استعرض المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، في حزمة إنفوجرافات نشرها اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، حصاد مؤشرات الاقتصاد المصري عن العام المالي 2025/2026، إلى جانب ما اتخذته وكالات التصنيف الائتماني العالمية خلال أكتوبر الجاري. والأرقام التالية هي الأرقام كما نشرها المركز الإعلامي لمجلس الوزراء اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، أي أنها الصورة الرسمية التي تقدم بها الحكومة قراءتها لعام مالي كامل، وتشمل نموًا هو الأعلى منذ ثلاث سنوات، ودينًا حكوميًا يتراجع، واحتياطيًا أجنبيًا عند مستوى قياسي، ورفعًا لتصنيف مصر من جانب وكالة موديز لأول مرة منذ خفض أكتوبر 2023.
الاقتصاد المصري ينمو 5.1% في 2025/2026 والبطالة تتراجع إلى 5.8%
بحسب ما نشره المركز الإعلامي، سجل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 5.1% في العام المالي 2025/2026، ارتفاعًا من 4.4% في العام المالي السابق عليه، وهو أعلى معدل نمو يتحقق منذ ثلاث سنوات. ويعني الرقم في قراءته المباشرة أن قطاعات الإنتاج والخدمات وسّعت نشاطها بوتيرة أسرع من العام الماضي، رغم بيئة إقليمية مضطربة وضغوط ممتدة على إيرادات قناة السويس وفاتورة استيراد الطاقة خلال فترات من العام المالي نفسه.
وفي سوق العمل، تراجع معدل البطالة إلى 5.8% في الربع الثاني من عام 2026، مقابل 6.1% في الربع الثاني من عام 2025، وفق الأرقام التي عرضها المركز الإعلامي. والفارق البالغ 0.3 نقطة مئوية قد يبدو محدودًا على الورق، لكنه في سوق عمل يتجاوز حجمه 30 مليون فرد يعني عشرات الآلاف من فرص العمل الإضافية، ويأتي في عام ما تزال فيه تكاليف التشغيل مرتفعة على الشركات، وما يزال معدل التضخم فيه فوق مستوى العشرة بالمئة.
مالية الاقتصاد المصري: العجز يهبط إلى 5.8% والفائض الأولي يصعد إلى 4.9%
على صعيد المالية العامة، عرضت الإنفوجرافات تراجع العجز الكلي للموازنة العامة إلى 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025/2026، مقابل 7.1% في العام المالي السابق، أي تحسنًا قدره 1.3 نقطة مئوية في عام واحد. وبالتوازي، ارتفع الفائض الأولي، وهو الفرق بين الإيرادات والمصروفات قبل حساب مدفوعات فوائد الدين، إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى تقدمه الحكومة بوصفه ثمرة ضبط الإنفاق الجاري وتنمية الإيرادات، وفي مقدمتها الإيرادات الضريبية.
وانعكس هذا المسار على رصيد الدين الحكومي، الذي تراجع إلى 81.8% من الناتج المحلي الإجمالي في يونيو 2026، بحسب المركز الإعلامي. ونسبة الدين إلى الناتج هي المؤشر الذي تنظر إليه وكالات التصنيف وصندوق النقد الدولي قبل غيره عند تقييم قدرة أي دولة على الاستمرار في خدمة التزاماتها، فكل نقطة تنخفض بها هذه النسبة تعني مساحة أوسع للاقتراض بتكلفة أقل، وضغطًا أخف على موازنة تلتهم فوائد الدين النصيب الأكبر من مصروفاتها كل عام.
التضخم يتباطأ إلى 13.3% والاحتياطي الأجنبي عند مستوى قياسي
وفي ملف الأسعار، أظهرت الحزمة تراجع التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في الحضر إلى 13.3% في المتوسط خلال العام المالي 2025/2026، مقابل 20.4% في العام المالي السابق، بالمقارنة المتوسطة التي عرضها المركز الإعلامي لمجلس الوزراء. والهبوط من خانة العشرينات إلى حدود 13% لا يعني أن الأسعار انخفضت في الأسواق، بل يعني أن وتيرة ارتفاعها تباطأت بوضوح، وهو فارق لا يصل إلى جيب المواطن دفعة واحدة، لكنه يتحول إلى إحساس فعلي إذا استمر المسار النزولي واقترب التضخم من خانة الآحاد.
أما الاحتياطي من النقد الأجنبي، فقفز صافي الاحتياطيات الدولية إلى مستوى قياسي بلغ 57.3 مليار دولار في سبتمبر 2026، مقابل 49.5 مليار دولار قبل عام، بزيادة تقترب من 7.8 مليار دولار في اثني عشر شهرًا. ويعرض المركز الإعلامي هذه الزيادة بوصفها نتاج تحسن تدفقات العملة الصعبة من تحويلات المصريين العاملين بالخارج والسياحة وإيرادات قناة السويس، إلى جانب مرونة سعر الصرف التي أعادت بناء الاحتياطي بدلًا من استنزافه في الدفاع عن سعر ثابت للجنيه كما حدث في أزمات سابقة.
موديز ترفع تصنيف مصر إلى B3 بنظرة إيجابية.. وتثبيت من ستاندرد آند بورز وفيتش
الخطوة الأبرز في حزمة أكتوبر جاءت من وكالة موديز، التي رفعت التصنيف الائتماني السيادي لمصر من درجة Caa1 إلى درجة B3، مع نظرة مستقبلية إيجابية. وبررت الوكالة قرارها، كما لخصه استعراض المركز الإعلامي، بمسار الضبط المالي وتراجع نسبة الدين الحكومي وارتفاع الفائض الأولي إلى 4.9% من الناتج، إضافة إلى مرونة سعر الصرف التي ساعدت على إعادة بناء الاحتياطيات الدولية ورفع قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية وتحمل تقلبات أسواق الطاقة.
