حين سُئل الخبير الاقتصادي د. حسن الصادي عن الطروحات العامة في البورصة المصرية، لم يتحدث عن نسب تغطية ولا عن قصص نجاح، بل فكك المنظومة كلها قطعة قطعة. ففي حواره مع برنامج «المستثمر المصري» (Egyptian Guidelines)، قال حسن الصادي إن هناك ظاهرة كبيرة في السوق المصرية اسمها «ما قبل الطرح» (Pre-IPO)، يدخل فيها أصحاب الحظوة قبل أن يصل السهم إلى الجمهور، ثم يخرجون بالمكسب عند الطرح العام، بينما لا يتبقى للمصريين العاديين سوى فتات الشريحة، وأن تسعيرًا واحدًا خاطئًا لشركة تابعة لجهة سيادية أضاع على الدولة 3 مليارات جنيه دفعة واحدة، واصفًا ما جرى بأنه «خيانة أمانة» وليس شطارة سوق.
يأتي كلام حسن الصادي عن الطروحات العامة في أسبوع تعيش فيه البورصة المصرية تقلبات عنيفة تستحق أن يسأل معها كل مستثمر صغير: من يربح فعلًا في هذا السوق؟ فقد أنهت البورصة تعاملات الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 على صعود جماعي قوي، إذ قفز المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 3.49% مغلقًا عند 50,104 نقاط، وربح رأس المال السوقي نحو 155 مليار جنيه ليصل إلى 3.886 تريليون جنيه، بقيم تداول بلغت نحو 8.3 مليار جنيه — وذلك بعد جلسات هبوط حادة في الأيام السابقة. وفي صباح اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، سجل سعر الدولار لدى البنك المركزي المصري 56.06 جنيهًا للشراء و56.20 جنيهًا للبيع. وسط هذه الأمواج، يصبح سؤال الصادي عن عدالة توزيع الفرص داخل السوق هو السؤال الأهم للمستثمر الفرد.
حسن الصادي: «ما قبل الطرح» نادٍ مغلق.. و«الطرح الخاص» شيء مختلف تمامًا
يبدأ حسن الصادي تفكيكه من التفرقة بين مفهومين يختلطان على كثيرين. فالطرح الخاص (Private Placement) في شرحه آلية معلنة ومفهومة: شركة تحتاج إلى تمويل لبناء نفسها، فتستقطب مستثمرين استراتيجيين معروفين بالأسماء، يدخلون ليبقوا معها خمس أو ست أو سبع سنوات، على وعد بأن تُدرج الشركة في البورصة لاحقًا فيحقق الجميع قيمة حقيقية صنعتها الشركة نفسها. ويقول الصادي إنه عمل بنفسه على عمليات من هذا النوع، وإنها آلية مشروعة ما دامت الأدوار واضحة والمستثمر شريكًا في بناء الشركة لا صيادًا لفرق سعر أول يوم تداول.
أما «ما قبل الطرح» فهو عند حسن الصادي عالم آخر تمامًا: مجموعة محدودة من الأصدقاء والمعارف وصفها بأسماء مناطقها وأوساطها — شلة «بيفرلي هيلز» وشلة «الساحل الشمالي» وشلة «الجونة» — طبقة بعينها في المجتمع تدخل السهم قبل الطرح العام بقليل، لا لتبني الشركة ولا لتبقى فيها، بل لتلتقط لحظة الإدراج نفسها وتخرج بالمكسب في «المنطقة اللذيذة الجميلة» التي صنعها الداخلون لبعضهم بعضًا، على حد تعبيره الساخر. الفارق الجوهري عنده ليس في التسمية، بل في الوظيفة: مستثمر استراتيجي يضيف قيمة، مقابل دائرة مغلقة تقتسم قيمة موجودة أصلًا وتترك الجمهور خارج الباب.
13 جنيهًا في الطرح.. و19 في أول يوم: أين ذهبت الـ3 مليارات يا حسن الصادي؟
ثم ينتقل حسن الصادي إلى المثال الرقمي الذي يلخص المنظومة كلها. يقول إن شركة كبيرة تابعة لإحدى الجهات السيادية في الدولة — دون أن يسميها — طُرحت في اكتتاب عام بسعر يقارب 13 جنيهًا للسهم، فأُغلق عليها يوم الخميس، وافتتحت أولى جلسات تداولها عند 19 جنيهًا. ويسأل الصادي سؤاله المباشر: هذه الجنيهات الستة فرقًا بين سعر الطرح وسعر الافتتاح، كيف نتعامل معها؟ هل هي «شطارة»؟ ويجيب بحسم: «بالنسبة لي دي خيانة أمانة، مش شطارة».
