أعلن البنك المركزي المصري، نيابة عن وزارة المالية، نتائج مزاد سندات الخزانة ثابتة العائد الذي جرى أمس الاثنين 19 أكتوبر 2026، إذ قبلت الخزانة عطاءات بقيمة 29.361 مليار جنيه من إجمالي عروض تقدمت بها البنوك والمستثمرون بلغت نحو 53.041 مليار جنيه، بحسب ما نشرته جريدة حابي. وجاء المزاد في توقيت حساس، بعد أيام من قرار لجنة السياسة النقدية تثبيت أسعار الفائدة، ليقدم أول اختبار حقيقي لشهية السوق تجاه أدوات الدين الحكومية متوسطة الأجل، وليؤكد في الوقت نفسه أن وزارة المالية ما زالت تملك رفاهية الاختيار بين العروض: تقبل الرخيص وترفض الغالي.
سندات الخزانة لأجل 3 سنوات: العائد يصعد إلى 24.13%
في شريحة الثلاث سنوات، كانت الخزانة تستهدف جمع 20 مليار جنيه، لكنها قبلت في النهاية 18.861 مليار جنيه فقط، موزعة على 27 عرضًا، أي أقل من المستهدف بنحو 1.139 مليار جنيه. وبلغ متوسط العائد المرجح على العروض المقبولة 24.13%، مقابل 24.02% في المزاد السابق للشريحة نفسها، بزيادة قدرها 11 نقطة أساس، بينما تراوحت العوائد المقبولة بين 24% و24.2%. أما الكوبون المستحق على هذه السندات فيبلغ 23.98%، ويُصرف كل ستة أشهر، على أن تستحق السندات في 6 أكتوبر 2029.
الصورة من جهة الطلب كانت مختلفة تمامًا؛ إذ تقدمت البنوك والمستثمرون بعروض قيمتها 32.691 مليار جنيه في 45 عرضًا على شريحة الثلاث سنوات وحدها، بمتوسط عائد مرجح مطلوب بلغ 24.83%، وبمدى واسع امتد من 24% إلى 29%. وبعبارة أبسط: السوق عرض على الخزانة أموالًا أكثر مما تحتاجه، لكن بأسعار لم تعجبها، فأخذت ما يناسبها وتركت الباقي، بما فيه عروض طلبت عائدًا يقترب من 29%.
سندات الخزانة لأجل سنة ونصف تظهر لأول مرة
الحدث الأبرز في مزاد الاثنين كان الظهور الأول لشريحة لأجل سنة ونصف، وهي أداة جديدة في صندوق وزارة المالية تمنحها مرونة أكبر في إدارة آجال الدين العام، وتسد فجوة واضحة بين أذون الخزانة قصيرة الأجل التي لا يتجاوز أجلها عامًا واحدًا، والسندات الأطول أجلًا. واستهدفت الخزانة من هذه الشريحة جمع 10 مليارات جنيه، لكنها قبلت 10.5 مليار جنيه في 9 عروض، أي بزيادة نصف مليار جنيه عن المستهدف، في إشارة إلى رضاها عن الأسعار التي جاءت بها العروض الفائزة.
وبلغ متوسط العائد المرجح على الشريحة الجديدة 24.43%، وتراوحت العوائد المقبولة بين 24.38% و24.5%، بينما يساوي الكوبون العائد نفسه عند 24.43% ويُصرف نصف سنوي، على أن تستحق السندات في 20 أبريل 2028. أما العروض المقدمة فبلغت 20.350 مليار جنيه في 28 عرضًا، بمتوسط عائد مرجح 25.36% ومدى امتد من 24.38% إلى 32%، ما يعني أن الخزانة قبلت قرابة نصف المعروض فقط، وانتقت أرخص العروض متجاهلة ذيلًا طويلًا من الطلبات باهظة الثمن وصل بعضها إلى 32%.
40 مليارًا على الطاولة.. والنتائج المعلنة تخص الشريحة الثابتة
وكان البنك المركزي قد أعلن صباح الاثنين طرحًا إجماليًا بقيمة 40 مليار جنيه، توزع بين 30 مليار جنيه ثابتة العائد، هي التي ظهرت نتائجها، و10 مليارات جنيه متغيرة العائد، منها 5 مليارات لأجل سنة ونصف بهامش 0.3% يُصرف نصف سنوي، و5 مليارات لأجل خمس سنوات بهامش 0.5% يُصرف ربع سنوي وتستحق في 20 أكتوبر 2031. والنتائج التفصيلية التي نشرتها حابي تخص الشريحة ثابتة العائد وحدها.
