رفعت مصر سقف طموحها الصناعي من جديد، لكن هذه المرة من منصة دولية في قلب القاهرة. فخلال مشاركته اليوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 في المؤتمر العالمي الخامس للتصنيع الذي تنظمه مجموعة البنك الدولي، أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج ومحافظ مصر لدى مجموعة البنك الدولي، أن تطوير القدرات الصناعية ورفع الصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030 يأتيان في صدارة أولويات الإصلاح الاقتصادي الهيكلي، وأن الدولة تعمل على تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع يرتبط بسلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.
المؤتمر، الذي تستضيفه القاهرة في الفترة من 26 إلى 28 أكتوبر 2026 تحت شعار «التصنيع من أجل الوظائف وإضافة القيمة والازدهار»، يجمع مسؤولين وممثلين عن مؤسسات دولية وشركات من القطاع الخاص. واستضافة القاهرة لهذه النسخة تمنح الرسالة المصرية وزنًا يتجاوز التصريح المحلي: الصناعة لم تعد ملفًا عند وزارة واحدة، بل محورًا للسياسة الاقتصادية الخارجية نفسها.
ماذا قال عبد العاطي عن الصادرات غير البترولية ومستهدف 2030؟
بحسب بيان وزارة الخارجية كما نقلته الصحافة المصرية اليوم، شدد عبد العاطي على أن تنمية القطاع الصناعي تمثل أولوية في مسار الإصلاح الاقتصادي الهيكلي، لما لها من دور في توسيع القاعدة الإنتاجية وجذب الاستثمارات وتعزيز اندماج الاقتصاد المصري في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية. واستعرض الوزير الاستراتيجيات الوطنية التي تستهدف دعم النمو الاقتصادي وتحسين تنافسية الاقتصاد المصري، إلى جانب مساندة التنمية الصناعية في أفريقيا.
الرقم الأبرز في الكلمة كان مستهدف بلوغ قيمة الصادرات غير البترولية 100 مليار دولار بحلول عام 2030. عبد العاطي ربط الوصول إلى هذا الرقم بمسار محدد لا يقوم على تصدير مزيد من المنتجات التقليدية فقط، بل على توطين الصناعات والمكونات ومدخلات الإنتاج داخل مصر، ورفع القيمة المضافة المحلية في كل منتج يخرج من المصانع المصرية إلى الأسواق الخارجية. الفرق جوهري؛ مصنع يجمع مكونات مستوردة ويعيد تصديرها يحقق رقمًا في إحصاءات التجارة، لكن أثره في الدولار والتشغيل يظل محدودًا، بينما مصنع يصنع المكون نفسه محليًا يحتفظ بجزء أكبر من قيمة المنتج داخل الاقتصاد.
هذا المستهدف ليس جديدًا على الخطاب الحكومي؛ فقد ظهر في الاستراتيجية الصناعية الوطنية التي استعرضها الرئيس عبد الفتاح السيسي في اجتماع 6 يوليو 2026 مع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الصناعة المهندس خالد هاشم، وحددت سبع صناعات ذات أولوية هي الملابس الجاهزة والمنسوجات والصناعات الغذائية والصناعات الدوائية والسيارات والمعدات الكهربائية والهندسية والإلكترونيات. الجديد في كلمة القاهرة هو وضع الرقم نفسه أمام البنك الدولي وشركاء التنمية، وربطه صراحة بملفات التمويل ونقل التكنولوجيا وتنمية المهارات.
الصناعات الخضراء والأراضي الصناعية ودور القطاع الخاص
أشار وزير الخارجية إلى توجه الدولة لتوجيه الاستثمارات نحو الصناعات ذات الأولوية، خاصة الصناعات الخضراء والمستدامة، بالتوازي مع تيسير إتاحة الأراضي والمنشآت الصناعية أمام المستثمرين. ملف الأرض ظل لسنوات الشكوى الأولى للمصنعين: سعر مرتفع، وإجراءات طويلة، ومناطق صناعية تنقصها المرافق. أي تسهيل حقيقي في هذا الملف ينعكس مباشرة على قرار التوسع أو بناء مصنع جديد، لأن الأرض والمنشأة تمثلان الجزء الأثقل من التكلفة الاستثمارية الأولية.
كما شدد عبد العاطي على أهمية دور القطاع الخاص في توطين التكنولوجيا وتوفير فرص عمل مستدامة. الدولة لا تتحدث هنا عن القطاع الخاص كممول لمشروعات حكومية، بل كطرف ينقل التكنولوجيا ويوطنها. وفي ملف التمويل، خصصت الحكومة 45 مليار جنيه لبرنامج رد أعباء الصادرات في العام المالي 2025/2026، منها 38 مليار جنيه للقطاعات التصديرية و7 مليارات جنيه لبرامج نوعية، وفق بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، في محاولة لتخفيف جانب من تكاليف النفاذ إلى الأسواق الخارجية عن المصدرين.
ما الذي تبيعه مصر للمستثمر الصناعي؟
في كلمته، عرض عبد العاطي المقومات التي تسوق بها مصر نفسها كوجهة للاستثمار الصناعي: الموقع الاستراتيجي بين ثلاث قارات وعلى ضفتي قناة السويس، والبنية التحتية المتطورة من طرق وموانئ وطاقة، وحجم السوق المحلية التي تتجاوز 110 ملايين نسمة، وتوافر الكوادر المؤهلة بتكلفة تنافسية. وأكد أهمية التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وشركاء التنمية في أربعة ملفات محددة: نقل التكنولوجيا، وتنمية المهارات، وتيسير التمويل، وتعزيز تنافسية الصادرات المصرية، في وقت تواجه فيه التجارة العالمية تحديات متصاعدة مرتبطة بالمناخ وآليات حدود الكربون الأوروبية.
