما حدث لإكس بي وبتروبراس هو تذكير عملي بأن علاوة المخاطر السياسية يمكن أن تتضاعف في ساعات، وأن الأموال الساخنة التي تدخل أذون الخزانة والأسهم بحثًا عن العائد هي أول من يخرج عند أول صدمة.
سبيس إكس وميتا وكور ويف: سباق الذكاء الاصطناعي يُموَّل بالدين والأسهم
على جبهة التمويل، تراجع سهم سبيس إكس بنسبة 1.3% بعدما كتب إيلون ماسك أن الشركة حصلت على تمويل بالدين بقيمة 40 مليار دولار لشراء وحدات معالجة رسومية لبناء قدرات حوسبة. وقال ماسك إن شركات الحوسبة السحابية الجديدة، المعروفة باسم نيوكلاودز، تواجه ما وصفه بموت ودمج على مستوى الأسماك الصغيرة مع توقف أسواق الدين عن إقراضها. وانعكس كلامه فورًا على القطاع: تراجعت كور ويف بنسبة 0.9% بعدما كانت منخفضة 3% قبل الافتتاح، وهبطت آيرين بنسبة 1.7% ونيبيوس بنسبة 3.9%.
في الوقت نفسه تراجع سهم ميتا بنسبة 0.8% مع إطلاقها طرح أسهم بقيمة 35 مليار دولار، مع إمكانية بيع ما يصل إلى 60 مليار دولار إضافية العام المقبل. الرسالة المزدوجة واضحة: عمالقة التكنولوجيا يملكون القدرة على التمويل بالأسهم والديون معًا وبأحجام فلكية، بينما الشركات الأصغر التي بنت نموذجها على الاقتراض الرخيص لبناء مراكز بيانات قد تجد الباب يضيق. وبالنسبة للأسواق الناشئة، ومنها مصر، فإن تشديد شروط تمويل الذكاء الاصطناعي عالميًا يرفع تكلفة رأس المال في كل مكان، لأن المستثمر الذي يمول مركز بيانات في فرجينيا بعائد مضمون نسبيًا سيطلب عائدًا أعلى بكثير مقابل مخاطر عملة وسياسة في القاهرة أو ساو باولو.
وول ستريت تراقب فيرايزون وصفقة غاز ونفطًا متراجعًا
في نتائج الشركات، تراجع سهم فيرايزون بنسبة 2.2% رغم إعلانها ربحية معدلة للسهم في الربع الثالث بلغت 1.31 دولار، بزيادة 8.3% على أساس سنوي ومتجاوزة إجماع المحللين عند 1.27 دولار بحسب زاكس وإنفستوبيديا. لكن الإيرادات جاءت عند 34.3 مليار دولار بزيادة 1.5% فقط، دون التوقعات البالغة نحو 34.8 مليار دولار. وسجلت الشركة أرباحًا معدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك قياسية عند 13.8 مليار دولار، وأضافت 406 آلاف مشترك صافٍ في الهواتف بنظام الدفع الآجل، مقابل 195 ألفًا متوقعة، وهو أفضل ربع ثالث في خمس سنوات. ورفعت فيرايزون توجيهها لربحية السهم للعام المالي 2026 إلى نطاق 5.04 إلى 5.06 دولار. كما كشفت عن صفقة ألياف مظلمة مع أمازون ويب سيرفيسز تتجاوز قيمتها ملياري دولار، لترفع عقود وحدة الذكاء الاصطناعي كونكت إلى نحو 4 مليارات دولار. السوق عاقب السهم على قصور الإيرادات وتجاهل مؤقتًا قوة المشتركين، في إشارة إلى مزاج لا يرحم أي إخفاق ولو جزئيًا في موسم نتائج مزدحم.
