البرلمان يفوض السيسي لدعم السعودية عسكريًا: قرار الاثنين الذي جاء والدولار فوق 56 جنيهًا.. وماذا يعني لفلوس المصريين؟

Published:

وافق مجلس النواب المصري، اليوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي لدعم السعودية عسكريًا، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لمساندة المملكة والدفاع عنها في مواجهة الهجمات التي تشنها جماعة الحوثي اليمنية. القرار الذي نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية والهيئة العامة للاستعلامات، لم يكن خبرًا سياسيًا عابرًا في يوم عادي؛ فقد صدر في اليوم نفسه الذي كسر فيه الدولار حاجز 56 جنيهًا لأول مرة في تاريخه، وأغلقت فيه البورصة المصرية على خسارة جديدة، وهو ما يجعل سؤال المواطن البسيط مشروعًا تمامًا: ما علاقة تفويض برلماني عسكري بسعر الدولار وبفلوس الناس؟ الإجابة، كما ستوضح السطور التالية، أقرب مما يتصور كثيرون.

ماذا قرر البرلمان بالضبط في تفويض السيسي لدعم السعودية؟

بحسب ما نشرته وكالة أنباء الشرق الأوسط ونقلته الهيئة العامة للاستعلامات، وافق المجلس في جلسته المنعقدة بالعاصمة الجديدة برئاسة المستشار هشام بدوي على تفويض الرئيس «باتخاذ ما يلزم من إجراءات لمساندة المملكة العربية السعودية». الجلسة كانت قد تأجلت من الأسبوع الماضي، وجاءت استكمالًا لجلسات عقدها المجلس يومي الأحد والاثنين من الأسبوع الماضي، استمع خلالها إلى ممثلي الهيئات البرلمانية وعدد من النواب حول طلب التفويض.

والأساس الدستوري للقرار هو المادة 152 من الدستور، التي تنص على أن رئيس الجمهورية لا يعلن الحرب ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء. وقد اكتمل المسار الدستوري بالفعل: مجلس الدفاع الوطني عقد اجتماعه الأسبوع الماضي برئاسة الرئيس السيسي ووافق على دعم السعودية والوقوف بجانبها، ثم جاءت موافقة البرلمان اليوم لتغلق الدائرة وتمنح الرئيس حرية القرار وفق التقدير وبعد التنسيق بين البلدين، كما كتب النائب مصطفى بكري على منصة إكس مؤكدًا أن «مصر لن تتخلى عن أشقائها».

وكان الرئيس السيسي قد طلب هذا التفويض في 17 أكتوبر الجاري خلال كلمته في حفل تخريج دفعات جديدة من الأكاديمية العسكرية، حين أكد أن مصر مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية للدفاع عن أمنها وسيادتها، وأن المساس بأمن المملكة خط أحمر بالنسبة للقاهرة. في المقابل، حذرت جماعة الحوثي في وقت سابق من هذا الشهر، عبر رسالة نقلتها وكالة سبأ التابعة لها، من أن انزلاق مصر في هذا المسار سيشكل خطرًا على أمنها القومي واستقرارها، وهو تحذير يوضح حجم التوتر الذي يحيط بالقرار من كل جانب.

لماذا جاء قرار تفويض السيسي لدعم السعودية في أصعب يوم على الجنيه؟

توقيت القرار لا ينفصل عن مزاج السوق. فقد ذكرت وكالة رويترز في تقريرها اليوم الاثنين أن الجنيه المصري هبط إلى مستوى قياسي عند 56 جنيهًا للدولار وفق بيانات إل إس إي جي، وذلك قبل التصويت البرلماني المتوقع على تفويض القوات المسلحة بتقديم دعم دفاعي للسعودية إذا طلبت ذلك. أي أن السوق كان يسعّر القرار قبل صدوره رسميًا، ويربط بين تصاعد التوتر الإقليمي وبين الضغط على العملة المحلية.

