خطوة غير مسبوقة في إدارة المالية العامة: كشفت نشرة «إنتربرايز» الصباحية اليوم الأحد 4 أكتوبر 2026 أن وزارة المالية بدأت دراسة إصدار سندات الكوارث لأول مرة في تاريخ مصر، في تحرك يستهدف نقل المخاطر المالية للكوارث الطبيعية من الموازنة العامة للدولة إلى أسواق التأمين ورأس المال العالمية. الفكرة الجوهرية بسيطة رغم اسمها المعقد: بدلًا من أن تتحمل الخزانة العامة وحدها فاتورة أي كارثة طبيعية كبرى، تتحول هذه المخاطرة إلى ورقة مالية يشتريها المستثمرون، فإذا وقعت الكارثة خسر المستثمرون جزءًا من أموالهم أو كلها لصالح الدولة، وإذا لم تقع حصلوا على عائد سنوي مجزٍ.
الأرقام التي بنيت عليها الدراسة، بحسب ما نقلته «إنتربرايز»، تكشف حجم الرهان: كارثة من النوع الذي يُقدَّر وقوعه مرة كل مئة عام قد تكلف مصر ما يصل إلى 1.85 مليار دولار دفعة واحدة، في وقت قد ينكمش فيه الاحتياطي المخصص لمواجهة الطوارئ إلى نحو 18 مليار جنيه فقط — أي ما يعادل قرابة 345 مليون دولار — بنهاية العام الحالي. الفجوة بين الخطر المحتمل والمخزون المالي المتاح هي الدافع المباشر وراء البحث عن أداة تمويلية جديدة.
وتضيف النشرة أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية (IFC) يجلسون جميعًا مع الوزارة على الطاولة نفسها للمساعدة في تصميم الاستراتيجية، ما يشير إلى أن الملف يُدار بجدية مؤسسية كاملة وليس مجرد فكرة على هامش الاجتماعات.
ما هي سندات الكوارث؟
سندات الكوارث — وتُعرف أيضًا بالأوراق المالية المرتبطة بالتأمين — هي أدوات مالية تصدرها عادةً شركة ذات غرض خاص تعمل كوسيط، فيشتريها المستثمرون مثل أي سند آخر، لكن بشروط مختلفة تمامًا عن السندات التقليدية. المستثمر يحصل على عائد سنوي (كوبون) أعلى من المعتاد لأن هذا العائد جزء من التعويض عن مخاطرة استثنائية. في المقابل، إذا وقعت الكارثة المحددة في شروط الإصدار — زلزال بقوة معينة، أو إعصار يمر بمنطقة جغرافية محددة بشدة محددة — يُستخدم أصل المبلغ، كله أو بعضه، لتغطية خسائر الجهة المصدرة، أي الحكومة في هذه الحالة.
وإذا مرت مدة السند دون وقوع الكارثة، استرد المستثمر أصل ماله كاملًا وحصل على العائد طوال المدة. المعادلة هنا مختلفة عن سندات الخزانة المعتادة: الحكومة لا تقترض لتسدد لاحقًا، بل تشتري «حماية مالية» مسبقة الدفع، والمستثمرون هم من يتحملون الخسارة إذا تحقق الخطر. لهذا السبب تُستخدم هذه السندات عادةً بمحفزات «بارامترية»، أي شروط موضوعية قابلة للقياس آليًا — مثل قراءة المركز الجيولوجي الأمريكي لقوة الزلزال، أو قياس الضغط المركزي للإعصار ومساره — حتى لا يكون الصرف محل نزاع بعد الكارثة.
أقرب مثال حي على الآلية يجري الآن في المكسيك: سند الكوارث المكسيكي البالغة قيمته 175 مليون دولار — الذي رتبه البنك الدولي — صُمم بحيث يُفعَّل فقط إذا مر إعصار محدد فوق منطقة بعينها من سواحل المحيط الهادئ وانخفض ضغطه المركزي دون حد معين. وخلال الأيام الأخيرة من سبتمبر 2026 كان حاملو السند يراقبون الإعصار «بولو» الذي بلغت سرعة رياحه نحو 180 ميلًا في الساعة، لأن مروره بالمنطقة المحددة بالشدة المطلوبة كان سيعني تحويل أموالهم إلى الحكومة المكسيكية. هذه هي الفكرة بالضبط التي تدرسها مصر الآن.
