البنوك العالمية تخفض مستهدفات الذهب لنهاية 2026 إلى 4500 دولار.. وجولدمان ساكس عند 4650 وبنك أوف أمريكا يحذر من 3750

Published:

غيّرت كبرى البنوك الاستثمارية العالمية حساباتها بالكامل بشأن المعدن الأصفر خلال الأسابيع الأخيرة، وأصبحت توقعات أسعار الذهب لنهاية عام 2026 أقل بكثير مما كانت عليه في بداية العام. فبعدما لامس الذهب مستوى قياسيًا عند 5595.46 دولار للأونصة في يناير الماضي، يتداول السعر الفوري قرب 4120 دولارًا وقت إعداد التقرير، قبل أن يواصل التراجع مساء الخميس مقتربًا من 4060 دولارًا، أي أنه فقد نحو 26.4% من قمته التاريخية، وهو هبوط دفع البنوك إلى مراجعة مستهدفاتها واحدًا تلو الآخر.

توقعات أسعار الذهب تنخفض: خفض جماعي من البنوك الكبرى

الخفض الأكبر جاء من بنك CIBC الكندي، الذي قلّص مستهدفه لسعر الذهب في الربع الأخير من العام من 6500 دولار إلى 4500 دولار للأونصة، أي بنسبة تناهز 31%. ولم يكن وحده؛ فبنك جي بي مورجان خفّض مستهدفه من 6000 دولار إلى 4500 دولار، وبنك جولدمان ساكس خفّض توقعه من 5400 دولار إلى 4650 دولارًا، بينما خفّض بنك UBS السويسري مستهدفه من 5900 دولار إلى 4600 دولار. وبحسب تقارير البنوك كما رصدتها «بنوك 24»، بلغ متوسط الخفض عبر البنوك الكبرى نحو 17%، ولم ينجُ بنك كبير واحد من المراجعة؛ فكل البنوك عدّلت توقعاتها مرة واحدة على الأقل خلال هذا العام، وبعضها عدّلها أكثر من مرة مع تسارع الهبوط.

هذا التحول الجماعي له دلالة تتجاوز الأرقام نفسها. فحين كانت الأسعار تصعد بقوة في نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي، تسابقت البنوك على رفع المستهدفات، وكل بنك كان يحاول ألا يبدو متأخرًا عن الموجة. اليوم يحدث العكس تمامًا؛ البنوك تتسابق على الخفض، وكل تأخير في المراجعة يعني أن المستهدف القديم يبدو منفصلًا عن السوق. والنتيجة أن خريطة نهاية 2026 التي كانت تتحدث عن 6000 دولار وأكثر، أصبحت تتحدث الآن عن نطاق أضيق بكثير حول 4500 دولار.

خريطة توقعات أسعار الذهب لنهاية 2026 كاملة

عند تجميع أحدث مستهدفات البنوك لنهاية عام 2026، تتوزع الصورة على النحو التالي: 4500 دولار عند كل من CIBC وجي بي مورجان وسيتي بنك، و4600 دولار عند UBS ودويتشه بنك، و4650 دولارًا عند جولدمان ساكس وستاندرد تشارترد، بينما يقف مورجان ستانلي عند الحد الأدنى للخريطة بمستهدف 4450 دولارًا. أي أن الغالبية العظمى من التوقعات تتجمع في نطاق ضيق بين 4450 و4650 دولارًا للأونصة، وهو نطاق يعني، إذا تحقق، صعودًا يتراوح بين 8% و13% تقريبًا من مستوى 4120 دولارًا الحالي. بمعنى آخر، البنوك لا ترى انهيارًا قادمًا، لكنها لم تعد ترى أيضًا القفزة الكبيرة التي وعدت بها مستهدفات بداية العام.

وخارج هذا الإجماع النسبي يقف تحذير لافت من بنك أوف أمريكا، الذي يتوقع أن يبلغ متوسط سعر الذهب في الربع الأخير من العام نحو 4000 دولار فقط، مع مخاطر هبوط إضافية قد تدفع السعر إلى 3750 دولارًا إذا استمرت الضغوط الحالية. الفارق بين سيناريو بنك أوف أمريكا وسيناريو جولدمان ساكس يقترب من 900 دولار للأونصة، وهو فارق ضخم يعكس حجم عدم اليقين الذي يحيط بالسوق حاليًا، ويعني أن من يشتري اليوم يشتري وسط خلاف حقيقي بين أكبر بيوت الخبرة في العالم، لا وسط إجماع مطمئن.

لماذا تراجعت البنوك عن تفاؤلها؟

السبب الجوهري هو تغيّر مسار السياسة النقدية الأمريكية. فالرهانات على خفض قريب وكبير لأسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي انحسرت، وفي المقابل ارتفعت توقعات رفع الفائدة أو الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول. والذهب، كونه أصلًا لا يدر عائدًا، يتضرر مباشرة من هذا التحول؛ فحين ترتفع العوائد الحقيقية على السندات، تصبح تكلفة الاحتفاظ بالذهب أعلى، ويصبح الدولار الأقوى عامل ضغط إضافي لأنه يرفع كلفة المعدن على المشترين بعملات أخرى. يضاف إلى ذلك ضغوط تضخمية مرتبطة بأسعار الطاقة، أبقت البنوك المركزية متشددة لفترة أطول مما توقعه السوق في بداية العام.