وفي البنوك، سجل الدولار اليوم الاثنين 26 أكتوبر 2026 أعلى سعر عند 56.03 جنيه للشراء و56.13 جنيه للبيع في مصرف أبوظبي الإسلامي، و56.01 جنيه للشراء و56.11 جنيه للبيع في البنك الأهلي المصري، بينما سجل البنك المركزي المصري 55.76 جنيه للشراء و55.90 جنيه للبيع. وقد وثقت «الفلوس» هذا التطور لحظة حدوثه في تقريرها عن كسر الدولار حاجز 56 جنيهًا لأول مرة في تاريخه، وهو المستوى الذي يرفع تلقائيًا تكلفة الاستيراد وفاتورة الطاقة والسلع الأساسية.

أما البورصة المصرية، فقد أغلقت جلسة الاثنين على هبوط المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 1.66% إلى 48416 نقطة، مع خسارة سوقية بنحو 47 مليار جنيه، كما رصدت «الفلوس» في تقرير ختام تعاملات الاثنين، وذلك بعد جلسة الأحد العاصفة التي أوقفت فيها البورصة التداول نصف ساعة إثر هبوط مؤشر EGX100 بنسبة 10%. وزاد من الضغط أن بيانات السوق أظهرت صافي بيع أجنبي بنحو 2.1 مليار دولار في سوق الدين الحكومي خلال الأسبوع الماضي، وهي تخارجات تعني عمليًا طلبًا إضافيًا على الدولار وضغطًا مباشرًا على الجنيه.

العلاقة بين القرار والاقتصاد: قناة السويس والطاقة وتحويلات السعوديين

قد يتساءل القارئ: ما دخل الاقتصاد بقرار عسكري؟ الدخل مباشر من ثلاث قنوات. القناة الأولى هي أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب؛ فأي تصعيد حوثي جديد يهدد حركة الملاحة التي تعتمد عليها إيرادات قناة السويس، وهي أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، وقد عانت بالفعل خلال فترات التوتر السابقة من تراجع حاد في الإيرادات حين حولت شركات الشحن مسارها إلى رأس الرجاء الصالح.

القناة الثانية هي الطاقة. فسعر خام برنت يدور صباح الاثنين حول 115.16 دولارًا للبرميل بعد قفزة أسبوعية قاربت 6%، ومصر مستورد صافٍ للطاقة، ما يعني أن كل دولار إضافي في سعر البرميل يتحول إلى عبء على الموازنة وعلى فاتورة دعم الوقود، في وقت جمدت فيه الحكومة أسعار المحروقات حتى ديسمبر المقبل، فتتحمل الخزانة وحدها فارق التكلفة.

والقناة الثالثة هي العلاقة المالية نفسها مع الخليج. فالسعودية تستضيف واحدة من أكبر الجاليات المصرية العاملة في الخارج، وتحويلات هؤلاء العاملين ركيزة أساسية لتدفقات النقد الأجنبي إلى مصر، كما أن الاستثمارات والودائع الخليجية لعبت تاريخيًا دور صمام الأمان في لحظات الضغط على الاحتياطي، الذي سجل 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر الماضي. لذلك فإن أمن السعودية بالنسبة لمصر ليس ملفًا دبلوماسيًا بعيدًا، بل ملف دخل وحماية لمصالح ملايين الأسر المصرية بشكل مباشر أو غير مباشر.

ولا يمكن فصل التوقيت أيضًا عن وجود بعثة صندوق النقد الدولي في القاهرة حاليًا لإجراء المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج التسهيل الممتد البالغ 8 مليارات دولار، والتي قد تفتح الباب لنحو 2.3 مليار دولار، كما تابعت «الفلوس» في تقرير وصول بعثة الصندوق إلى القاهرة. فالأسواق والمؤسسات الدولية تراقب في اللحظة نفسها ملفين: انضباط الإصلاح الاقتصادي من جهة، وحجم المخاطر الجيوسياسية التي قد تتحملها مصر من جهة أخرى.