ويفصّل الخبير الاقتصادي حسابه: حين تستعين الدولة أو الجهة المالكة بشركة لإدارة الطرح، فمهمتها أن تحقق للمالك أعلى سعر ممكن، لا أن يقفز السهم 6 جنيهات في أول يوم. وحين يسلمها المالك 500 مليون سهم لتبيعها، فإن كل جنيه نقصًا في التسعير يعني نصف مليار جنيه ضائع، والجنيهات الستة تعني 3 مليارات جنيه كاملة. ثم يسأل: «الـ3 مليار دول بتوع مين؟ بتوع الدولة المصرية، بتوع المصريين، بتوع الغلابة اللي أنشأوا الشركة دي». والخلاصة التي يضعها حسن الصادي أمام مدير الطرح لا لبس فيها: إما أن يقال له «برافو، كسبت كل مستثمر 6 جنيهات»، أو أن يُحاسَب لأنه بخّس قيمة السهم 6 جنيهات كاملة عن قيمته الحقيقية — والصادي يختار المحاسبة.
الاكتتاب بالهامش وصندوق «الحماية»: اختراعات لا توجد في بورصات العالم
ولا يتوقف تفكيك حسن الصادي عند التسعير. فهو يهاجم ما يعرف بصناديق أو آليات «حماية» الطروحات التي تعد المكتتب بأن يسترد ماله إذا هبط السهم خلال الشهر الأول، بينما إذا صعد السهم يحتفظ الداخلون بالمكسب ويخرجون. ويقول الصادي إن مثل هذا الصندوق «غير موجود في أغلب بورصات العالم — أمريكا ما عندهاش صندوق كده أصلًا، هو عمره ما وُجد»، متسائلًا بمنطق بسيط: أنا مستثمر أشتري سهمًا، والاستثمار بطبيعته معرض للمكسب والخسارة، فكيف يُبنى صندوق يقول لي: إن نزل السهم أرد لك مالك، وإن صعد نأخذ نحن الربح ونخرج؟
أما الاختراع الأغرب في رواية حسن الصادي فهو الاكتتاب «بالمارجن» — بالهامش — في طرح عام. يقول إنه لأول مرة يُسمع عن أسهم تُطرح للاكتتاب بالرافعة المالية: تدفع 10% فقط من قيمة السهم، فمن يملك 100 ألف جنيه يستطيع أن يكتتب بما قيمته مليون جنيه؛ تدفع 1.3 جنيه عن السهم الواحد، فإذا قفز السهم من 13 إلى 23 جنيهًا حصدت 10 جنيهات كاملة على استثمار لم تدفع منه سوى عُشر القيمة. ويسأل الصادي مستنكرًا: «أروني بورصة واحدة في العالم تُصدر أسهمًا في اكتتاب عام بالمارجن.. ده بيحصل في سوق حقيقي؟ ولا ده سوق صغير على قده؟» — واصفًا الحالة كلها بأنها ليست قصيدة فساد واحدة بل «ديوان شعر» كامل من الفساد.
نتيجة التخصيص: من طلب 60 ألف سهم حصل على ألف
وتكتمل الصورة عند حسن الصادي بأرقام التخصيص نفسها. فبحسب روايته، حصل الداخلون في مرحلة «ما قبل الطرح» والطرح الخاص على نحو 94% من الأسهم، بينما لم يتبقَ للاكتتاب العام — للمصريين والغلابة الذين تزاحموا عليه — سوى نحو 6% فقط. وحتى هذه الشريحة الضئيلة اكتُتب فيها بالمارجن أيضًا لا بأموال حقيقية كاملة، فتمت تغطيتها نحو 64 مرة، وقيل وقتها إنه «أنجح اكتتاب في تاريخ البورصة المصرية»، بينما الحقيقة عند الصادي أن الـ94% الأخرى اكتُتب فيها مرة واحدة فقط من أهل الدائرة المغلقة. والنتيجة العملية التي يرويها: مستثمر فرد طلب 60 ألف سهم فلم يحصل إلا على ألف سهم واحد، لأن نسبة التخصيص سحقت صغار المكتتبين لصالح من دخلوا قبل أن يبدأ السباق أصلًا.