وللرقم سياق يستحق التذكير: كانت موديز قد خفضت تصنيف مصر من B3 إلى Caa1 في أكتوبر 2023، في ذروة أزمة النقد الأجنبي وشح العملة الصعبة، ثم أعادت النظرة المستقبلية إلى إيجابية في مارس 2024 عقب اتفاق رأس الحكمة وبرنامج صندوق النقد الدولي، قبل أن تبقي التصنيف عند Caa1 في مراجعتي فبراير 2025 وأبريل 2026. وبذلك يعيد قرار أكتوبر 2026 مصر إلى الدرجة نفسها التي فقدتها قبل ثلاث سنوات، لكن مع نظرة إيجابية تفتح الباب نظريًا أمام رفع جديد إذا استمرت المؤشرات المعلنة في التحسن.
من جانبها، ثبتت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني لمصر عند درجة B مع نظرة مستقبلية مستقرة في أكتوبر 2026، مستندة، بحسب العرض الحكومي، إلى دور الاحتياطي الأجنبي المرتفع كوسادة في مواجهة التوترات الإقليمية، وإلى نمو اقتصادي بلغ 5.1%، وتدفقات تحويلات المصريين بالخارج والسياحة، وتعافي إيرادات قناة السويس بما يخفف ضغط فاتورة استيراد الطاقة، مع الإشارة إلى تراجع احتياجات مصر التمويلية بنحو 5% من الناتج المحلي خلال 2025/2026. وكانت ستاندرد آند بورز قد رفعت تصنيف مصر إلى B أصلًا في أكتوبر 2025. كما ثبتت وكالة فيتش التصنيف عند B بنظرة مستقبلية مستقرة، وفق ما ورد في استعراض مجلس الوزراء المنشور اليوم.
تحليل الفلوس
التحسن الذي تعرضه أرقام اليوم حقيقي في حدوده، ولا يصح التعامل معه بوصفه تجميلًا دعائيًا خالصًا: دين حكومي يتراجع إلى 81.8% من الناتج، وفائض أولي عند 4.9%، واحتياطي أجنبي قياسي عند 57.3 مليار دولار، وثلاث وكالات تصنيف لا تخفض مصر بل ترفع إحداها تصنيفها وتنظر إليها بإيجابية. هذه هي المؤشرات نفسها التي يراقبها صندوق النقد الدولي والدائنون وحملة السندات، وتحركها في اتجاه واحد خلال عام كامل ليس صدفة. لكن الصورة نفسها تعايشت هذا الأسبوع مع دولار كسر حاجز 55 جنيهًا في البنوك، ومع جلسة بورصة خسر فيها المؤشر الرئيسي 3.41% اليوم الخميس، ولا تناقض حقيقيًا بين المشهدين: أرقام مجلس الوزراء تنظر إلى الخلف، إلى عام مالي انتهى في يونيو الماضي واكتملت حساباته الختامية، بينما السوق يسعّر ما هو قادم، أي مخاطر الحرب وأسعار الطاقة واحتمالات خروج الأموال الساخنة وتكلفة تمويل أعلى. السوق لا يكذّب الأرقام الماضية، لكنه يطالب بعلاوة مخاطر على المستقبل.
ويجب أيضًا قراءة رفع موديز دون مبالغة في الاحتفاء: درجة B3 أفضل من Caa1 بلا شك، ونظرتها الإيجابية إشارة ثقة، لكنها ما تزال درجة داخل منطقة التصنيف المضاربي، أي أن الديون السيادية المصرية تُعامل في الأسواق العالمية بوصفها مرتفعة المخاطر وإن كانت أقل خطورة من ذي قبل. والطريق إلى خفض ملموس في تكلفة اقتراض مصر من الخارج يمر بدرجات أخرى صعودًا، وباستمرار الفائض الأولي وتراجع نسبة الدين عامًا بعد عام، لا بمراجعة تصنيف واحدة مهما كانت إيجابية. وما سيقرر اتجاه هذا الطريق فعليًا هو ما إذا كان التضخم سيواصل الهبوط من 13.3% نحو خانة الآحاد، لأن ذلك وحده ما يفتح بابًا أوسع لخفض أسعار الفائدة ويخفف كلفة خدمة الدين المحلي التي تلتهم الموازنة.
الاختبار الأقرب زمنيًا يأتي في الربع الأخير من عام 2026 مع المراجعات الختامية لبرنامج صندوق النقد الدولي، حيث ستُقاس الالتزامات لا الوعود: مسار الدين الحكومي، ومرونة سعر الصرف تحت الضغط الفعلي لا في أوقات الهدوء، وفاتورة دعم الطاقة إذا ظلت أسعار النفط مرتفعة. فإذا صمدت المؤشرات أمام صدمة الطاقة الحالية وخرجت مراجعات الصندوق بإشادة جديدة، اقتربت مصر من رفع تصنيف آخر ومن تراجع حقيقي في تكلفة التمويل. أما إذا التهمت فاتورة الاستيراد مكاسب الاحتياطي وعاد الدولار إلى الصعود بلا سقف، فستبقى أرقام اليوم لقطة جيدة لعام مضى، لا بداية مسار جديد. والفارق بين الحالتين سيظهر أولًا على شاشة البورصة وفي سعر الدولار، قبل أن يظهر في أي إنفوجراف لاحق.







