ثقة المستهلك الأمريكي تهبط قرب أدنى مستوى تاريخي عند 48 نقطة.. والصناعة تفاجئ بصعود قوي قبل اجتماع الفيدرالي

Published:

هبطت ثقة المستهلك الأمريكي في القراءة النهائية لشهر أكتوبر إلى 48.0 نقطة، لتسجل ثاني أدنى مستوى في تاريخ المسح، في وقت فاجأت فيه المصانع الأمريكية الأسواق بصعود قوي غير متوقع، قبل خمسة أيام فقط من اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الحاسم يوم 28 أكتوبر. الصورة التي رسمتها بيانات الجمعة 23 أكتوبر 2026، بحسب ما نقلته وكالة رويترز، هي صورة اقتصاد منقسم على نفسه: أسر منهكة ترى قدرتها الشرائية تتآكل كل شهر، وقطاع صناعي يتحرك بأسرع وتيرة منذ مطلع 2022.

ثقة المستهلك الأمريكي عند 48 نقطة.. ثاني أسوأ قراءة في التاريخ

أظهر المسح النهائي لجامعة ميشيغان، الذي أوردته رويترز يوم الجمعة 23 أكتوبر، أن مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي استقر عند 48.0 نقطة في أكتوبر، متراجعا بشكل طفيف من 48.1 نقطة في القراءة النهائية لشهر سبتمبر. الرقم جاء أعلى من توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت رويترز آراءهم، إذ توقعوا 46.3 نقطة، وهي نفسها القراءة الأولية للشهر، لكن التحسن الطفيف عن التوقعات لا يغير من حقيقة الصورة الكلية شيئا.

القراءة الحالية هي ثاني أدنى قراءة على الإطلاق في تاريخ المسح الممتد لعقود. الأدنى تاريخيا كان 44.8 نقطة في شهر مايو الماضي، بعد فترة قصيرة من اندلاع الحرب مع إيران، وهي الحرب التي قلبت أسعار الطاقة والغذاء في العالم رأسا على عقب، وتركت أثرها المباشر على ميزانيات الأسر الأمريكية. أن يبقى المؤشر بعد خمسة أشهر كاملة قريبا جدا من قاعه التاريخي، فهذا يعني أن الصدمة لم تنته، وأن المستهلك الأمريكي لم يستعد ثقته بعد.

قالت جوان هسو، مديرة مسوح المستهلكين في جامعة ميشيغان، في تصريحات نقلتها رويترز، إن القدرة الشرائية ما زالت تهيمن على نظرة المستهلكين وتقييمهم لأوضاعهم. وأضافت أن المعنويات الآن أقل بنسبة 10% مما كانت عليه قبل عام كامل، وأقل بنسبة 15% من مستويات شهر فبراير الماضي، أي من الفترة التي سبقت اندلاع الصراع مع إيران. الأمريكي العادي يشعر اليوم أنه أفقر مما كان عليه في بداية العام.

توقعات التضخم تعود للصعود وتضغط على ثقة المستهلك الأمريكي

الجزء الأكثر إزعاجا لصناع السياسة النقدية في بيانات الجمعة لم يكن الرقم الرئيسي نفسه، بل ما جاء تحته. فقد ارتفعت توقعات التضخم لسنة مقبلة إلى 4.7% في أكتوبر، مقابل 4.6% في سبتمبر، بينما كانت عند 3.4% فقط في فبراير قبل الحرب. الفارق بين 3.4% و4.7% ليس فارقا حسابيا بسيطا، بل هو تحول كامل في قناعة الأسر بأن غلاء الأسعار صار حالة دائمة وليس موجة عابرة.

