بعثة صندوق النقد الدولي وصلت القاهرة: المراجعة الثامنة والأخيرة تفتح الباب لـ2.3 مليار دولار.. وبيع الأصول ودعم الطاقة على الطاولة

Published:

وصلت بعثة صندوق النقد الدولي إلى القاهرة يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، لبدء محادثات المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج التسهيل الممدد البالغ 8 مليارات دولار، إلى جانب المراجعة الأخيرة لتسهيل الصلابة والاستدامة، في خطوة تفتح الباب أمام صرف نحو 2.3 مليار دولار لمصر، وفق ما نقلته «الشرق بلومبرج» عن مصادر مطلعة، وأكدته نشرة «إنتربرايز» الاقتصادية في عددها الصادر صباح الاثنين 26 أكتوبر 2026 نقلًا عن مسؤول حكومي.

اللافت في التوقيت أن البعثة جاءت أبكر مما كان متوقعًا بأسابيع؛ فقد كان الحديث حتى الأسبوع الماضي عن وصولها في النصف الثاني من نوفمبر. تقديم الموعد يقرأه مراقبون كإشارة إلى أن الطرفين يريدان إغلاق الملف قبل انتهاء البرنامج رسميًا في 15 ديسمبر المقبل، وترك مساحة كافية لعرض نتائج المراجعة على المجلس التنفيذي للصندوق واعتمادها خلال ديسمبر.

صندوق النقد الدولي: 2.3 مليار دولار على الطاولة

إتمام المراجعتين بنجاح يتيح لمصر نحو 2.3 مليار دولار، موزعة بين الشريحة الأخيرة من قرض التسهيل الممدد بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار، ونحو 800 مليون دولار إضافية من تسهيل الصلابة والاستدامة بعد استكمال مراجعته الأخيرة. لكن الصرف ليس تلقائيًا بمجرد بدء المحادثات؛ فهو مشروط بانتهاء المناقشات الفنية والتأكد من استيفاء المتطلبات المتفق عليها، ثم موافقة المجلس التنفيذي للصندوق.

وتستغرق المحادثات نحو أسبوعين، بحسب ما قاله محمد معيط، المدير التنفيذي لدى الصندوق ممثل المجموعة العربية، لنشرة «إنتربرايز»، متوقعًا أن تمر المراجعتان بنجاح لأن البرنامج حقق مستهدفاته. وتلتقي البعثة خلال وجودها في القاهرة بمسؤولي وزارتي المالية والتخطيط والبنك المركزي المصري، لمناقشة دور القطاع الخاص في الاقتصاد، وبيع أصول الدولة، ومرونة سعر الصرف، ومدى اتساق السياسة النقدية مع مستهدفات البرنامج.

بيع الأصول في الصدارة.. وطرح بنك القاهرة ورقة الحكومة الأهم

يتصدر ملف التخارج من أصول الدولة أجندة المحادثات. فالصندوق يريد حصيلة تخارج تقارب 1.5 مليار دولار بحلول نهاية البرنامج، بينما كان لا يزال على الدولة جمع نحو مليار دولار حتى الأسبوع الماضي، بحسب المسؤول الحكومي الذي تحدثت إليه «إنتربرايز». لهذا يراهن المسؤولون على طرح بنك القاهرة في البورصة المصرية لتعزيز موقفهم التفاوضي؛ فعند سعر 5.30 جنيه للسهم، قد تدر حصة 45% من البنك نحو 680 مليون دولار لبنك مصر، بحسب حسابات «إنتربرايز».

ويأتي ذلك بينما يتداول الدولار عند مستويات قياسية؛ فقد سجل سعر الدولار في البنك المركزي المصري 55.75 جنيه للشراء و55.89 جنيه للبيع وفق آخر إغلاق معلن يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، بعدما تجاوز الجنيه حاجز 55 جنيهًا للدولار لأول مرة خلال الأسبوع الماضي. ويدافع البنك المركزي عن سياسة سعر الصرف المرن باعتبارها صمام أمان يسمح للاقتصاد بامتصاص الصدمات بدل تثبيت سعر لا يعكس الأوضاع، وهي النقطة نفسها التي ستراجعها البعثة تحت بند مرونة سعر الصرف.

دعم الطاقة.. الملف الأصعب في المراجعة الأخيرة

الملف الأكثر حساسية في هذه الجولة هو دعم الطاقة. فقد امتصت الحكومة ارتفاع تكاليف الطاقة بدل تمرير زيادات جديدة في الأسعار إلى المواطنين، ما يعني عمليًا تخطي زيادتين لأسعار الوقود كانتا ضمن التزامات المراجعة السابعة، مع تجميد أسعار الوقود حتى نهاية ديسمبر المقبل. وبحسب المسؤول الحكومي، ستطرح الاعتبارات الاجتماعية وراء التأجيل على طاولة النقاش، إلى جانب خطة لإعادة هيكلة دعم الطاقة وتدعيم الأوضاع المالية لقطاعي البترول والكهرباء.

