أنهت البورصة المصرية تعاملات الاثنين 19 أكتوبر 2026 على ارتفاع جماعي للمؤشرات، في جلسة يصعب وصفها بالعادية. المؤشر الرئيسي EGX30 أغلق صاعدًا بنسبة 0.69% عند 51247 نقطة، وربح رأس المال السوقي نحو 79 مليار جنيه ليصل إلى 3.971 تريليون جنيه، بحسب بيانات الإغلاق التي نقلها موقع EgyIn عن البورصة. لكن خلف اللون الأخضر على الشاشات كانت هناك حركة أموال من نوع آخر تمامًا: الأجانب باعوا أسهمًا بقيمة 27.162 مليار جنيه، مقابل مشتريات لم تتجاوز 4.713 مليار جنيه، أي صافي بيع بلغ 22.449 مليار جنيه، ما يعادل نحو 417.27 مليون دولار خرجت من السوق في جلسة واحدة.
المفارقة ليست في الرقم وحده، بل في توقيته. جلسة الأحد 18 أكتوبر كانت قاسية، وأغلق EGX30 فيها عند 50896 نقطة منخفضًا 2.63% بعدما فقد 1377.15 نقطة، وهوى EGX70 بنسبة 6.58% إلى 17265 نقطة، وتراجع EGX100 بنسبة 5.75% إلى 23193 نقطة، ووصل رأس المال السوقي إلى 3.892 تريليون جنيه. من راقب افتتاح الاثنين ظن أن النزيف سيكمل، ومن راقب الإغلاق فقط ظن أن السوق تعافت. الحقيقة كانت في تفاصيل من اشترى ومن باع.
البورصة المصرية في الصباح: بداية حمراء وصفقة كبيرة على الجيزة للمقاولات
بدأت البورصة المصرية جلسة الاثنين على تراجع واضح. في التعاملات الصباحية هبط EGX30 بنسبة 0.94% مسجلًا 50419 نقطة، وفق ما رصدته جريدة حابي في تغطيتها الصباحية بقلم رنا ممدوح. قيمة التداول في تلك الساعة المبكرة بلغت 1.411 مليار جنيه، توزعت على أسهم 216 شركة، من خلال 51248 عملية. الضغط البيعي كان امتدادًا طبيعيًا لمزاج الأحد، فالمستثمر الذي خرج من جلسة خسر فيها المؤشر السبعيني أكثر من 6% لا يعود في صباح اليوم التالي مشتريًا بقلب جامد.
وسط هذا التراجع ظهرت صفقة لافتة على سهم الجيزة العامة للمقاولات، إذ جرى تنفيذ صفقة من خلال آلية الصفقات ذات الحجم الكبير على 190 مليون سهم بقيمة 129.2 مليون جنيه. صفقات الحجم الكبير لا تعني اتجاهًا صاعدًا أو هابطًا للسهم، لكنها تعني أن كميات ضخمة كانت تتحرك من يد إلى يد بينما الشاشة حمراء.
إدارة البورصة أوقفت التداول 10 دقائق على 14 سهمًا تجاوزت الحدود السعرية، بحسب Iqraa News. عشرة أسهم بلغت حد التحرك 10%، من بينها القاهرة للدواجن، وأطلس، والعبور للاستثمار العقاري، ومصر للأسمنت قنا، والقاهرة للأدوية، والبنك المصري لتنمية الصادرات، والنيل للأدوية، بينما أوقف أربعة أسهم أخرى عند حد 5%. وقف هذا العدد من الأسهم في جلسة واحدة يقول شيئًا واحدًا: التقلب لم يكن في المؤشر فقط، بل داخل الأسهم نفسها، صعودًا وهبوطًا.