توقعات التضخم لخمس سنوات مقبلة ارتفعت هي الأخرى إلى 3.5%، مقابل 3.4% في سبتمبر. هذا المؤشر تحديدا يراقبه مسؤولو الفيدرالي عن قرب، لأن ارتفاع التوقعات طويلة الأجل يعني أن الأسر والشركات ستبدأ في التصرف على أساس أن التضخم باق، فتطالب بزيادات أكبر في الأجور، وترفع الأسعار مقدما، فيتحول التوقع إلى واقع يغذي نفسه. الفيدرالي يستهدف تضخما عند 2%، والفجوة بين الهدف وتوقعات الناس عند 3.5% لخمس سنوات هي فجوة خطيرة يصعب تجاهلها في اجتماع 28 أكتوبر.

توقيت البيانات حساس سياسيا أيضا. فقد أشارت رويترز إلى أن القراءات تأتي على أعتاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر، وهي انتخابات تتمحور بشكل شبه كامل حول قضية القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. ملايين الناخبين أدلوا بالفعل بأصواتهم في التصويت المبكر، والحزب الذي سيتحمل مسؤولية الغلاء في أذهان الناخبين سيدفع الثمن في صناديق الاقتراع. لهذا لا تُقرأ بيانات الثقة في واشنطن اليوم كأرقام اقتصادية فقط، بل كإنذار انتخابي مباشر.

المصانع تفاجئ الجميع.. أقوى تحسن منذ مطلع 2022

على الضفة الأخرى من الصورة، جاءت القراءات الأولية لمؤشرات مديري المشتريات من مؤسسة ستاندرد آند بورز غلوبال يوم الجمعة لتروي قصة مختلفة تماما. فقد سجل مؤشر مديري المشتريات الصناعي الأولي 56.0 نقطة، متجاوزا التوقعات التي كانت عند 55.5 نقطة، وهو ما وصفته البيانات بأنه أقوى تحسن في أوضاع الصناعة منذ مطلع عام 2022. أي مصنع أمريكي اليوم يتلقى طلبيات ويوظف ويوسع إنتاجه بإيقاع لم يشهده منذ أكثر من أربع سنوات ونصف.

مؤشر قطاع الخدمات، وهو القطاع الأكبر في الاقتصاد الأمريكي، سجل 57.9 نقطة في القراءة الأولية، متراجعا من 58.8 نقطة في سبتمبر، لكنه ما زال عميقا داخل منطقة النمو فوق مستوى الخمسين الفاصل بين الانكماش والتوسع. أما المؤشر المركب الذي يجمع الصناعة والخدمات فاستقر عند 57.6 نقطة، وهو مستوى يعكس اقتصادا ينمو بوتيرة قوية على الورق، لا اقتصادا يزحف نحو الركود.

هذا التباين الصارخ بين مؤشرات النشاط الفعلي ومعنويات الأسر هو جوهر المعضلة الحالية. المصانع تعمل والطلبيات تتدفق، لكن المواطن الذي يقف أمام رفوف المتجر وفاتورة الوقود لا يصدق أن الاقتصاد بخير. جزء من التفسير أن مكاسب النمو الحالي موزعة بشكل غير متساو، وأن قطاعات كثيفة الاستفادة من الإنفاق الحكومي والعسكري والطاقة تنتعش، بينما الأسر ذات الدخل الثابت والمحدود تدفع فاتورة التضخم المتراكم منذ سنوات الحرب والجائحة دون أن تجد تعويضا موازيا في دخولها.

الأسواق تترقب الفيدرالي.. الذهب يتراجع والعائد قرب 5%

الأسواق المالية قرأت بيانات الجمعة بحذر واضح في منتصف تعاملات اليوم. فقد تراجع سعر الذهب بنحو 0.6%، تحت ضغط بقاء عوائد السندات مرتفعة وتوقعات بأن الفيدرالي لن يتعجل خفض الفائدة في اجتماعه المقبل. وبلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات نحو 4.99%، أي على حافة مستوى 5% النفسي الذي يعيد تسعير كل الأصول في العالم، من الأسهم إلى عملات الأسواق الناشئة.

