مورجان ستانلي يبقى إيجابيًا على أذون الخزانة المصرية رغم تخارج 687 مليون دولار في جلسة الاثنين

Published:

في يوم صعب على سوق الدين المحلي، اختار بنك مورجان ستانلي أن يبقى إيجابيًا تجاه أذون الخزانة المصرية قصيرة الأجل، رغم موجة تخارج قوية من الأموال الساخنة في جلسة الاثنين 26 أكتوبر 2026 باع خلالها المستثمرون الأجانب ما قيمته 1.131 مليار دولار من أدوات الدين والسوق المحلي، مقابل مشتريات بلغت 443.36 مليون دولار فقط، ليصل صافي البيع إلى 687.05 مليون دولار في يوم واحد، وفق بيانات نقلها موقع EgyIn. الرسالة التي قرأها البنك الأمريكي في هذه الأرقام مختلفة تمامًا عن الانطباع الأول الذي قد يتركه رقم التخارج وحده، وهي أن حجم الخروج هذه المرة جاء محدودًا جدًا مقارنة بموجات سابقة، وأن العائد المرتفع على الجنيه عوّض المستثمرين عن جزء كبير من المخاطر.

أذون الخزانة والأموال الساخنة في جلسة الاثنين بالأرقام

تفاصيل الجلسة، كما رصدتها بيانات صحيفة الشروق لسوق الدين بالجنيه، تشرح الصورة بشكل أدق. فقد بلغ صافي مبيعات الأجانب في أذون الخزانة وحدها 39.1 مليار جنيه، أي ما يعادل نحو 695.4 مليون دولار، وفي المقابل اشترى المستثمرون المصريون أدوات دين بقيمة 38.1 مليار جنيه، تعادل نحو 678.5 مليون دولار، بينما اشترى المستثمرون العرب ما قيمته 952 مليون جنيه، أي نحو 16.9 مليون دولار. اللافت أن الأجانب لم يخرجوا من كل أدوات الدين دفعة واحدة، إذ اشتروا في الجلسة نفسها سندات حكومية بقيمة 1.14 مليار جنيه، تعادل نحو 20.3 مليون دولار، وهو تفصيل مهم لأنه يعني أن جزءًا من التخارج كان إعادة تموضع من الأذون قصيرة الأجل إلى السندات الأطول أجلًا، وليس خروجًا كاملًا من السوق المصري.

الضغط لم يتوقف عند سوق الدين. فقد أغلق المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية EGX30 جلسة الاثنين منخفضًا بنسبة 1.66% ليصل إلى 48,416 نقطة، وخسر رأس المال السوقي نحو 47 مليار جنيه ليغلق عند 3.731 تريليون جنيه. وفي سوق الصرف، أغلق سعر الدولار عند 56.22 جنيه للشراء و56.32 جنيه للبيع في البنك الأهلي المصري وبنك مصر والبنك التجاري الدولي، مرتفعًا بنحو 45 قرشًا خلال اليوم. وبهذا الإغلاق يكون متوسط سعر الدولار قد ارتفع بأكثر من 4 جنيهات منذ نهاية سبتمبر الماضي، إذ كان يسجل 51.93 جنيه للشراء و52.03 جنيه للبيع في 30 سبتمبر 2026، أي بزيادة تصل إلى 4.29 جنيه منذ بداية موجة الصعود في أكتوبر.

هذه ليست الجلسة الأولى الصعبة هذا الشهر. ففي الأسبوع الماضي سجل الأجانب صافي بيع بنحو 2.1 مليار دولار من الدين المحلي، وهي القصة التي تابعها موقع الفلوس بالتفصيل في تقريره عن تخارج الأجانب من أدوات الدين المحلية. الفارق اليوم أن رد فعل أحد أكبر بنوك الاستثمار في العالم جاء هادئًا، بل ومشجعًا على البقاء في السوق، وهو ما يستحق التوقف عنده.

لماذا يتمسك مورجان ستانلي بأذون الخزانة المصرية؟

حجة مورجان ستانلي، كما نقلها موقع EgyIn، تقوم على المقارنة التاريخية. فتدفقات المحافظ الخارجة من مصر خلال موجة ارتفاع أسعار النفط الأخيرة جاءت أصغر بكثير من التدفقات التي خرجت بعد الصدمة الأولى في بداية عام 2026. من وجهة نظر البنك، هذا الفارق يعكس تحسنًا في ثقة المستثمرين في السياسات الاقتصادية المصرية، وقدرة الاقتصاد على امتصاص الضغوط الخارجية دون أن تتحول إلى أزمة. بعبارة أبسط: عندما هبت العاصفة هذه المرة، لم يهرب الجميع من الباب نفسه كما حدث من قبل.

النقطة الثانية في تقييم البنك هي العائد. فالبنك يبقي نظرته الإيجابية تجاه أذون الخزانة المصرية لأجل ستة أشهر، ويرى أن العوائد عليها ما زالت جذابة مقارنة بالمخاطر. صحيح أن تحركات الجنيه ما زالت مرتبطة إلى حد كبير بأسعار النفط، لكن العوائد المحلية المرتفعة عوّضت المستثمرين عن جزء كبير من تراجع الجنيه منذ يونيو الماضي. هذا هو جوهر تجارة الفائدة التي قامت عليها عودة الأموال الساخنة إلى مصر أصلًا: المستثمر يقبل مخاطر العملة طالما أن الفائدة التي يحصل عليها أعلى من الخسارة المتوقعة في سعر الصرف، وطالما بقي هذا الحساب رابحًا، يبقى الاحتفاظ بالأذون قرارًا منطقيًا.