توقيت الرسالة ليس مصادفة. القاهرة تعرض خطتها الصناعية بينما تجري المراجعة الأخيرة لبرنامجها مع صندوق النقد الدولي، وبينما بدأت تروج لمرحلة ما بعد الصندوق. وقد تناول موقع الفلوس هذا التحول في تقريره عن برنامج التحول الاقتصادي 2027-2030 الذي نشر أمس 26 أكتوبر، ويتضمن 40 هدفًا و150 مؤشرًا ونموًا مستهدفًا يصل إلى 6.8%. كما تتابع الأسواق أعمال بعثة صندوق النقد الدولي في القاهرة لإتمام المراجعة الثامنة والأخيرة، التي تفتح الباب أمام شريحة تمويلية بنحو 2.3 مليار دولار. الصناعة، في هذا السياق، هي الإجابة التي تقدمها الحكومة على سؤال ما بعد الإصلاح النقدي والمالي: من أين سيأتي النمو والدولار بعد انتهاء برنامج الصندوق؟
أين تقف الصادرات غير البترولية اليوم فعليًا؟
بين الطموح والواقع مسافة تقيسها الأرقام. بيانات ميزان المدفوعات الصادرة عن البنك المركزي المصري للعام المالي 2025/2026، كما نُشرت في أكتوبر الجاري، أظهرت ارتفاع حصيلة الصادرات السلعية غير البترولية بنسبة 7.8% لتبلغ نحو 37.3 مليار دولار، مقابل 34.6 مليار دولار في العام السابق، وقادت الزيادة صادرات الخضراوات والذهب والملابس الجاهزة والأجهزة الكهربائية المنزلية والفواكه. في المقابل، تحدث رئيس الوزراء في تصريحات سابقة عن وصول الصادرات غير البترولية إلى نحو 48 مليار دولار على أساس سنوي تقويمي، وعن 25.5 مليار دولار في النصف الأول من العام، وهي فروق تعود لاختلاف أسس الاحتساب بين السنة المالية والسنة التقويمية وبين الصادرات السلعية وحدها وإجمالي الصادرات غير البترولية.
أيًا كان الأساس، فالمسافة إلى 100 مليار دولار تظل كبيرة؛ فمن قاعدة تتراوح بين 37 و48 مليار دولار، يحتاج المستهدف إلى مضاعفة الرقم مرة على الأقل، وربما الاقتراب من ثلاثة أمثاله، خلال أربع سنوات فقط. على الأرض، ثمة مؤشرات حركة لا يمكن تجاهلها؛ فقد شهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إنشاء أكثر من 160 مصنعًا خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، بحسب تصريحات رئيس الوزراء، مع توقع افتتاح نحو 200 مصنع إضافي خلال العامين المقبلين. لكن تحويل المصانع الجديدة إلى صادرات فعلية يتطلب وقتًا للتشغيل وبناء شبكات توزيع واعتمادات جودة في الأسواق المستهدفة، ما يجعل 2027 و2028 حاسمتين للحكم على جدية المنحنى.
تحليل الفلوس
مستهدف 100 مليار دولار من الصادرات غير البترولية بحلول 2030 طموح مشروع، لكنه حسابيًا شديد الصعوبة. من قاعدة العام المالي 2025/2026 البالغة 37.3 مليار دولار، يتطلب الوصول إلى 100 مليار نموًا سنويًا مركبًا يقترب من 28% لأربع سنوات متتالية، بينما سجلت الصادرات نموًا بنسبة 7.8% في آخر عام مالي. وحتى لو اعتمدنا التقدير الأعلى القريب من 48 مليار دولار، يظل المطلوب نموًا سنويًا يدور حول 20%. اقتصادات قليلة في العالم حافظت على وتيرة كهذه دون طفرة في الاستثمار الأجنبي الصناعي أو انخفاض كبير في قيمة العملة يرفع تنافسية الأسعار، وكلا المسارين له كلفته. الأرجح أن الرقم سيعمل كسقف تعبوي يوجه السياسات، وأن الحكم العادل سيكون على الاتجاه: هل تتجاوز الصادرات 60 أو 70 مليار دولار بحلول 2029 بمنتجات ذات مكون محلي أعلى، أم نظل ندور حول تصدير الخامات والسلع منخفضة التصنيع؟
أهمية الرقم الحقيقية تتجاوز التجارة. كل مليار دولار إضافي من صادرات مصنعة محليًا يعني طلبًا مستدامًا على الدولار لا يعتمد على الأموال الساخنة أو بيع الأصول، ويعني وظائف صناعية ثابتة في بلد يدخل سوق عمله ما بين مليون و1.5 مليون شاب سنويًا بحسب تصريحات رئيس الوزراء. لهذا يرتبط نجاح المستهدف بثلاثة اختبارات عملية يجب متابعتها من الآن: سرعة إتاحة الأراضي الصناعية المرفقة وبأسعار لا تلتهم هامش المصنع، واستقرار تكلفة الطاقة وسعر الصرف بما يسمح للمصدر بتسعير عقود تمتد لعام كامل دون مفاجآت، وسرعة صرف مستحقات رد الأعباء بدل تراكمها. إذا تحركت هذه الملفات الثلاثة بوتيرة المؤتمرات نفسها، سيقترب الرقم؛ وإذا بقيت عند مستوى التصريحات، سيظل 100 مليار دولار عنوانًا جميلًا لمؤتمر قادم.







