الفيدرالي الأمريكي يتروى قبل رفع الفائدة.. ورهانات أكتوبر تنهار

Published:

واشنطن – الفلوس: يبدو أن الفيدرالي الأمريكي قرر رفع قدمه عن دواسة البنزين. بعد أسابيع من الرهانات المتصاعدة في وول ستريت على رفع جديد لأسعار الفائدة في اجتماع 27 و28 أكتوبر الجاري، جاء تقرير الوظائف الأمريكي الصادر الجمعة 2 أكتوبر 2026 ليعيد خلط الأوراق: الاقتصاد الأمريكي أضاف 29 ألف وظيفة فقط خلال سبتمبر، أي أقل من ثلث التوقعات التي كانت تدور حول 90 ألفًا وفق استطلاع رويترز، بينما ارتفع معدل البطالة إلى 4.2% صعودًا من 4.1% في أغسطس.

الرقم لم يأتِ وحده. قبله بأيام، خرج اثنان من أقوى أصوات الاحتياطي الفيدرالي برسالة شبه موحدة: التريث. رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز قال يوم 29 سبتمبر الماضي إنه «لا حاجة للاستعجال.. لدينا وقت لجمع المزيد من المعلومات»، وأكملها نائب رئيس الفيدرالي فيليب جيفرسون في الأول من أكتوبر بأن أي تحرك مستقبلي في السياسة النقدية سيحتاج وقتًا أطول لتقييم البيانات. النتيجة في الأسواق كانت مباشرة: احتمالات رفع الفائدة في أكتوبر، التي كانت تحوم حول 70% قبل تصريحات ويليامز، انهارت إلى أقل من 20% بعد صدور تقرير الوظائف.

تقرير الوظائف: سوق العمل يفقد زخمه

بيانات وزارة العمل الأمريكية الصادرة الجمعة حملت أكثر من مجرد رقم رئيسي مخيب. فقد رُوجعت بيانات أغسطس نزولًا، بينما ارتفع معدل البطالة للشهر الثاني على التوالي، وظل متوسط الأجر بالساعة عند 37.81 دولار بارتفاع سنوي 3% فقط. رئيسة بنك كليفلاند للاحتياطي الفيدرالي بيث هاماك وصفت التقرير بأنه متسق مع الاتجاه العام لسوق العمل، مشيرة إلى أن متوسط التوظيف الشهري خلال الاثني عشر شهرًا الماضية بلغ 41 ألف وظيفة، وهو قريب من مستوى التعادل الذي يقدَّر بنحو 36 ألف وظيفة شهريًا، أي أن سوق العمل مستقر لكنه يعمل بوتيرة أبطأ بكثير مما اعتادته واشنطن.

المشكلة الأعمق، كما يراها الاقتصاديون، أن تقرير يوليو الماضي نفسه عُدِّل نزولًا من إضافة 21 ألف وظيفة إلى فقدان 10 آلاف وظيفة، وأن أغسطس خُفِّض من 162 ألفًا إلى 133 ألفًا. سلسلة المراجعات هذه تعني أن الصورة الحقيقية لسوق العمل الأمريكي أضعف مما كانت تبدو عليه الأرقام الأولية، وهو ما يمنح صناع السياسة في الفيدرالي الأمريكي ذريعة إضافية للتأني قبل رفع جديد قد يفاقم التباطؤ.

ويليامز وجيفرسون: «لا استعجال» بلغة واضحة

تصريحات ويليامز في 29 سبتمبر كانت النقطة الفاصلة في أسبوع حافل. الرجل الذي يحمل صوتًا دائمًا في لجنة السوق المفتوحة قال صراحة إن «رفعًا إضافيًا واحدًا لنطاق الفائدة المستهدف قد يكون مناسبًا في وقت لاحق من هذا العام»، لكنه أضاف في الجملة نفسها أنه «لا حاجة للاستعجال» بعد قرار سبتمبر، وأن أمام اللجنة «وقتًا لجمع المزيد من المعلومات». محللون في «إيفركور آي إس آي» اعتبروا أن ويليامز «رفض بشكل لا لبس فيه» فكرة رفعين متتاليين في سبتمبر وأكتوبر، وقرأوا موقفه على أنه الأقرب لتخطي أكتوبر والانتظار حتى ديسمبر.