ومن منظور المستثمر، تظل هذه السندات جذابة رغم المخاطرة: عادةً ما تفوق هوامش عوائدها عوائد السندات عالية المخاطر الأمريكية — خاصة منذ 2022 بحسب تقييمات «موديز» — كما أن خسائرها لا ترتبط بالدورة الاقتصادية أو بأداء أسواق الأسهم، لأن الزلزال أو الإعصار لا يتأثر بأخبار الفائدة والتضخم. هذه الخاصية تحديدًا هي ما يجعل صناديق التقاعد والمؤسسات الاستثمارية الكبرى تشتريها.
لماذا تدرس وزارة المالية سندات الكوارث الآن؟
التوقيت ليس عشوائيًا. مصر تعيش مرحلة إعادة هيكلة مالية عميقة تحت مظلة برنامج صندوق النقد الدولي، وقد أشار الصندوق في تقييماته الأخيرة إلى أن الاحتياجات التمويلية العامة لمصر تصل إلى نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي في الأجل القريب، مع استمرار انكشاف البنوك الكبير على الدين الحكومي. وفي هذا السياق، أي صدمة مالية مفاجئة — مثل فاتورة كارثة طبيعية بمليارات الدولارات — قد تعني استدانة طارئة بأسعار فائدة مرتفعة أو ضغطًا جديدًا على الموازنة.
وفي المقابل، تحسنت الصورة الائتمانية لمصر بشكل ملحوظ خلال 2026: انخفضت علاوة المخاطر السيادية إلى أدنى مستوياتها منذ 2014، وأصدرت الحكومة أول سندات يورو اجتماعية بقيمة مليار دولار في مايو الماضي، تلاها سندات «ساموراي» بقيمة 500 مليون دولار في يونيو، ثم وافق مجلس الوزراء في سبتمبر على إطار لإصدار سندات دولية تصل إلى 3 مليارات دولار خلال السنة المالية 2026/2027، وفق ما نقلته «زاوية» عن رويترز. هذا المناخ الإيجابي يجعل الوقت مناسبًا لتجربة أدوات مبتكرة كانت تبدو بعيدة المنال قبل سنوات.
ثم إن الفكرة ليست وليدة اليوم في مصر: هيئة الرقابة المالية وضعت الأوراق المالية المرتبطة بالتأمين ضمن خطتها الاستراتيجية منذ 2022، وأعد الاتحاد المصري للتأمين خلال 2025 دراسة شاملة عن سندات الكوارث الطبيعية وآليات عملها والقيمة المضافة التي يمكن أن تحققها لقطاع التأمين المصري، مؤكدًا أن الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في إصدار هذه السندات وتداولها «خطوة ملحة وضرورية لفتح آفاق جديدة أمام السوق المصرية». ما يحدث اليوم هو انتقال الفكرة من أروقة قطاع التأمين إلى قلب وزارة المالية نفسها.
ماذا تعني أرقام 1.85 مليار دولار و18 مليار جنيه؟
الرقم الأول — 1.85 مليار دولار — يمثل تقديرًا نموذجيًا لأسوأ سيناريو معقول: كارثة باحتمالية وقوع 1% سنويًا (مرة كل قرن)، تشمل تكاليف الإغاثة العاجلة وإعادة الإعمار وتعطل النشاط الاقتصادي. هذا الرقم يفوق بأكثر من خمسة أضعاف ما قد يتبقى في الاحتياطي الطارئ بنهاية العام.
أما الرقم الثاني — 18 مليار جنيه (نحو 345 مليون دولار) — فهو التقدير المتوقع لرصيد الاحتياطي المخصص للطوارئ مع نهاية 2026. بعبارة أخرى: لو وقعت الكارثة الكبرى غدًا، لكان ما في جيب الدولة الطارئ يغطي أقل من خُمس الفاتورة، والباقي سيُستدان أو يُقتطع من بنود أخرى في الموازنة. سندات الكوارث مصممة لسد هذه الفجوة بالضبط: توفير سيولة فورية وقت الكارثة دون انتظار قروض طارئة أو مساعدات دولية.