النقطة الثالثة تتعلق بمصادر دعم خارجية لا ترتبط بمزاج المستثمر الأجنبي في سوق الدين. فمصر، بحسب البنك، مدعومة بتحويلات قوية من المصريين العاملين في الخارج، وبتحسن إيرادات قناة السويس، إلى جانب محدودية تخارج المحافظ نفسها. هذه العناصر الثلاثة معًا تمنح صانع السياسة هامش حركة لا يتوفر عندما يعتمد الاحتياطي على مصدر واحد متقلب. كما لفت البنك إلى أن عوائد الأصول المحلية المصرية ترتبط بدرجة منخفضة بالسياسة النقدية لدول مجموعة العشر والأسعار العالمية مقارنة بفرص أخرى في الأسواق الناشئة، وهي ميزة يبحث عنها مديرو المحافظ العالمية عندما يريدون تنويعًا حقيقيًا لا يتحرك مع السوق الأمريكي في الاتجاه نفسه وفي التوقيت نفسه.

اختبار الخميس: قرار البنك المركزي على الطاولة

كل هذه الحسابات ستصطدم هذا الأسبوع بموعد حاسم، إذ يجتمع البنك المركزي المصري يوم الخميس لحسم أسعار الفائدة، وهو القرار الذي يتابعه موقع الفلوس في ملفه عن قرار البنك المركزي المرتقب يوم الخميس. أي خفض أسرع من المتوقع في الفائدة سيضغط مباشرة على المعادلة التي يستند إليها مورجان ستانلي، لأن الفارق بين العائد على الأذون ومعدل تراجع الجنيه هو ما يبقي المستثمر الأجنبي في السوق. وفي المقابل، فإن التمهل في الخفض يمنح الأذون شهورًا إضافية من العائد الجذاب، لكنه يرفع كلفة خدمة الدين على الموازنة العامة ويضغط على النشاط الاقتصادي المحلي.

المفارقة التي يواجهها صانع السياسة واضحة: الجنيه فقد أكثر من 4 جنيهات أمام الدولار في أقل من شهر، والبورصة خسرت 47 مليار جنيه من قيمتها السوقية في جلسة واحدة، ومع ذلك يأتي بنك بحجم مورجان ستانلي ليقول إن الصورة أفضل من المرات السابقة. التفسير الأرجح أن المستثمر الأجنبي لم يعد يتعامل مع مصر كرهان قصير الأجل على سعر صرف ثابت، بل كرهان على عائد مرتفع مع عملة تتحرك بمرونة. هذا التحول في طبيعة الرهان، إن ثبت واستمر، يغير شكل المخاطر نفسها: الخطر لم يعد انهيارًا مفاجئًا في يوم واحد، بل تآكلًا تدريجيًا في العائد الحقيقي إذا تسارع تراجع الجنيه أكثر من الفائدة المحصلة.

تحليل الفلوس

رأي الفلوس أن موقف مورجان ستانلي أهم من رقم التخارج نفسه. فعندما يخرج 687 مليون دولار في يوم واحد ولا يغير بنك استثمار عالمي نظرته الإيجابية تجاه أذون الستة أشهر، فهذا يعني أن السوق بدأ يفرق بين بيع تكتيكي لجني أرباح أو تقليل انكشاف مؤقت، وبين فقدان ثقة شامل. والأهم في الأرقام أن المصريين امتصوا وحدهم تقريبًا كل ما باعه الأجانب في سوق الدين بالجنيه، وأن الأجانب أنفسهم اشتروا سندات حكومية في الجلسة نفسها. هذه ليست صورة سوق ينهار، بل صورة سوق يعيد توزيع المراكز تحت ضغط خارجي معروف المصدر، وهو أسعار النفط.

لكن الهدوء له ثمن، والثمن هو بقاء الفائدة مرتفعة. فطالما أن بقاء الأموال الساخنة مشروط بعائد يعوض تراجع الجنيه، سيجد البنك المركزي نفسه يوم الخميس أمام مساحة ضيقة: خفض الفائدة بسرعة قد يسرّع التخارج ويدفع الدولار لمستويات أعلى من 56.32 جنيه، والإبقاء عليها مرتفعة يحمي الأذون لكنه يثقل الموازنة والقطاع الخاص معًا. لذلك نرجح أن يتعامل المركزي مع قرار الخميس بمنطق التدرج الحذر، وأن يربط أي خفض قادم باستقرار سوق الصرف أولًا، لا بتوقعات مسبقة.

ما يجب مراقبته في الأيام المقبلة ثلاث إشارات: أولها حجم تعاملات الأجانب في جلسات الثلاثاء والأربعاء، فاستمرار صافي البيع بنفس الوتيرة سيغير الحسابات، وثانيها سعر إغلاق الدولار، فالثبات قرب مستويات الاثنين أو التراجع عنها سيعزز رواية الامتصاص الناجح للصدمة، وثالثها عطاءات أذون الخزانة المقبلة ونسب تغطيتها وأسعار العائد عليها، لأنها الاختبار العملي المباشر لأطروحة مورجان ستانلي. إذا جاءت التغطية قوية والعائد مستقرًا، ستكون جلسة الاثنين مجرد يوم عاصف في شهر صعب. أما إذا ضعفت التغطية واضطرت وزارة المالية لرفع العائد بقوة، فعندها فقط يتحول التخارج من حركة تكتيكية إلى قصة مختلفة تمامًا.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img