أعلنت شركة راميدا، وهي شركة العاشر من رمضان للصناعات الدوائية والمستحضرات التشخيصية المقيدة في البورصة المصرية، موافقة مجلس إدارتها مبدئيًا على الاستحواذ على آرت فارما للصناعات الدوائية بالكامل، في صفقة تتم عبر مبادلة أسهم دون مكون نقدي معلن حتى الآن. وجاء القرار في اجتماع المجلس يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، وأُرسل الإفصاح إلى البورصة المصرية ليظهر للمتعاملين يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، بحسب ما نقلته جريدة حابي وموقع EgyIn عن الإفصاح الرسمي للشركة.
تفاصيل قرار مجلس إدارة راميدا والاستحواذ على آرت فارما
بحسب الإفصاح، وافق مجلس إدارة راميدا بأغلبية الحاضرين على مقترح العضو المنتدب للاستحواذ على نسبة 100% من رأس مال شركة آرت فارما للصناعات الدوائية. والنقطة الأهم أن الموافقة جاءت بعد استبعاد أصوات أعضاء مجلس الإدارة المرتبطين بالمساهم الرئيسي الذي يمتلك الشركة المستهدفة. هذا إجراء حوكمة أساسي في الصفقات ذات الطرف المرتبط، لأن المساهم الرئيسي موجود على طرفي الصفقة، مالكًا لآرت فارما ومساهمًا مؤثرًا في راميدا، واستبعاد أصواته يحمي مساهمي الأقلية إجرائيًا قبل أي خطوة نهائية.
وفوّض المجلس الدكتور عمرو عبدالله مرسي، العضو المنتدب لراميدا، في تقديم عرض مبدئي إلى مساهمي آرت فارما. وما حدث حتى الآن موافقة مبدئية على بدء المسار، وليس إتمامًا للصفقة ولا التزامًا بسعر أو نسبة مبادلة. فلا قيمة نهائية للصفقة أُعلنت، ولا نسبة مبادلة حُددت بعد، والإفصاح نفسه لم يتضمن بيانات مالية عن آرت فارما ولا وصفًا لمنتجاتها أو حصتها السوقية. أي قراءة للصفقة اليوم يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة: الهيكل معروف، والأرقام الحاسمة لم تُعلن بعد.
وضع المجلس شرطًا واضحًا للإتمام: ألا تقل الأسهم المستحوذ عليها من آرت فارما عن 90% من رأس مالها. فإذا عرض مساهمو آرت فارما نسبة أقل من هذا الحد، لا تكتمل الصفقة وفق الشروط المعلنة. هذا الشرط يحمي راميدا من الدخول في ملكية جزئية معقدة تترك أقلية كبيرة داخل الشركة التابعة، ويضمن لها سيطرة شبه كاملة تسمح بدمج الإدارة والتشغيل والمحاسبة دون نزاعات مستمرة مع مساهمين متبقين.
كيف تتم مبادلة الأسهم في الاستحواذ على آرت فارما؟
مبادلة الأسهم تعني أن مساهمي آرت فارما لن يحصلوا على مقابل نقدي مقابل أسهمهم، بل سيحصلون على أسهم جديدة تصدرها راميدا ضمن زيادة في رأس مالها مخصصة لهذا الغرض. بعبارة أبسط، تتنازل مجموعة مساهمي آرت فارما عن ملكيتهم في شركتهم، ويصبحون في المقابل مساهمين في راميدا بنسبة تتحدد وفق تقييم الشركتين. وتبقى آرت فارما بعد الإتمام شركة تابعة مملوكة لراميدا، بينما يتسع رأس مال راميدا بعدد الأسهم الجديدة المصدرة لصالح البائعين.