وللتوضيح، هذه الأرقام تقديرات تحليلية نُقلت عن نشرة «إنتربرايز» صباح اليوم، وليست أرقامًا رسمية صادرة عن الوزارة نفسها، التي ما زالت في مرحلة الدراسة.
تجارب عالمية: كيف أنقذت سندات الكوارث المكسيك وجامايكا؟
مصر لن تكون أول دولة تخوض هذه التجربة؛ الطريق معبَّد بسوابق موثقة. المكسيك كانت الرائدة عالميًا: أصدرت أول سند كوارث سيادي في مايو 2006 بقيمة 160 مليون دولار ضد الزلازل، ثم كررت التجربة مرارًا — 290 مليون دولار في 2009، و315 مليونًا في 2012، و360 مليونًا في 2017، و485 مليونًا في 2020 ضد الزلازل والأعاصير، ثم 420 مليون دولار في أبريل 2024 و175 مليونًا في مايو 2024. كل هذه الإصدارات رتبها البنك الدولي أو شارك في ترتيبها.
جامايكا قدمت الدرس الأكثر إقناعًا: أصدرت سند كوارث بقيمة 150 مليون دولار في 2024 ضد الأعاصير، وعندما ضرب الإعصار «ميليسا» البلاد في أكتوبر 2025 — وهو أول إعصار من الفئة الخامسة يصل إلى اليابسة في جامايكا منذ بدء التسجيل في 1851 — تحقق شرط التفعيل بالكامل، فحصلت الحكومة الجامايكية على 150 مليون دولار كاملة وبشكل فوري لدعم الإغاثة وإعادة الإعمار، دون مفاوضات أو انتظار. وبعدها بأشهر عادت جامايكا إلى السوق وأصدرت سندًا بديلًا بالقيمة نفسها في 2026.
تشيلي أصدرت سندًا بقيمة 500 مليون دولار ضد الزلازل في فبراير 2018 ثم 350 مليونًا في مارس 2023، والفلبين أصدرت 225 مليون دولار في نوفمبر 2019 ضد الزلازل والأعاصير المدارية، وكولومبيا 400 مليون وبيرو 200 مليون في 2018. وبحسب بيانات «أرتيميس» المتخصصة، سهّل البنك الدولي إصدارات سندات كوارث تتجاوز قيمتها 4.8 مليار دولار لصالح دول أعضاء.
والسوق نفسها في أوج نشاطها: بلغ حجم سندات الكوارث القائمة نحو 65.6 مليار دولار بنهاية يونيو 2026 وفق تقرير «أرتيميس» للربع الثاني، بعد إصدارات قياسية بلغت قرابة 18 مليار دولار في النصف الأول من 2026 وحده، و25.6 مليار دولار في كامل 2025. بمعنى آخر، مصر تدرس الدخول إلى سوق ناضجة وذات شهية استثمارية قوية، لا تجربة هامشية.
ماذا سيحدث بعد؟ وماذا يعني ذلك للمواطن؟
المرحلة الحالية هي مرحلة الدراسة والتصميم بمشاركة صندوق النقد والبنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية، ولم يُعلن بعد عن حجم الإصدار المستهدف أو المخاطر التي سيغطيها أو الجدول الزمني. لكن المنطق الاقتصادي واضح: كل جنيه يُنفق اليوم على تصميم هذه الأداة قد يوفر على الموازنة مليارات الجنيهات غدًا إذا وقعت كارثة كبرى، ويجنب الدولة الاضطرار إلى الاستدانة الطارئة بأسعار مرتفعة أو فرض أعباء مالية جديدة على المواطنين لتغطية فاتورة الكارثة.
وبعيدًا عن الموازنة، يرى الاتحاد المصري للتأمين أن دخول مصر هذا السوق قد يفتح قناة جديدة أمام سوق التأمين وإعادة التأمين المحلية للوصول إلى رؤوس الأموال العالمية، وهو ما يعزز عمق السوق المالية المصرية ككل. التفاصيل ستتضح مع تقدم الدراسة، و«الفلوس» سيتابع الملف أولًا بأول.