ماذا يحدث لأسعار الذهب والدولار إذا تصاعد المشهد؟

انعكاس التوتر ظهر فورًا في سوق الذهب المحلية. فقد قال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، إن جرام الذهب عيار 21 ارتفع اليوم الاثنين بنحو 40 جنيهًا مقارنة بختام الأسبوع الماضي ليسجل 6315 جنيهًا، وعيار 24 نحو 7217 جنيهًا، والجنيه الذهب 50520 جنيهًا، بينما استعادت الأوقية العالمية مستوى 4000 دولار لتسجل نحو 4017 دولارًا. وأوضح فاروق أن بقاء الدولار فوق 56 جنيهًا في البنوك يعزز تماسك الأسعار المحلية حتى لو تراجعت الأوقية عالميًا، لأن تسعير الذهب في مصر محصلة لعاملين معًا: السعر العالمي وسعر الصرف.

المعنى العملي للمواطن أن القرار البرلماني اليوم لا يغير سعر رغيف أو لتر بنزين غدًا صباحًا بذاته، لكنه يرفع درجة عدم اليقين التي تتحرك على أساسها الأسواق: فكلما زاد احتمال التصعيد، زاد إقبال المستثمرين الأجانب على الخروج من الأسواق الناشئة ومنها مصر، وزاد الطلب على الدولار والذهب كملاذات، وارتفعت تكلفة التأمين على الشحن والطاقة. والعكس صحيح أيضًا؛ فإذا تحول التفويض إلى رسالة ردع أنهت الهجمات دون مواجهة أوسع، فقد تستعيد الأسواق بعض هدوئها تدريجيًا.

تحليل الفلوس

قراءة «الفلوس» للقرار أنه تفويض مشروط وليس إعلان مشاركة في حرب. النص نفسه يربط أي تحرك بطلب سعودي وبتنسيق بين البلدين وبتقدير الرئيس، وهو ما يمنح القاهرة ورقة ردع سياسية قبل أن يكون التزامًا ميدانيًا مفتوحًا. تاريخيًا، تستخدم الدول هذا النوع من التفويضات المسبقة لرفع كلفة التصعيد على الخصم وتقليل احتماله أصلًا؛ فالحوثي الذي كان يهدد الرياض وهو يفترض حيادًا مصريًا، بات يواجه معادلة مختلفة تمامًا بعد ظهر الاثنين.

اقتصاديًا، الخطر الحقيقي على مصر ليس القرار ذاته بل مدة التوتر واتساعه. الجنيه عند أدنى مستوى في تاريخه، والأجانب باعوا 2.1 مليار دولار من الدين المحلي في أسبوع، والبورصة فقدت مئات المليارات في جلستين، وبعثة الصندوق تجلس في القاهرة الآن. في مثل هذا التوقيت، أي صدمة إضافية في البحر الأحمر أو في أسعار الطاقة ستترجم بسرعة إلى ضغط جديد على الصرف والتضخم. في المقابل، نجاح الردع وعودة الهدوء إلى الممرات الملاحية قد يكون أفضل خبر اقتصادي لمصر منذ شهور، لأنه يعيد إيرادات القناة ويخفف علاوة المخاطر دفعة واحدة.

ما يجب أن يراقبه المواطن والمستثمر في الأيام المقبلة ثلاثة مؤشرات: أولها أي طلب سعودي رسمي معلن من عدمه، وثانيها حركة الملاحة في البحر الأحمر وتصريحات شركات الشحن العالمية، وثالثها رد فعل سوق الصرف والدين في جلسات هذا الأسبوع، خاصة مع اجتماع البنك المركزي المصري الخميس المقبل واجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الثلاثاء والأربعاء. حتى تتضح هذه المؤشرات، يبقى الذهب والدولار هما المرآة الأسرع لمزاج السوق، ويبقى الحذر في القرارات المالية الكبيرة هو النصيحة الأصدق.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img