لهذا النوع من الصفقات مزايا واضحة: فهو لا يستهلك سيولة نقدية ولا يضطر راميدا إلى الاقتراض لتمويل الشراء، وهو أمر مهم مع ارتفاع تكلفة التمويل، كما يبقي البائعين مرتبطين بمستقبل الكيان الأكبر لأن مقابلهم أسهم فيه. لكن الوجه الآخر هو التخفيف، أو الديلوشن، لمساهمي راميدا الحاليين، فكل سهم جديد يقلل النسبة النسبية لكل مساهم قائم، ولا يكون مبررًا إلا إذا أضافت آرت فارما أرباحًا وأصولًا تعوض الزيادة في عدد الأسهم. لهذا تصبح نسبة المبادلة هي قلب الصفقة كلها.
شرط الـ90% يلعب دورًا عمليًا في مرحلة العرض أيضًا. فمساهمو آرت فارما سيقارنون بين البقاء في شركة غير مقيدة والدخول في شركة مقيدة أسهمها قابلة للتداول اليومي، والسيولة التي يوفرها القيد حافز قوي للقبول، لكن القرار النهائي سيتوقف على التقييم ونسبة المبادلة المعروضة رسميًا. فإذا رأى المساهمون أن التقييم يبخس قيمة شركتهم، قد تنخفض القبولات عن الحد المطلوب وتتعثر الصفقة عند هذا الشرط وحده.
دور بيكر تيلي في تحديد القيمة العادلة ونسبة المبادلة
قرر مجلس إدارة راميدا تعيين شركة بيكر تيلي للاستشارات المالية للأوراق المالية مستشارًا ماليًا مستقلًا، وهي من الشركات المقيدة لدى الهيئة العامة للرقابة المالية، لتتولى تحديد القيمة العادلة لسهمي الشركتين وحساب نسبة مبادلة الأسهم. وسيُعرض تقرير بيكر تيلي على مجلس إدارة راميدا مرة أخرى لاتخاذ القرارات النهائية بناءً عليه. هذه الخطوة هي الضمانة الموضوعية الأهم في الصفقة، لأن الاستشاري المستقل هو من سيجيب عمليًا عن سؤالين: كم تساوي آرت فارما، وكم تساوي راميدا، وبالتالي كم سهمًا جديدًا في راميدا يستحقه كل سهم في آرت فارما.
عمليًا، سيبني المستشار تقييمه على القوائم المالية للشركتين وتوقعات التدفقات النقدية والأصول ومركز كل شركة في سوق الدواء، مع مراعاة أن راميدا مقيدة ولها سعر سوقي معلن بينما آرت فارما غير مقيدة بلا سعر تداول يومي. أي انحياز في هذه المرحلة ينعكس مباشرة على حقوق الأقلية في الطرفين، ولذلك لن يحكم السوق على الصفقة من عنوان الاستحواذ، بل من أرقام التقييم ونسبة المبادلة عند نشرها. وحتى يصدر التقرير، لا يمكن الجزم بأن الصفقة جيدة أو سيئة لمساهمي راميدا.
بعد تقرير بيكر تيلي، لا تزال أمام الصفقة خطوات متتابعة: اعتماد المجلس للشروط النهائية، ثم تقديم العرض فعليًا لمساهمي آرت فارما، ثم انتظار نسب القبول وقياسها على حد الـ90%، ثم إجراءات زيادة رأس مال راميدا وإصدار الأسهم الجديدة واستيفاء متطلبات البورصة المصرية والهيئة العامة للرقابة المالية. كل خطوة من هذه الخطوات قد تستغرق وقتًا، وقد تفتح بابًا لأسئلة إضافية من الجهات الرقابية أو من المساهمين أنفسهم في الجمعية العامة إذا تطلب الأمر اعتمادًا أوسع.
