قبل 48 ساعة فقط من اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، لم تعد أسعار الفائدة في مصر محسومة الاتجاه كما بدت قبل أيام. فبينما كانت كفة التثبيت هي الغالبة في استطلاعات الرأي حتى مطلع الأسبوع، خرجت مصادر مصرفية تحدثت إلى «إيجي إن» صباح الثلاثاء 27 أكتوبر لتقول إن رفع الفائدة بنحو 1% بات مطروحًا بقوة على طاولة اللجنة، وربما يتكرر في الاجتماع الثامن أيضًا. في المقابل، تتمسك الخبيرة الاقتصادية رشا السيد السلاب بتوقع التثبيت عند 19% للإيداع و20% للإقراض. الانقسام نفسه هو الخبر هذه المرة.
مصادر مصرفية: رفع أسعار الفائدة في مصر 1% لامتصاص ضغط الجنيه
قالت مصادر مصرفية تحدثت إلى «إيجي إن» في تقرير نُشر الساعة 03:36 فجر الثلاثاء 27 أكتوبر بتوقيت القاهرة، إن البنك المركزي قد يتجه إلى رفع أسعار الفائدة على الجنيه، خاصة إذا تحرك مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في اجتماعه يومي الثلاثاء والأربعاء 27 و28 أكتوبر نحو التشديد أو أبقى على لهجة متشددة. وحددت المصادر حجم الرفع المحتمل عند نحو 1%، ووصفته بأنه أفضل السيناريوهات المتاحة إذا استمرت الضغوط الحالية.
ولم تحصُر المصادر الرفع في اجتماع الخميس وحده. فقد أشارت إلى أن استمرار صعود العملات الأجنبية أمام الجنيه قد يدفع المركزي إلى مواصلة الرفع في الاجتماعين السابع والثامن على التوالي، بهدف امتصاص الضغوط التضخمية التي قد تتولد عن تحرك سعر الصرف وتراجع قيمة العملة المحلية. المنطق هنا دفاعي بالكامل: فائدة أعلى تعني عائدًا حقيقيًا أكثر جاذبية على الجنيه، ورسالة مبكرة للمستثمر الأجنبي في أدوات الدين بأن المركزي لن يقف متفرجًا أمام موجة الضغط.
ويدعم هذا المعسكر ما يجري فعليًا في سوق الدين قبل الاجتماع. فالبنك المركزي يقبل منذ أيام عطاءات أذون وسندات خزانة بعوائد تقترب من 26%، ويسحب سيولة ضخمة من البنوك. وعلّق الخبير المصرفي محمد عبد المنعم، في تصريحات خاصة لـ«إيجي إن»، بأن قبول العوائد المرتفعة وسحب السيولة يأتيان ضمن أدوات امتصاص السيولة تحسبًا لعودة الضغوط التضخمية، مع تحركات سعر الصرف وارتفاع أسعار البترول عالميًا. عبد المنعم نفسه لم يحسم القرار، وقال إن كل السيناريوهات مطروحة بين التثبيت والرفع، لكنه رجّح أن تتراوح أي زيادة محتملة بين 0.5% و1%، واستبعد الخفض تمامًا في الظروف الحالية.
معسكر التثبيت: السلاب تراهن على الحذر رغم نفط قرب 117 دولارًا
على الضفة الأخرى، توقعت رشا السيد السلاب، الخبيرة الاقتصادية والنائب الثاني لرئيس الاتحاد الاقتصادي لأحزاب مصر، في تحليل نُشر يوم 26 أكتوبر، أن يثبّت البنك المركزي أسعار الفائدة في مصر خلال اجتماع الخميس 29 أكتوبر عند مستوياتها الحالية: 19% لعائد الإيداع لليلة واحدة، و20% للإقراض، و19.5% لسعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم، وهي المستويات نفسها التي أقرتها اللجنة في اجتماعها السابق يوم 24 سبتمبر 2026.
حجة السلاب أن التوقيت بالغ الحساسية، وأن القرار لن يُبنى على النفط وحده. فهي أشارت إلى صعود أسعار النفط عالميًا إلى نحو 117 دولارًا للبرميل وقت كتابة تحليلها، وما يعنيه ذلك من ضغط على تكاليف الإنتاج والنقل والشحن وأسعار السلع المستوردة، بالتوازي مع الضغوط على الجنيه أمام الدولار. لكنها رأت أن المركزي سيفضّل النهج الحذر وانتظار اتضاح اتجاهات النفط وسوق الصرف قبل أي تحرك، مع متابعة معدلات التضخم وتدفقات رؤوس الأموال واتجاهات الفائدة العالمية. ولم تُغلق السلاب الباب أمام الرفع؛ فقد تركت احتمال زيادة بنحو 1% قائمًا إذا تصاعدت الضغوط، بينما اعتبرت الخفض هو السيناريو الأقل احتمالًا بين الخيارات الثلاثة.
أرقام التضخم نفسها تشرح سبب هذا التردد. فالتضخم السنوي في مدن مصر تراجع في سبتمبر إلى 13.9% من 14.5% في أغسطس، وهو تباطؤ للشهر الثاني على التوالي يمنح اللجنة حجة للتثبيت والانتظار. لكن التضخم الشهري ارتفع في المقابل، والضغوط لم تنتهِ، وسعر الدولار واصل الصعود فوق 56 جنيهًا في البنوك لليوم الثاني على التوالي، إذ سجل سعر البنك المركزي يوم الثلاثاء 27 أكتوبر نحو 56.21 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع. وقد تناولت «الفلوس» في تقرير منفصل تفسير الخبير هاني توفيق لقفزة الدولار فوق 56 جنيهًا وأسبابها المرتبطة بالعجز التجاري وخدمة الدين.