انعكاس منتصف الجلسة: المؤشرات تصعد والسيولة تتضاعف
مع انتصاف الجلسة تغير المشهد. بيانات منتصف التعاملات التي نشرها موقع newsroom.info في الساعة 12:23 بالتوقيت العالمي أظهرت EGX30 مرتفعًا بنسبة 0.56% إلى 51182 نقطة، وEGX70 صاعدًا 1.16% إلى 17466 نقطة، وEGX100 مرتفعًا 1.11% إلى 23451 نقطة. قيم التداول قفزت إلى 3.8 مليار جنيه، على 1.06 مليار سهم، من خلال نحو 130.6 ألف عملية، ليتضاعف حجم التعاملات أكثر من مرتين مقارنة بالصباح.
لكن الصورة لم تكن وردية بالكامل. من بين 220 سهمًا جرى التداول عليها حتى منتصف الجلسة، ارتفع 86 سهمًا فقط، بينما تراجع 110 أسهم، واستقر 24 سهمًا. أي أن صعود المؤشرات كان مدفوعًا بأسهم قيادية ثقيلة الوزن، لا بموجة شراء عريضة. المؤشر أخضر لا يعني أن سهمك أخضر، وفي جلسة الاثنين كان الفارق بين الاثنين كبيرًا.
الارتداد له تفسير عملي. بعد هبوط الأحد الحاد، أصبحت أسعار أسهم قيادية مغرية للمؤسسات المحلية التي تملك سيولة وتنتظر نقاط دخول. الشراء المؤسسي لا يحتاج خبرًا كبيرًا، يحتاج سعرًا أقل من القيمة. وكلما زاد البيع الأجنبي على الأسهم الكبيرة، وجدت المؤسسات كميات جاهزة بأسعار أرخص، فدخلت تمتصها.
البورصة المصرية عند الإغلاق: 79 مليار جنيه مكاسب سوقية رغم صافي البيع الأجنبي
عند جرس الإغلاق ثبتت المكاسب. EGX30 أنهى الجلسة عند 51247 نقطة مرتفعًا 0.69%، متجاوزًا مستوى إغلاق الأحد بنحو 351 نقطة، ورأس المال السوقي أضاف 79 مليار جنيه ليغلق عند 3.971 تريليون جنيه، وفق بيانات EgyIn المنقولة عن البورصة. الأرقام على مستوى العام ما زالت تحفظ للسوق مكاسبها: رأس المال السوقي مرتفع بنحو 894 مليار جنيه منذ بداية 2026، وEGX30 صاعد 21.68% منذ أول العام، وEGX70 مرتفع 31.55% في الفترة نفسها. جلسة أو جلستان من الاضطراب لا تمحو اتجاه عام بهذا الحجم، لكنها تختبر أعصاب من دخلوا السوق قريبًا.
الرقم الأهم في جلسة الاثنين لم يكن المؤشر، بل فاتورة الأجانب. مبيعات بقيمة 27.162 مليار جنيه تعادل نحو 504.87 مليون دولار، مقابل مشتريات بقيمة 4.713 مليار جنيه تعادل نحو 87.6 مليون دولار فقط. الفارق، 22.449 مليار جنيه أو 417.27 مليون دولار، هو أكبر رسالة خرجت من الجلسة. الأموال الساخنة لا تصوت بالكلام، تصوت بالتحويلات. وعندما يبيع الأجنبي بهذا الحجم في يوم واحد، فهو إما يجني أرباحًا بعد موجة صعود قوية منذ بداية العام، أو يقلل انكشافه على الجنيه قبل أن يعرف إلى أين سيستقر سعر الصرف، أو الاثنان معًا.