ولا يمكن فصل الهبوط عن جني الأرباح نفسه. فالصعود إلى 5595 دولارًا في يناير كان سريعًا وحادًا، وتراكمت خلاله مراكز شرائية كبيرة من صناديق ومضاربين دخلوا متأخرين. وحين انكسر الاتجاه الصاعد، خرج كثير من هذه المراكز دفعة واحدة، فتحول التصحيح الطبيعي إلى موجة بيع واسعة. هذا النمط معروف في أسواق الذهب: القمم التي تُبنى بسرعة تحتاج وقتًا طويلًا لإعادة البناء، وهو ما يفسر لماذا جاءت مستهدفات نهاية العام متحفظة حتى لدى البنوك التي ما زالت متفائلة على المدى الأطول، كما تناولنا في تغطية إغلاق الذهب يوم الأربعاء وتطورات الأسعار الأخيرة.

نظرة 2027: عودة الصعود في التوقعات

المفارقة أن تشاؤم البنوك قصير الأجل يقابله تفاؤل واضح عند النظر إلى عام 2027. فتوقعات العام المقبل تتراوح بين 5000 و5400 دولار للأونصة، بمتوسط يقترب من 5200 دولار، أي أعلى بنحو 26% من الأسعار الحالية. ويستند هذا التفاؤل إلى عاملين بنيويين لم يتغيرا رغم الهبوط: استمرار البنوك المركزية حول العالم في شراء الذهب لتنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، وتدفقات متوقعة إلى صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب مع عودة دورة خفض الفائدة في وقت ما من العام المقبل. بعبارة بسيطة، البنوك ترى أن قصة الذهب لم تنتهِ، لكن توقيتها تأجل؛ فالتصحيح الحالي في نظرها مرحلة إعادة تسعير، لا نهاية لاتجاه صاعد ممتد منذ سنوات.

الذهب في مصر: عيار 21 يتماسك رغم الهبوط العالمي

محليًا، بدت الصورة مختلفة تمامًا عن الشاشات العالمية. فبينما كان الذهب يفقد ربع قيمته من القمة عالميًا، حافظ سعر عيار 21 في مصر على نطاق 6300 إلى 6340 جنيهًا للجرام اليوم الخميس 22 أكتوبر، وهو تماسك يرجع إلى معادلة التسعير المحلي المعروفة: السعر في مصر يساوي السعر العالمي مضروبًا في سعر الدولار مقابل الجنيه. وبما أن الدولار كسر مستوى 55 جنيهًا في السوق المحلية، فإن أثر صعود العملة الأمريكية عوّض جزءًا كبيرًا من أثر هبوط الأونصة عالميًا. النتيجة العملية أن حائز الذهب في مصر كان محميًا جزئيًا من الهبوط العالمي، لكن هذه الحماية ليست خاصية في الذهب نفسه بقدر ما هي انعكاس لحركة الجنيه، وهي نقطة جوهرية عند تقييم قرار الشراء الآن.

تحليل الفلوس

خريطة نهاية العام بين 4450 و4650 دولارًا تعني أن من يشتري عيار 21 أو السبائك اليوم عند الأسعار الحالية لا يشتري قاعًا مضمونًا، بل يشتري احتمال صعود عالميًا يتراوح بين 8% و13% حتى نهاية 2026، مقابل احتمال هبوط حقيقي حذّر منه بنك أوف أمريكا قد يصل بالأونصة إلى 3750 دولارًا. الترجمة المحلية لهذا السيناريو المتشائم ليست بالضرورة خسارة بنفس النسبة؛ فسعر الجنيه مقابل الدولار هو المتغير الذي يقرر حجم الألم الفعلي. إذا هبطت الأونصة عالميًا بينما واصل الدولار الصعود أمام الجنيه، قد يخرج المشتري المصري شبه متعادل. أما إذا تزامن هبوط الأونصة مع استقرار الجنيه أو تحسنه، فالخسارة المحلية ستكون كاملة ومباشرة. وسادة الدولار والجنيه إذن سلاح ذو حدين: تحميك اليوم من هبوط العالم، لكنها تعني أيضًا أن جزءًا من مكسبك المحتمل عند عودة الصعود العالمي قد يتبخر إذا تراجع الدولار محليًا في التوقيت نفسه.

لهذا السبب، الشراء المتدرج على دفعات يظل أنسب من ضخ مبلغ كامل دفعة واحدة في لحظة خلاف بين البنوك بهذا الحجم. تقسيم المبلغ على ثلاث أو أربع دفعات متباعدة زمنيًا، مع تخصيص دفعة إضافية تُستخدم فقط إذا اقتربت الأونصة من منطقة 3750 إلى 4000 دولار، يحوّل التقلب من خطر إلى أداة لخفض متوسط سعر الشراء. أما من يشتري بغرض الزينة أو الزواج بموعد قريب، فحساباته مختلفة أصلًا، ولا ينبغي أن يربط قراره بمستهدفات بنوك قد تتغير مرة أخرى قبل نهاية العام، كما تغيرت ثلاث مرات منذ يناير.

أخيرًا، تفاؤل 2027 بمتوسط 5200 دولار يقوم على ركيزتين: مشتريات البنوك المركزية وتدفقات صناديق الذهب. وما قد يبطل هذا التفاؤل واضح نسبيًا: أن تتباطأ مشتريات البنوك المركزية فعليًا، أو أن يبقى الفيدرالي متشددًا طوال 2027 مع عوائد حقيقية مرتفعة ودولار قوي، أو أن تستقر الأوضاع الجيوسياسية بما يقلل الطلب على الملاذات الآمنة. وحتى يظهر دليل عملي على عودة خفض الفائدة وتدفقات الصناديق، يبقى المشهد متوازنًا بين فرصة ومخاطرة، والقرار الأذكى للمصري اليوم ليس الرهان على اتجاه واحد، بل بناء مركز تدريجي بسعر متوسط محتمل، مع إدراك أن الجنيه شريك صامت في كل جرام يشتريه.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img