نتائج راميدا الأخيرة وسياق سوق الدواء المصري
تأتي هذه الخطوة بينما تحقق راميدا نموًا في أرباحها الفصلية. فبحسب ما نقلته الصحافة الاقتصادية عن نتائج الشركة، ارتفع صافي ربح راميدا بعد حقوق الأقلية في الربع الثاني من عام 2026 بنسبة 13% ليصل إلى 100.3 مليون جنيه، مقارنة مع 88.4 مليون جنيه في الربع نفسه من العام السابق. هذا النمو لا يبرر وحده أي صفقة استحواذ، لكنه يمنح الإدارة رصيد ثقة نسبيًا وهي تعرض على السوق فكرة التوسع عبر الاندماج بدل النمو العضوي البطيء خطوة بخطوة.
منطق الاندماج في قطاع الدواء المصري مفهوم: فالقطاع يواجه ضغوط تكاليف الخامات المستوردة وسعر الصرف وتسعير المستحضرات، مع طلب محلي ثابت النمو، والكيانات الأكبر تتفاوض بصورة أفضل على الخامات وتوزع التكاليف الثابتة على قاعدة أوسع. لكن الإفصاح لا يقدم بيانات عن محفظة آرت فارما أو طاقتها أو ديونها، فيبقى هذا المنطق إطارًا عامًا وليس حكمًا على الصفقة تحديدًا حتى تُنشر البيانات والتقييم الرسمي.
توقيت الإعلان لافت من زاوية السوق الأوسع، فقد أغلق المؤشر الرئيسي EGX30 تعاملات الاثنين منخفضًا 1.66% عند 48416 نقطة، بينما انشغل المستثمرون أيضًا بملفات كبرى مثل تسعير طرح بنك القاهرة. في مثل هذه الأجواء تتعامل السوق بحذر مع أخبار الاستحواذ حتى تظهر الأرقام، ويتحرك سهم الشركة المستحوذة على التوقعات إلى أن يُنشر تقرير القيمة العادلة.
تحليل الفلوس
الصفقة في شكلها الحالي ذكية من ناحية التمويل ومحفوفة بسؤال واحد كبير من ناحية العدالة. ذكية لأن راميدا تتوسع دون أن تدفع نقدًا أو ترهق ميزانيتها بديون جديدة، ولأن استبعاد أصوات الأطراف المرتبطة وتعيين مستشار مستقل من المقيدين لدى الرقابة المالية يرسلان إشارة حوكمة صحيحة منذ اليوم الأول. لكن كل هذا لا يحسم السؤال الجوهري لمساهم راميدا الحالي: هل ما ستدفعه الشركة من أسهم جديدة يساوي فعلًا ما ستحصل عليه من قيمة داخل آرت فارما؟ الإجابة محفوظة بالكامل داخل تقرير بيكر تيلي المقبل. فإذا جاءت نسبة المبادلة سخية لصالح مساهمي آرت فارما، سيتحمل مساهمو راميدا تخفيفًا لا تعوضه الأرباح المضافة، وستكون الصفقة نقلًا للقيمة منهم إلى المساهم الرئيسي وحلفائه مهما بدت لغة الحوكمة منضبطة. وإذا جاءت النسبة متوازنة ومدعومة بأرباح حقيقية من الشركة المستهدفة، ستكون الصفقة نموذجًا نظيفًا للنمو بالاندماج في قطاع يحتاج إلى كيانات أكبر.
ما يجب أن يتابعه المستثمر في الأسابيع المقبلة ثلاث نقاط محددة لا رابع لها تقريبًا: أرقام التقييم الكاملة للشركتين كما سيوردها تقرير القيمة العادلة، ونسبة المبادلة النهائية وعدد الأسهم الجديدة التي ستُصدر ونسبتها إلى رأس مال راميدا الحالي، ثم نسبة قبول مساهمي آرت فارما للعرض مقارنة بحد الـ90% المشترط للإتمام. قبل هذه النقاط، أي حماس أو تشاؤم تجاه السهم يبقى انطباعًا مبكرًا. وبعدها فقط يمكن الحكم بثقة: هل اشترت راميدا نموًا حقيقيًا بثمن عادل، أم أنها وزعت جزءًا من ملكية مساهميها الحاليين بثمن أغلى مما تستحقه الصفقة؟