توقيت الخروج يزيد حساسيته. في اليوم نفسه قفز الدولار داخل البنوك إلى 53.80 جنيه للشراء و53.90 للبيع في البنك الأهلي، و53.82 و53.92 جنيهًا في HSBC، بينما سجل سعر البنك المركزي الرسمي 53.46 للشراء و53.60 للبيع، وهي الحركة التي تابعها موقع الفلوس لحظة بلحظة في تغطيته لسعر الدولار اليوم. من يقرأ السوقين معًا يرى الصورة كاملة: ضغط على الجنيه في سوق الصرف، وخروج أجنبي ضخم من سوق الأسهم، ومؤشر يغلق أخضر لأن المشتري المحلي قرر ألا يترك الساحة فارغة. يمكن متابعة تفاصيل حركة العملة في تقرير الدولار يواصل القفز إلى 53.92 جنيهًا في HSBC، ومقارنة جلسة الاثنين بما حدث قبلها في تقرير البورصة المصرية تخسر 159 مليار جنيه في ختام الأحد.
يبقى سؤال للمستثمر الفردي: هل جلسة الاثنين إشارة شراء؟ جلسة واحدة لا تصنع اتجاهًا، خصوصًا جلسة تناقضت فيها المؤشرات مع اتساع السوق واتجاه الأجانب. ما أثبتته الجلسة أن السوق لديها مشتر محلي قادر على امتصاص 22.449 مليار جنيه صافي بيع أجنبي دون انهيار الأسعار. الاختبار الحقيقي هو ظهوره بالقوة نفسها إذا تكرر البيع الثلاثاء، ومع بدء تداول سهم إم إن تي حالًا.
تحليل الفلوس
خروج 417 مليون دولار في جلسة خضراء ليس تناقضًا في الحقيقة، بل هو تعريف دقيق لمرحلة انتقالية. الأجنبي الذي دخل السوق المصرية مستفيدًا من عوائد أذون الخزانة ومن صعود الأسهم منذ بداية العام يخرج الآن بجزء من أرباحه، والسوق المحلية، بمؤسساتها وصناديقها وأفرادها، تشتري منه لأنها ترى الأسعار الحالية فرصة لا تهديدًا. طالما استمر هذا التبادل المنظم، أي بيع أجنبي يقابله شراء محلي دون انهيار في الأسعار، يبقى المشهد تحت السيطرة، بل ويعني أن ملكية الأسهم تنتقل تدريجيًا إلى أيد محلية أقل حساسية لتقلبات سعر الصرف العالمي.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الأسهم، بل في الجنيه. كل دولار يخرجه مستثمر أجنبي من البورصة يتحول إلى طلب فعلي على العملة الصعبة عند التحويل، وهذا يفسر جانبًا من قفزة الدولار إلى مشارف 53.92 جنيه داخل البنوك في اليوم نفسه. إذا تكررت جلسات الخروج بهذا الحجم، سيجد البنك المركزي نفسه أمام معادلة مألوفة: إما ترك الجنيه يمتص الضغط بمزيد من التراجع، أو استخدام أدواته لتهدئة سوق الصرف. قدرة المؤسسات المحلية على امتصاص البيع في البورصة لها سقف مرتبط بسيولتها، وهي سيولة بالجنيه في النهاية، بينما طلب الخارج على الدولار لا سقف محليًا له.
ما يجب مراقبته في جلسة الثلاثاء 20 أكتوبر محدد وواضح: أولًا، صافي تعاملات الأجانب، فإذا تقلص البيع إلى مستويات عادية تكون جلسة الاثنين جني أرباح عابرًا، وإذا تكرر بمليارات الجنيهات فنحن أمام موجة خروج ممتدة. ثانيًا، اتساع السوق، أي عدد الأسهم الصاعدة مقابل الهابطة، لأن مؤشرًا أخضر بأسهم قليلة لا يبني اتجاهًا. ثالثًا، أداء سهم إم إن تي حالًا في أول أيام تداوله وحجم السيولة التي سيجذبها. ورابعًا، سعر الدولار في البنوك عند الافتتاح. البورصة المصرية أغلقت الاثنين خضراء، وهذه حقيقة مسجلة بالأرقام، لكن لون جلسة الثلاثاء سيتقرر في سوق الصرف بقدر ما سيتقرر على شاشات التداول.






