أنهت البورصة المصرية تعاملات اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 على تراجع جماعي حاد، في جلسة وُصفت بأنها الأصعب منذ أسابيع، بعدما فقد رأس المال السوقي نحو 116 مليار جنيه دفعة واحدة، ليغلق عند 3.949 تريليون جنيه مقابل 4.065 تريليون جنيه في ختام الجلسة السابقة. وجاء الهبوط وسط ضغوط بيعية واضحة من المستثمرين الأجانب والعرب، قابلها اتجاه شرائي من المصريين لم ينجح في وقف النزيف أو حتى تخفيف حدته حتى صافرة الإغلاق.
الهبوط لم يكن مفاجئًا لمن تابع الجلسة منذ بدايتها؛ فالمؤشر الرئيسي بدأ اليوم على تراجع، ثم عمّق خسائره بمنتصف التعاملات، قبل أن يغلق عند أدنى مستوياته تقريبًا. وهي الصورة التي رصدتها «الفلوس» لحظة بلحظة منذ المستهل، حين هبط EGX30 بنحو 2.5% بمنتصف الجلسة، لتتفاقم الخسائر في الساعة الأخيرة مع تسارع البيع على الأسهم القيادية.
البورصة المصرية في الأرقام: إغلاق الخميس 22 أكتوبر 2026
سجل المؤشر الرئيسي «إيجي إكس 30» تراجعًا بنسبة 3.41% ليغلق عند مستوى 51052 نقطة، فاقدًا أكثر من 1800 نقطة في جلسة واحدة، ومتخليًا عن مستويات دعم مهمة كان قد بناها خلال موجة الصعود الأخيرة. كما هبط مؤشر «إيجي إكس 30 محدد الأوزان» بنسبة 3.5% ليغلق عند 63379 نقطة، وتراجع مؤشر «إيجي إكس 30 للعائد الكلي» بالنسبة نفسها تقريبًا إلى 23821 نقطة.
ولم تكن الأسهم المتوسطة والصغيرة في مأمن من الموجة الحمراء؛ إذ انخفض مؤشر «إيجي إكس 70 متساوي الأوزان» بنسبة 3.09% ليغلق عند 17184 نقطة، وهبط مؤشر «إيجي إكس 100» الأوسع نطاقًا بنسبة 3.2% مسجلًا 23117 نقطة، بينما كان مؤشر الشريعة الإسلامية صاحب التراجع الأكبر بين المؤشرات الرئيسية بنسبة 4.61% ليصل إلى 6037 نقطة. كما تراجع مؤشر «EGX35-LV» بنسبة 3.08% إلى 5917 نقطة.
وبلغت قيمة التداولات خلال الجلسة نحو 8.2 مليار جنيه، وهي سيولة مرتفعة نسبيًا تعكس أن الهبوط جاء بأحجام بيع حقيقية وليس مجرد تراجع خامل في غياب المشترين. وعلى مستوى حركة الأسهم نفسها، ارتفعت أسعار 20 سهمًا فقط، مقابل انخفاض 190 سهمًا، واستقرار 13 سهمًا دون تغيير، وهي نسبة اتساع سلبية نادرًا ما تتكرر إلا في جلسات الضغط الاستثنائي.
من باع ومن اشترى في البورصة المصرية اليوم؟
أظهرت بيانات تعاملات المستثمرين أن الأجانب سجلوا صافي بيع بقيمة 425.5 مليون جنيه، وسجل العرب صافي بيع بقيمة 239.8 مليون جنيه، بينما اتجه المصريون إلى الشراء بصافي قيمة 665 مليون جنيه، في محاولة لاقتناص الأسعار بعد التراجعات الحادة. واستحوذ المصريون على 59.38% من إجمالي التعاملات، تلاهم الأجانب بنسبة 32.42%، ثم العرب بنسبة 8.20%.
ولا يمكن فصل مبيعات الأجانب في الأسهم عن الصورة الأوسع في سوق الدين الحكومي؛ فقد أظهرت بيانات السوق الثانوية أن تعاملات العرب والأجانب سجلت صافي بيع قدره 376.4 مليون دولار يوم الأربعاء وحده، ليرتفع إجمالي تخارجات الأموال الساخنة من مصر إلى نحو 1.13 مليار دولار خلال ثلاثة أيام، بعد أسبوعين من التدفقات الإيجابية. هذا التزامن بين الخروج من أدوات الدين والبيع في الأسهم هو ما يفسر لماذا كان ضغط الخميس أعنف من مجرد جني أرباح عادي.
وتزامن ذلك كله مع قفزة سعر الدولار في البنوك، إذ تجاوز الدولار مستوى 55 جنيهًا للبيع لأول مرة خلال تعاملات اليوم، مسجلًا أعلى مستوياته عند 55.25 جنيهًا في عدد من البنوك، وهو عامل يضغط تقليديًا على تقييمات الأسهم بالجنيه ويزيد حذر المستثمر الأجنبي الذي يقيس عائده بالدولار في النهاية.