تأتي هذه العوائد في وقت أبقت فيه لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير عند 19% للإيداع و20% للإقراض، و19.50% لكل من سعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم. وبذلك يتداول عائد السندات الجديدة عند مستويات تفوق سعر العملية الرئيسية بأكثر من 4.6 نقطة مئوية كاملة. وكان مزاد أذون الخزانة يوم الأحد قد شهد بدوره إقبالًا واسعًا من المستثمرين، في أسبوع مزدحم بمزادات الدين الحكومي على كل الآجال.
وتعكس وفرة العروض، التي تجاوزت 53 مليار جنيه في يوم واحد، حجم السيولة المتاحة لدى البنوك واستعدادها لتوظي��ها في أدوات الدين الحكومي عند هذه المستويات من العائد، بينما تعكس انتقائية القبول رغبة وزارة المالية في إطالة متوسط عمر الدين المحلي تدريجيًا، والانتقال من الاعتماد شبه الكامل على الأذون قصيرة الأجل إلى مزيج أوسع من الآجال، حتى لا تجد نفسها مضطرة لإعادة تمويل مبالغ ضخمة كل بضعة أشهر.
ولمن يتابع هذه المزادات لأول مرة: الكوبون هو العائد الثابت الذي يحصل عليه حامل السند كل ستة أشهر محسوبًا على القيمة الاسمية، بينما العائد الفعلي يتحدد بسعر الشراء في المزاد؛ فإذا اشتريت السند بأقل من قيمته الاسمية كان عائدك أعلى من الكوبون، والعكس صحيح. ولهذا جاء الكوبون على شريحة الثلاث سنوات عند 23.98% بينما بلغ متوسط العائد المرجح للمقبولين 24.13%، أي أن الفائزين اشتروا بأسعار تمنحهم عائدًا إضافيًا فوق الكوبون المعلن.
تحليل الفلوس
الرقم الأهم في مزاد الاثنين ليس ما قُبل، بل ما رُفض: نحو 23.68 مليار جنيه من العروض أُعيدت إلى أصحابها لأنها جاءت غالية. هذه ليست تفصيلة فنية، بل رسالة مقصودة من وزارة المالية إلى السوق مفادها أن الخزانة ليست مضطرة للقبول بأي سعر، حتى وهي تمول عجزًا مزمنًا. وتزداد أهمية الرسالة في وقت يتداول فيه سعر الدولار فوق مستوى 54 جنيهًا؛ فأي مزاد ضعيف أو عائد يقفز بعنف كان سيُقرأ فورًا كإشارة قلق تنعكس على سوق الصرف. المالية اختارت أن تبدو انتقائية وهادئة، حتى لو كان الثمن جمع مبلغ أقل من المستهدف في شريحة الثلاث سنوات.
أما بالنسبة للمدخر، فعوائد بين 24.13% و24.43% على سندات سيادية تعني أن من يملك سيولة كبيرة ويستطيع الشراء عبر بنكه في السوق الأولية أو الثانوية يحصل على عائد يفوق سعر فائدة الإيداع الرسمي البالغ 19% بأكثر من خمس نقاط مئوية. المقارنة مع شهادات الادخار البنكية ليست محسومة لصالح طرف واحد: الشهادة أبسط وأوضح لصغار المدخرين ولا تحمل مخاطرة سعرية عند كسرها أو بيعها، بينما تتطلب السندات حدًا أدنى أكبر ومعرفة بآلية التداول، وسعرها في السوق الثانوية يتحرك صعودًا وهبوطًا مع أسعار الفائدة، فمن يبيع قبل الاستحقاق قد يكسب أو يخسر بحسب توقيت الخروج.
ما يجب مراقبته في الأيام المقبلة ثلاثة أشياء: نتائج مزادات أذون الخزانة التالية هذا الأسبوع وما إذا كانت المالية ستواصل سياسة الرفض الانتقائي نفسها، واجتماع لجنة السياسة النقدية في نوفمبر وأي إشارة فيه إلى مسار الفائدة خلال 2027، ثم سلوك المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المحلية مع بقاء الدولار فوق 54 جنيهًا. فإذا ظلت العروض وفيرة والعوائد مستقرة حول 24%، تكون المالية قد نجحت في تثبيت منحنى العائد عند مستوى مقبول؛ أما إذا تراجعت التغطية أو اضطرت لقبول أسعار أعلى، فسيكون ذلك أول إنذار حقيقي بأن كلفة الدين بدأت تخرج عن السيطرة.