سوق الأذون يصوّت قبل اللجنة: عائد 364 يومًا عند 25.912%
قبل أن تجتمع اللجنة، قالت سوق أذون الخزانة كلمتها بالأرقام. ففي عطاءات 22 أكتوبر، سجل أجل 364 يومًا متوسط عائد مرجحًا قدره 25.912%، مع قبول عروض حتى 26%، بينما سجل أجل 182 يومًا متوسطًا قدره 25.166%. هذه مستويات تعكس عائدًا حقيقيًا مرتفعًا قياسًا إلى تضخم عند 13.9%، وتُبقي أدوات الدين المصرية جذابة للمستثمرين الأجانب حتى بعد الضريبة، لكنها في الوقت نفسه ترفع تكلفة الاقتراض على الخزانة العامة مع كل طرح جديد.
واليوم الثلاثاء 27 أكتوبر، يطرح البنك المركزي نيابة عن وزارة المالية أذون خزانة بقيمة 120 مليار جنيه على أجلين: 40 مليار جنيه لأجل 91 يومًا تستحق في 26 يناير 2027، و80 مليار جنيه لأجل 273 يومًا تستحق في 27 يوليو 2027. نتائج هذا الطرح، ومستوى التغطية والعائد الذي ستقبله المالية، ستكون آخر إشارة عملية تقرأها السوق قبل قرار الخميس، وربما آخر إشارة تقرأها اللجنة نفسها عن شهية المستثمرين عند الأسعار الحالية.
النفط يضيف طبقة أخرى من الضغط. فقد تراجع خام برنت صباح الثلاثاء 27 أكتوبر إلى نحو 115.15 دولارًا للبرميل، بعد مستويات دارت بين 114.68 و115.15 دولارًا خلال التعاملات، لكنه ما زال قرب أعلى مستوياته في أشهر، وهو ما غطته «الفلوس» في تقريرها عن تراجع برنت مع محادثات طهران وبقاء مخاطر الإمداد قائمة. كل دولار إضافي في برميل النفط يرفع فاتورة الاستيراد المصرية ويضغط على الجنيه والتضخم معًا، وهو بالضبط المثلث الذي ستنظر إليه اللجنة بعد غد.
تحليل الفلوس
الانقسام الحالي ليس خلافًا على الأرقام، بل على ترتيب المخاطر. معسكر الرفع يرى أن الخطر الأكبر هو سعر الصرف: جنيه يتراجع ودولار فوق 56 جنيهًا لليوم الثاني، وإذا تردد المركزي فقد يقرأ المستثمر الأجنبي التردد ضعفًا، فتتسارع الخروجات من أدوات الدين ويزداد الضغط. رفع دفاعي بمقدار 1% في هذه القراءة هو ثمن تأمين: يرفع العائد الحقيقي على الجنيه، ويدعم الطلب على الأذون التي تُباع أصلًا بعوائد قرب 26%، ويرسل إشارة بأن صانع السياسة النقدية يتحرك قبل الأزمة لا بعدها. ثمنه معروف أيضًا: تكلفة خدمة دين أعلى على موازنة مثقلة، وقروض أغلى على الشركات والأفراد، وضغط إضافي على نشاط اقتصادي يحاول التعافي.
معسكر التثبيت يراهن على قراءة مختلفة للأرقام نفسها. التضخم السنوي يتراجع للشهر الثاني إلى 13.9%، والفائدة الحقيقية موجبة بفارق مريح، وعوائد الأذون عند 25.9% تقوم عمليًا بجزء من مهمة التشديد دون الحاجة إلى رفع رسمي. التثبيت هنا لا يعني التراخي، بل يعني الاحتفاظ بذخيرة الاجتماع الثامن إذا جاءت بيانات أكتوبر الشهرية أسوأ، أو إذا شدد الفيدرالي لهجته مساء الأربعاء. وبالنسبة إلى أصحاب الشهادات والودائع، فالفرق بين السيناريوهين ملموس: رفع 1% سيفتح خلال أيام باب شهادات وأوعية ادخارية بعوائد أعلى ويعيد تسعير القروض القائمة المرتبطة بالكوريدور، بينما يبقي التثبيت الخريطة الحالية كما هي حتى نهاية العام تقريبًا.
ما يجب مراقبته من الآن حتى مساء الخميس واضح: أولًا قرار الفيدرالي الأمريكي مساء الأربعاء 28 أكتوبر ونبرة بيانه، ثانيًا نتائج طرح أذون اليوم الثلاثاء بقيمة 120 مليار جنيه ونسبة تغطيته، وثالثًا حركة الدولار في البنوك صباح الخميس نفسه. إذا اجتمع تشديد أمريكي مع تغطية ضعيفة للأذون واستمرار صعود الدولار، يصبح الرفع الدفاعي هو القراءة الأقرب لقرار اللجنة. أما إذا هدأت هذه الجبهات الثلاث معًا، فسيجد معسكر التثبيت ما يكفيه من الحجج. حتى ذلك الحين، أسعار الفائدة في مصر معلقة بين مطرقة الجنيه وسندان تكلفة الدين، وقرار الخميس سيحدد أي الكفتين رجّحها البنك المركزي.