ماذا يعني كلام حسن الصادي عن الطروحات العامة لصغير المستثمرين؟
عمليًا، يعني تحليل حسن الصادي أن المستثمر الصغير يجب أن يقرأ أي طرح عام جديد بأسئلة مختلفة: ما سعر الطرح مقارنة بالقيمة العادلة؟ ومن دخل قبل الطرح وبأي سعر؟ وما حصة الجمهور الحقيقية من الأسهم مقابل حصة الداخلين؟ وهل توجد آليات «حماية» أو اكتتاب بالهامش تصنع طلبًا وهميًا وتضخم نسب التغطية؟ فحين يقفز سهم جديد عشرات بالمئة في أول أيامه، لا يكون السؤال «كيف ألحق بالمكسب؟» بل «من أخذ هذا الفرق، وكان حق مَن أصلًا؟». فإذا كان الطرح لشركة مملوكة للدولة أو لجهة سيادية، فالفرق مال عام، والمكسب السريع الذي يحققه الداخلون هو في حقيقته تحويل من جيب المواطنين جميعًا إلى جيوب قلة تعرف موعد الباب الخلفي وتفتحه قبل الجميع.
تحليل الفلوس
قوة طرح حسن الصادي هنا أنه ينقل نقد الطروحات من مستوى الانطباعات إلى مستوى الحساب والأسماء والآليات: سعر طرح، وسعر افتتاح، وعدد أسهم، ونسب تخصيص. بهذا الحساب البسيط تصبح «خسارة» الدولة في تسعير واحد رقمًا ملموسًا — 3 مليارات جنيه — لا شعارًا غاضبًا. وحين تكون الشركة المطروحة ملكًا لجهة سيادية، أي ملكًا للمواطنين في النهاية، فإن بخس التسعير ليس خطأ فنيًا في نشرة اكتتاب، بل تصرف في مال عام بغير ثمنه، والمطالبة بمحاسبة مدير الطرح — لا الاحتفاء به — هي الحد الأدنى من الرقابة على المال العام في سوق يفترض أن شعاره الشفافية وتكافؤ الفرص.
والملاحظة الأعمق أن منظومة «ما قبل الطرح» كما يصفها الصادي تفرغ البورصة من وظيفتها التنموية نفسها. فالسوق وُجدت لتعبئة مدخرات الملايين نحو شركات تنمو وتوظف وتنتج، لا لتكون مسرحًا تعبره رؤوس أموال الداخلين لأيام فتلتقط فرق تسعير مضمونًا ثم ترحل. وكل طرح عام يخرج منه صغار المستثمرين بنسبة تخصيص مهينة وبانطباع أن اللعبة مرتبة سلفًا، يخصم من رصيد الثقة الذي تحتاجه الدولة نفسها حين تطرح شركاتها الكبرى المقبلة ضمن برامج الطروحات الحكومية؛ فالمواطن الذي شعر مرة أن الـ94% ذهبت لغيره قبل أن يقف في الطابور، لن يعود إلى الطابور بسهولة في المرة التالية.
ما يجب أن يتابعه القارئ والقائمون على السوق بعد هذا الحوار ثلاثة أمور: أولها قواعد الإفصاح عن الداخلين في مراحل ما قبل الطرح وأسعار دخولهم في الطروحات الحكومية المقبلة، لأن الشفافية هنا هي خط الدفاع الأول عن المال العام؛ وثانيها موقف الجهات الرقابية من الاكتتاب بالهامش وآليات «حماية» الطروحات، وهل تبقى اختراعات محلية بلا نظير عالمي أم تُضبط بقواعد واضحة؛ وثالثها تسعير الطروحات السيادية القادمة تحديدًا — فإذا افتتح أول طرح مقبل قريبًا من سعر اكتتابه بلا قفزة أول يوم، فهذا وحده سيكون أول دليل عملي على أن رسالة حسن الصادي وصلت: فرق السعر مكانه خزينة الدولة، لا جيوب الشلة.
المصدر: شاهد الحوار كاملًا / الخبر الأصلي: Egyptian Guidelines — برنامج «المستثمر المصري»
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. حسن الصادي وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







