قفز سعر الدولار أمام الجنيه المصري قفزة جديدة خلال تعاملات اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، ليتجاوز مستوى 54 جنيهًا في البنوك الحكومية والخاصة على حد سواء، ويلامس 54.50 جنيه للبيع في عدد من البنوك، في أعلى مستوى للعملة الأمريكية منذ نحو ستة أشهر، وفق ما رصدته جريدة حابي في تحديثها العاجل المنشور صباح اليوم. وتراوحت الزيادة اليوم بين 21 و50 قرشًا مقارنة بمستويات ختام تعاملات أمس الاثنين، ليواصل الدولار موجة صعود ممتدة منذ نحو أسبوعين، راكم خلالها مكاسب متتالية كان آخرها نحو 42 قرشًا في جلسة أمس وحدها.
سعر الدولار اليوم في البنوك: الأهلي عند 54.47 وبنوك تسجل 54.50
سجل سعر الدولار في البنك الأهلي المصري 54.37 جنيه للشراء و54.47 جنيه للبيع، مقابل 53.89 جنيه للشراء و53.99 جنيه للبيع في ختام تعاملات أمس، بزيادة 48 قرشًا كاملة في جلسة واحدة. وفي بنك مصر بلغ السعر 54.10 جنيه للشراء و54.20 جنيه للبيع، مرتفعًا 21 قرشًا عن إغلاق أمس، بينما سجل البنك التجاري الدولي (CIB) 54.32 جنيه للشراء و54.42 جنيه للبيع بزيادة 42 قرشًا. ووصل أعلى سعر في السوق إلى 54.40 جنيه للشراء و54.50 جنيه للبيع في بنوك فيصل الإسلامي وبيت التمويل الكويتي وكريدي أجريكول وسايب ومصرف أبوظبي الإسلامي وبنك HSBC، وفق إحصاء أعدته «العربية Business» لأسعار البنوك اليوم الثلاثاء.
في المقابل، ما زال السعر المرجعي لدى البنك المركزي المصري عند 53.88 جنيه للشراء و54.02 جنيه للبيع، وهو سعر يعكس متوسط تعاملات أمس قبل موجة اليوم، إذ سجل متوسط سعر الصرف في ختام الاثنين 53.89 جنيه للشراء و53.99 جنيه للبيع وفق بيانات البنك المركزي التي نقلتها حابي. ويلفت اتساع الفروق بين البنوك في توقيت متقارب — إذ تظهر بعض الشاشات أسعارًا أقل كثيرًا لدى بنوك لم تحدّث بعد — إلى سرعة التحرك داخل الجلسة، وهو ما يجعل السعر النهائي عند تنفيذ أي عملية مرتبطًا بتوقيت التحديث في كل بنك على حدة.
لماذا يقفز سعر الدولار؟ 505 ملايين دولار أموال ساخنة خرجت الاثنين
المحرك الأوضح لموجة الصعود ظهر في بيانات السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومي: فقد سجلت تعاملات العرب والأجانب صافي بيع قدره 505 ملايين دولار خلال تعاملات أمس الاثنين، استحوذ الأجانب وحدهم على 99.9% من هذه المبيعات، وفق بيانات البورصة المصرية التي نقلتها «العربية Business». وبذلك تعود الأموال الساخنة إلى الخروج من مصر بعد أسبوعين من التدفقات الإيجابية، إذ سجلت التعاملات صافي شراء بقيمة 328.5 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي، وصافي شراء بقيمة 1.2 مليار دولار في الأسبوع الذي سبقه.
وعلى مدار شهر سبتمبر الماضي كاملًا، كانت الحصيلة إيجابية بصافي شراء 702 مليون دولار، لكن تركيبتها كانت لافتة: العرب سجلوا صافي شراء قدره 1.528 مليار دولار، بينما سجل الأجانب صافي بيع قدره 826.5 مليون دولار. أي أن خروج الأجانب ليس وليد اليوم، لكنه تسارع فجأة في جلسة الاثنين إلى نصف مليار دولار في يوم واحد، وهو رقم يكفي — في سوق صرف يعمل بآلية العرض والطلب منذ تحرير سعر الصرف — لأن يضغط على الجنيه بهذا الشكل المرئي على شاشات البنوك.
سعر الدولار والذهب: معادلة الصاغة تحت الضغط
لا يقف أثر قفزة سعر الدولار عند حدود سوق الصرف؛ فتسعير الذهب في مصر يُبنى على ضرب سعر الأوقية العالمية في سعر صرف الدولار، ولذلك فإن كل قرش يضيفه الدولار يرفع القيمة النظرية للجرام حتى لو لم تتحرك الأوقية عالميًا. وكانت منصة آي صاغة قد سجلت في بداية تعاملات اليوم الثلاثاء استقرارًا نسبيًا عند 6275 جنيهًا لعيار 21 للبيع و6225 جنيهًا للشراء، والجنيه الذهب عند 50200 جنيه، بينما ارتفع الذهب الفوري عالميًا ارتفاعًا محدودًا بنسبة 0.1% إلى نحو 4145 دولارًا للأوقية بحلول صباح اليوم بتوقيت جرينتش، وفق «CNN الاقتصادية».