في أسواق الطاقة، استقر خام برنت فوق مستوى 110 دولارات للبرميل، وهو مستوى يعكس استمرار علاوة المخاطر المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط وإمدادات الطاقة العالمية. بقاء النفط فوق هذا المستوى يعني أن صدمة الأسعار التي ضربت ثقة المستهلك في مايو لم تتبدد، وأن أي تهدئة في التضخم تظل هشة وقابلة للانقلاب مع أول تصعيد جديد.

اجتماع الفيدرالي في 28 أكتوبر يأتي إذن وسط معادلة شبه مستحيلة. خفض الفائدة قد يدعم الأسر المثقلة ويمنح الأسواق متنفسا، لكنه يخاطر بتثبيت توقعات تضخم عند 4.7% لسنة مقبلة، وهو ما لا يستطيع أي بنك مركزي قبوله. وتثبيت الفائدة أو تشديد اللهجة يحمي مصداقية مكافحة التضخم، لكنه يبقي تكلفة الاقتراض خانقة على الأسر والشركات الصغيرة، ويزيد الضغط السياسي قبل أسبوع واحد من الانتخابات.

تحليل الفلوس

الإشارة المنقسمة التي أرسلها الاقتصاد الأمريكي يوم الجمعة هي أخطر أنواع الإشارات التي يمكن أن تصل إلى بنك مركزي. فعندما تكون المصانع في أقوى حالاتها منذ 2022 والمؤشر المركب عند 57.6 نقطة، لا توجد حجة تقليدية لخفض الفائدة بدعوى إنقاذ النمو. وعندما تكون ثقة الأسر عند ثاني أدنى مستوى في التاريخ وتوقعات التضخم عند 4.7%، لا توجد حجة مريحة للإبقاء على التشديد أيضا، لأن التشديد نفسه صار جزءا من أزمة القدرة الشرائية التي تشكو منها الأسر. الفيدرالي في 28 أكتوبر سيختار على الأرجح حماية جبهة التضخم أولا، لأن فقدان السيطرة على التوقعات عند 3.5% لخمس سنوات هو الخطر الذي لا يمكن إصلاحه لاحقا بسهولة، بينما ضعف الثقة يمكن علاجه إذا انكسرت الأسعار فعلا.

بالنسبة للذهب والدولار، المعنى المباشر هو أن التراجع الحالي في الذهب بنسبة 0.6% مع عائد عند 4.99% لا يعني نهاية قصة المعدن الأصفر، بل يعني أن السوق يعيد التسعير على أساس فائدة مرتفعة لفترة أطول. الدولار سيبقى مدعوما بهذه العوائد ما دام الفيدرالي مترددا، وأي خفض مفاجئ أو لهجة لينة يوم الأربعاء المقبل سيقلب المعادلة في ساعات: دولار أضعف، وعائد أقل، وذهب يعود للصعود بسرعة. أما إذا جاء القرار متشددا، فالضغط على عملات الأسواق الناشئة سيشتد أكثر.

وهنا تصل الفاتورة إلى مصر مباشرة. فالدولار في السوق المصرية تجاوز بالفعل مستوى 55 جنيها، وكل نقطة إضافية في قوة الدولار عالميا وكل أسبوع إضافي يبقى فيه برنت فوق 110 دولارات يترجم في القاهرة إلى تضخم مستورد أعلى في الوقود والغذاء والسلع الوسيطة، وضغط متجدد على الجنيه وعلى فاتورة الدعم. المصري الذي يتابع اجتماع الفيدرالي يوم 28 أكتوبر لا يتابع خبرا أجنبيا بعيدا عنه، بل يتابع قرارا سيظهر أثره خلال أسابيع في سعر الدولار أمام محلات الصرافة، وفي أسعار الذهب في محال الصاغة، وفي ما سيدفعه ثمنا لاحتياجاته الأساسية. لهذا ستبقى عيون الأسواق الناشئة، ومصر في مقدمتها، معلقة بواشنطن حتى صدور القرار.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img