أما ملف الضرائب فلا يزال حاضرًا بقوة: يستهدف البرنامج رفع الحصيلة الضريبية، وتقليل إعفاءات ضريبة القيمة المضافة، وتحسين الامتثال عبر الرقمنة وإدارة المخاطر. ومن بين المستهدفات المتعثرة ضريبة استقطاع بنسبة 4% على مبيعات شركات المناطق الحرة في السوق المحلية، وكان مقررًا تطبيقها بنهاية نوفمبر، لكنها تعثرت حتى الآن، بحسب «إنتربرايز».

ماذا بعد صندوق النقد الدولي؟ برنامج وطني حتى 2030

ينتهي برنامج الصندوق في 15 ديسمبر 2026، وتستعد الحكومة لما بعده بخطة تحمل اسم «البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي 2027-2030»، المقرر الانتهاء من صياغته بنهاية ديسمبر، بمؤشرات واضحة لحماية مكاسب الإصلاح. ولا تبدو الحكومة متحمسة لبرنامج تمويلي جديد مع الصندوق في الوقت الحالي، وتميل بدلًا من ذلك إلى الاعتماد على المساندة الفنية، وهو ما يتسق مع تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بأن مصر لا ترى ضرورة للدخول في برنامج جديد بعد انتهاء الاتفاق الحالي.

وتتزامن زيارة البعثة مع أسبوع حاسم للسياسة النقدية؛ إذ تجتمع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي يوم الخميس المقبل، وسط توقعات واسعة — منها مذكرة بحوث «اتش سي» — بإبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، رغم ضغوط تراجع الجنيه وخروج الأجانب بائعين صافيًا في سوق الدين المحلي. كما تأتي الزيارة في ظل احتياطي نقدي قياسي بلغ 57.3 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، وسعر ذهب محلي مستقر عند 6285 جنيهًا لعيار 21 صباح الاثنين 26 أكتوبر، مع أونصة عالمية قرب 3996 دولارًا.

ومن زاوية الأسواق، تترقب البورصة المصرية وسوق الدين المحلي أي إشارات تصدر عن اليومين الأولين للمحادثات. فالمستثمرون الأجانب كانوا بائعين صافيًا في أدوات الدين المحلية خلال الأيام الأخيرة، مدفوعين بارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وزيادة الطلب على الدولار لتغطية فواتير الاستيراد وسداد التزامات خارجية. وأي بيان متفائل من البعثة أو من وزارة المالية خلال الأيام المقبلة قد يخفف الضغط مؤقتًا على سوق الصرف، بينما سيبقى الحسم مرتبطًا بنتيجتين عمليتين: إعلان موعد اجتماع المجلس التنفيذي للصندوق، وحجم ما تحققه الحكومة فعليًا من حصيلة التخارج قبل منتصف ديسمبر، وعلى رأسها طرح بنك القاهرة الذي تحول من مجرد صفقة بيع حصة في بنك حكومي إلى ورقة التفاوض الأهم في هذه المراجعة.

كذلك يراقب الشارع المصري هذه المحادثات من زاوية مختلفة تمامًا عن زاوية الأسواق: الأسعار. فملف دعم الطاقة الذي تناقشه البعثة هو نفسه الملف الذي يلمس فاتورة البنزين والسولار وأسطوانة البوتاجاز، وتجميد الأسعار حتى نهاية ديسمبر يعني أن أي تحريك جديد — إن حدث — سيكون مع مطلع العام الجديد، وهو توقيت يتزامن عادة مع مراجعات الأجور والمعاشات. لذلك فإن لغة البيانات الرسمية خلال أسبوعي المحادثات تستحق القراءة الدقيقة، لأنها سترسم ملامح الربع الأول من 2027 قبل أن يبدأ.

تحليل الفلوس

وصول البعثة مبكرًا ليس تفصيلة إجرائية؛ هو رسالة طمأنة مقصودة للأسواق في لحظة يتداول فيها الدولار عند أعلى مستوياته تاريخيًا أمام الجنيه. فحين يعرف المستثمر الأجنبي أن 2.3 مليار دولار في طريقها إلى الاحتياطي — بشرط إغلاق المراجعة — يتراجع جزء من علاوة الخوف التي تضغط على الجنيه وسندات مصر الدولية. لكن الطمأنة مشروطة: ملفا التخارج ودعم الطاقة هما الاختبار الحقيقي، وأي تلكؤ فيهما قد يؤجل اعتماد المراجعة إلى ما بعد انتهاء البرنامج، وهو سيناريو لا تريده القاهرة ولا الصندوق.

النقطة التي يجب أن ينتبه لها المواطن والمستثمر معًا هي أن نهاية برنامج الصندوق لا تعني نهاية الإصلاح ولا نهايته المؤلمة؛ فالبرنامج الوطني 2027-2030 سيحمل مؤشرات ملزمة عمليًا، وأسعار الوقود المجمدة حتى ديسمبر ستعود إلى الطاولة مع مطلع العام الجديد. بعبارة أوضح: الأسابيع المقبلة ستحدد شكل العلاقة مع الصندوق لسنوات، وسعر الدولار والذهب سيتحركان على إيقاع أنباء هذه المحادثات قبل أي عامل آخر. ما يجب مراقبته الآن: سرعة إتمام طرح بنك القاهرة، وأي إشارة من البعثة عن موعد اجتماع المجلس التنفيذي، وقرار المركزي يوم الخميس.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img