لماذا هبطت البورصة المصرية بهذه الحدة؟
اجتمعت في جلسة الخميس ثلاثة عوامل ضاغطة في وقت واحد. العامل الأول محلي نقدي: استمرار خروج الأموال الساخنة وارتفاع الدولار فوق 55 جنيهًا، قبل أسبوع واحد فقط من اجتماع البنك المركزي المصري المقرر في 29 أكتوبر لحسم أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية 19% للإيداع و20% للإقراض، وهو اجتماع تترقبه الأسواق بحذر شديد.
والعامل الثاني خارجي جيوسياسي: قفزة أسعار النفط عالميًا، إذ تجاوز خام برنت مستوى 112 دولارًا للبرميل في وقت سابق من اليوم مسجلًا أعلى مستوياته منذ مايو، بعد هجمات استهدفت منشآت في السعودية وتصاعد التوترات في المنطقة، ما أعاد مخاوف التضخم المستورد إلى الواجهة ودفع المستثمرين عالميًا لتقليص المخاطرة. والعامل الثالث نفسي وفني في آن واحد: كسر المؤشر لمستويات دعم متتالية خلال الجلسة فعّل أوامر بيع إضافية من المؤسسات والأفراد على حد سواء، فتحول التراجع التدريجي إلى موجة بيع واسعة في الساعة الأخيرة.
ويرى محللون تحدثت إليهم الصحافة الاقتصادية المحلية أن الضغوط البيعية الأجنبية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية كانت المحرك الرئيسي لهبوط اليوم، في حين ظلت تعاملات المؤسسات والأفراد المصريين قريبة من مستوياتها المعتادة، مع مساهمة الأفراد في ضخ سيولة شرائية رغم التراجعات. أي أن جلسة الخميس، في قراءتهم، جلسة «خوف خارجي» أكثر منها تغيرًا في أساسيات الشركات المدرجة.
ماذا تعني خسارة 116 مليار جنيه لصغار المستثمرين؟
خسارة رأس المال السوقي لا تعني أن 116 مليار جنيه «تبخرت» من جيوب المستثمرين نقدًا؛ فهي تراجع في القيمة السوقية للأسهم المقيدة على الورق، ولا تتحول إلى خسارة محققة إلا لمن باع بالفعل عند هذه المستويات. لكنها في المقابل إشارة قوية على تغير مزاج السوق في يوم واحد، وعلى أن موجة الصعود التي دفعت المؤشر فوق 52 ألف نقطة في وقت سابق هذا الأسبوع تواجه أول اختبار جدي لها.
وبنهاية جلسة الخميس، يكون المؤشر الرئيسي قد أغلق عند 51052 نقطة، وهو مستوى ستتجه إليه الأنظار مع افتتاح جلسة الأحد المقبل: هل يظهر مشترٍ مؤسسي قادر على الدفاع عنه، أم تستمر موجة التخارج حتى اجتماع المركزي؟ الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على حركة الدولار في البنوك خلال الأيام المقبلة، وعلى ما إذا كانت تخارجات سوق الدين ستهدأ أم ستتواصل للأسبوع الثاني.
تحليل الفلوس
ما حدث في البورصة المصرية اليوم ليس انهيارًا في أساسيات الشركات، بل تسعير سريع لثلاثة مخاطر دفعة واحدة: دولار يكسر 55 جنيهًا لأول مرة، وأموال ساخنة تخرج بأكثر من مليار دولار في ثلاثة أيام، ونفط فوق 112 دولارًا يهدد بإعادة إشعال التضخم. حين تجتمع هذه العوامل قبل أسبوع من قرار فائدة مصيري، يختار المستثمر الأجنبي الخروج أولًا والسؤال لاحقًا، وهذا بالضبط ما تعكسه أرقام الإغلاق: بيع أجنبي وعربي منظم، وشراء مصري انتهازي لم يكفِ لامتصاص الصدمة.
النقطة التي تستحق التوقف عندها هي أن الشراء المصري بصافي 665 مليون جنيه، رغم أنه لم يوقف الهبوط، يمنع قراءة الجلسة كفقدان كامل للثقة المحلية. السوق منقسم فعليًا إلى قصتين: قصة أجنبية حذرة مرتبطة بسعر الصرف والعائد بالدولار، وقصة محلية ترى في التراجعات الحادة فرص اقتناص بأسعار أقل. أي القصتين ستنتصر سيتحدد في جلسات الأسبوع المقبل، وعلى رأسها جلسة الأحد الافتتاحية بعد عطلة نهاية الأسبوع.
ما يجب مراقبته الآن بالترتيب: أولًا، إغلاق الدولار في البنوك يوم الأحد وهل يثبت فوق 55 جنيهًا أم يتراجع؛ ثانيًا، بيانات تعاملات الأجانب في سوق الدين الثانوية، لأن استمرار التخارج فوق 300 مليون دولار يوميًا سيبقي الضغط على الأسهم قائمًا مهما تحسنت المعنويات؛ وثالثًا، لهجة البنك المركزي في اجتماع 29 أكتوبر، فأي إشارة إلى تشديد إضافي قد تعيد تسعير الأسهم والشهادات معًا. حتى تتضح هذه الصورة، يبقى التعامل مع السوق بمنطق إدارة المخاطر لا بمنطق «اللحاق بالقاع» هو الخيار الأعقل لصغار المستثمرين.