وفي الطاقة، قفز سهم رينج ريسورسز بنسبة 16% بعدما وافقت إي كيو تي على الاستحواذ عليها في صفقة أسهم بالكامل بقيمة تقارب 12.83 مليار دولار، بواقع 0.987 سهم من إي كيو تي مقابل كل سهم، أي 54.91 دولارًا للسهم بعلاوة 21%، بينما تراجع سهم إي كيو تي نفسه بنسبة 2.9%. أما أسهم النفط الكبرى فانزلقت مع مراهنات على تهدئة بين الولايات المتحدة وإيران تسحب أسعار الخام إلى الأسفل: تراجعت شيفرون 0.4% وكونوكو فيليبس 0.2% وإكسون موبيل 0.1%. ويأتي ذلك في أسبوع حافل تنتظره وول ستريت وقرار الفيدرالي يوم الأربعاء، مع نتائج ألفابت ومايكروسوفت في اليوم نفسه ونتائج أمازون الخميس، بينما سجلت عقود الذهب الآجلة نحو 4030 دولارًا للأوقية، وعاد بيتكوين فوق 80 ألف دولار، واستقر عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات قرب 5.01%، وهو مستوى يبقي الضغط قائمًا على عملات الأسواق الناشئة ومنها الجنيه المصري الذي يتداول قرب مستويات قياسية متدنية أمام الدولار.
تحليل الفلوس
الدرس الأول للمستثمر المصري من جلسة الاثنين يأتي من البرازيل لا من نيويورك. انهيار إكس بي بنسبة 51% وبتروبراس بنسبة 19% في جلسة واحدة بعد نتيجة انتخابية واحدة يوضح كيف تعيد الأسواق تسعير المخاطر السياسية في الأسواق الناشئة بلا تدرج وبلا رحمة. مصر ليست البرازيل، لكن آلية انتقال العدوى واحدة: صناديق الأسواق الناشئة تبيع السلة كلها عندما تخاف، والأموال الساخنة في أدوات الدين قصيرة الأجل تتحرك أسرع من أي أساسيات. من يبني قراره على العائد وحده دون حساب سيناريو الخروج الجماعي يكرر خطأ من اشترى إكس بي يوم الجمعة الماضي.
الدرس الثاني يخص طفرة ديون الذكاء الاصطناعي. عندما تحتاج سبيس إكس إلى 40 مليار دولار دينًا لشراء شرائح، وتطرح ميتا أسهمًا بقيمة 35 مليار دولار مع وعد بـ60 مليارًا أخرى، فهذا يعني أن أكبر سباق استثماري في العالم يبتلع سيولة هائلة ويعيد تسعير تكلفة المال عالميًا. تحذير ماسك نفسه من موت الشركات السحابية الصغيرة المثقلة بالديون هو بداية التدقيق الذي يسبق عادة نهاية الطفرات الائتمانية. بالنسبة لمصر، ارتفاع عائد الخزانة الأمريكية فوق 5% مع هذا الحجم من الإصدارات يعني منافسة شرسة على كل دولار يبحث عن عائد، ويعني أن الحفاظ على تدفقات الأجانب في أذون الخزانة سيتطلب علاوة مخاطر سخية واستقرارًا سياسيًا ونقديًا مقنعًا في الوقت نفسه.
أخيرًا، أسبوع الفيدرالي ونتائج عمالقة التكنولوجيا هو أسبوع اتجاه التدفقات إلى أسواق مثل مصر. قرار الأربعاء وتوجيهات الفيدرالي حول ديسمبر، مع أرباح ألفابت ومايكروسوفت وأمازون، ستحدد ما إذا كانت شهية المخاطرة التي رفعت وول ستريت الاثنين ستتحول إلى تدفقات حقيقية نحو الأصول الناشئة أم ستبقى حبيسة الأسهم الأمريكية. نصيحة الفلوس العملية: راقب عائد السنوات العشر والدولار أكثر مما تراقب المؤشرات، ولا تلاحق صعودًا مدفوعًا بملف طرح واحد، واعتبر ما حدث في البرازيل تدريبًا حيًا على ما يمكن أن تفعله السياسة بأي سوق ناشئ في جلسة واحدة.