لكن هذا الاستقرار الصباحي سابق زمنيًا على قفزة الدولار داخل الجلسة؛ فإذا ثبتت أسعار الصرف الجديدة حتى نهاية التعاملات، فمن المرجح أن تعيد الصاغة تسعير الجرام على أساس الدولار الأعلى، وهو النمط الذي تكرر طوال الأسبوعين الماضيين حين صعد الذهب محليًا رغم تراجع الأوقية عالميًا في بعض الجلسات. وكان المدير التنفيذي لآي صاغة، سعيد إمبابي، قد أكد في تصريحات سابقة هذا الأسبوع أن الدولار قد يكون العامل الحاسم في تحديد اتجاه أسعار الذهب محليًا حتى في الأيام التي لا تحقق فيها الأونصة مكاسب كبيرة، وأن الفجوة بين السعر المحلي والقيمة النظرية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها فرصة ربح مضمونة.
ماذا حدث في جلسة الاثنين قبل قفزة اليوم؟
جاءت قفزة الثلاثاء امتدادًا لجلسة اثنين ساخنة أصلًا: فقد صعد الدولار أمس بنحو 42 قرشًا وفق متابعات البنوك، وسجلت البورصة المصرية في الجلسة نفسها مكاسب قوية أغلق عندها مؤشر EGX30 عند 51098 نقطة برأسمال سوقي يقترب من 4 تريليونات جنيه، قبل أن تستقبل السوق اليوم الثلاثاء بدء التداول على أسهم إم إن تي حالًا. والجمع بين صعود البورصة وخروج الأموال الساخنة من أدوات الدين في اليوم نفسه يرسم صورة سوق تعيد تسعير المخاطر: جزء من السيولة الأجنبية يخرج من السندات وأذون الخزانة تحت ضغط ارتفاع الدولار عالميًا والتوترات الجيوسياسية، بينما تستقبل الأسهم المحلية سيولة من نوع مختلف.
ويضاف إلى ذلك عامل خارجي ضاغط أشارت إليه «العربية Business» في رصدها اليوم: ارتفاع سعر الدولار عالميًا نفسه، وهو ما يضغط على عملات الأسواق الناشئة عمومًا، ويجعل الجنيه يواجه في الوقت ذاته موجة بيع محلية في أدوات الدين ورياحًا عالمية معاكسة. ويرى الخبير المصرفي عز الدين حسانين، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام اليوم، أن استمرار خروج الاستثمارات قصيرة الأجل قد يدفع الدولار نحو 55 جنيهًا، وأن اتجاه سعر الصرف سيظل مرتبطًا بتطورات تدفقات النقد الأجنبي وحركة الاستثمارات الأجنبية خلال الفترة المقبلة.
تحليل الفلوس
الرقم الذي يجب أن يقف عنده القارئ اليوم ليس 54.50 جنيه في حد ذاته، بل 505 ملايين دولار خرجت في جلسة واحدة. كسر حاجز نفسي مثل 54 جنيهًا يصنع العناوين، لكن اتجاه السوق الحقيقي تصنعه التدفقات: فحين كان الأجانب والعرب يشترون بأكثر من 1.5 مليار دولار في أسبوعين، امتص الجنيه ضغوطًا أكبر من هذه وبقي متماسكًا نسبيًا، وحين انقلبت الجلسة الواحدة إلى بيع صافٍ بنصف مليار، تحرك السعر نصف جنيه تقريبًا في ساعات. هذا يعني أن سعر الصرف الحالي شديد الحساسية لمزاج حاملي أدوات الدين قصيرة الأجل، وأن أي خبر عالمي سلبي — من تصعيد جيوسياسي إلى بيانات أمريكية مفاجئة — يمكن أن يترجم فورًا إلى قروش جديدة على شاشات البنوك.
النقطة الثانية التي تستحق الانتباه هي تركيبة الخروج: الأجانب باعوا في سبتمبر كله 826.5 مليون دولار بينما كان العرب يشترون بقوة، فجاء خروج الاثنين بقيادة أجنبية شبه خالصة (99.9%). الفارق مهم لأن المستثمر العربي في أدوات الدين المصرية يتصرف عادة بأفق مختلف عن الصناديق العالمية سريعة الحركة؛ فإذا استمر البيع الأجنبي وحده، فقد تعوّضه جزئيًا تدفقات عربية وخليجية ومحلية، أما إذا اتسع البيع ليشمل الجميع فالضغط سيكون أعمق. وعلى الجهة المقابلة، ما زالت أدوات الدين المصرية تقدم عائدًا حقيقيًا مرتفعًا بأسعار فائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض، وهو العائد الذي أعاد المشترين أكثر من مرة بعد موجات خروج سابقة.
ما الذي نتابعه في الأيام المقبلة؟ أولًا بيانات السوق الثانوية اليومية: عودة صافي الشراء تعني أن قفزة اليوم ذروة مؤقتة، واستمرار صافي البيع لجلستين أو ثلاث إضافية يعني موجة أطول. ثانيًا اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المقرر في 29 أكتوبر الجاري، إذ سيقرأ السوق أي تلميح عن الفائدة باعتباره سعرًا لاحتواء هذا الضغط. وثالثًا تسعير الذهب المحلي مساء اليوم وغدًا: إذا أعادت الصاغة التسعير على دولار 54.50، فسيظهر الأثر الكامل للقفزة في جيب المواطن، وسيصبح الذهب — كالعادة — أسرع مترجم لما يحدث في سوق الصرف.