وفي الأول من أكتوبر، جاء فيليب جيفرسون ليؤكد الاتجاه نفسه بلغة أكثر حذرًا. نائب رئيس الفيدرالي قال إن التضخم «مرتفع جدًا وتجاوز هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% لأكثر من خمس سنوات»، لكنه شدد على أن «أي تعديلات مستقبلية في السياسة يجب أن تتحدد بفحص دقيق لاتجاهات البيانات والتوقعات المتطورة وتوازن المخاطر»، مضيفًا أن زملاءه «سيحتاجون إلى التوصل إلى حكمهم الخاص، وقد يستغرق ذلك مزيدًا من الوقت». رسالة مزدوجة واضحة: القلق من التضخم قائم، لكن الاستعجال ممنوع.

التضخم يتراجع.. لكن الطريق إلى 2% ما زال طويلًا

البيانات التي تدعم معسكر التريث لم تتوقف عند سوق العمل. مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر أغسطس – المقياس المفضل لدى الفيدرالي – جاء أهدأ من التوقعات: المؤشر الرئيسي سجل 3.4% سنويًا دون التوقعات البالغة 3.7%، بينما سجل المؤشر الأساسي (باستبعاد الغذاء والطاقة) 3% سنويًا و0.2% شهريًا، وهما أيضًا دون التوقعات. جيفرسون نفسه أقر بأن تضخم أغسطس كان مدفوعًا بأسعار الطاقة، وأن بطالة أغسطس عند 4.1% كانت قريبة من التوظيف الكامل – قبل أن يكشف تقرير سبتمبر عن ارتفاعها.

ورغم ذلك، لا أحد داخل الفيدرالي يتحدث عن انتصار على التضخم. ويليامز وصف مستوى 3.4% أو 3.7% بأنه «مرتفع بلا شك»، والجميع ينتظر المحطة التالية: مؤشر أسعار المستهلكين لشهر سبتمبر المقرر صدوره في 14 أكتوبر، أي قبل الاجتماع بأسبوعين، وهو الرقم الذي قد يحسم الجدل نهائيًا بين معسكري التثبيت والرفع.

الأسواق تعيد التسعير: أكتوبر خارج الحسابات

عقود الفائدة الآجلة – المقياس الذي يترجم توقعات المتعاملين إلى أرقام – رسمت التحول بدقة. احتمالية رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر، التي بلغت نحو 70% في الأسبوع السابق لتصريحات ويليامز، هبطت إلى أقل من 20% بعد تقرير الوظائف، أي أن السوق باتت تراهن على التثبيت. أما رهانات ديسمبر فما زالت قائمة بقوة، إذ تُسعِّر العقود احتمالية تقارب 90% لرفع في اجتماع ديسمبر، ما يجعل نهاية العام هي الموعد المرجح للخطوة التالية إن جاءت البيانات مؤيدة.

المفارقة أن عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات واصلت الارتفاع رغم تراجع توقعات الرفع، لتبلغ 5.28% – أعلى مستوياتها هذا العام – في إشارة إلى أن الأسواق تقلق من مخاطر التضخم على المدى الطويل بغض النظر عن قرار أكتوبر. وفي وول ستريت، أنهت المؤشرات الأسبوع على تباين: مؤشر ستاندرد آند بورز 500 تراجع 0.3% وداو جونز 1.3%، بينما صعد ناسداك 0.5% بدعم من أسهم التكنولوجيا. وكان الفيدرالي قد رفع الفائدة ربع نقطة في 16 سبتمبر الماضي إلى نطاق 3.75–4%، في أول رفع منذ ثلاث سنوات وأول تحرك تحت رئاسة كيفن وارش.

وماذا يعني تريث الفيدرالي لمصر؟

الخبر الجيد للقاهرة أن أي تأجيل لرفع الفائدة الأمريكية يخفف الضغط عن الدولار عالميًا، وهو ما يمنح الجنيه المصري أنفاسًا أهدأ في سوق الصرف. فكلما تراجعت توقعات التشديد النقدي في واشنطن، قلَّت جاذبية الدولار كملاذ، وخفَّ الضغط على عملات الأسواق الناشئة ومنها الجنيه، الذي استقر اليوم أمام الدولار مع عودة البنوك للعمل بعد عطلة نهاية الأسبوع، بحسب متابعة «الفلوس» اليومية لسعر الصرف. ويمكن متابعة آخر تحديثات سعر الدولار في مصر أولًا بأول عبر تغطية الفلوس اليومية لسعر الدولار مقابل الجنيه.

الزاوية الثانية تخص «الأموال الساخنة». أذون الخزانة المصرية ما زالت من بين الأعلى عائدًا في الأسواق الناشئة، وتراجع احتمالات رفع الفائدة الأمريكية يجعل الفارق بين العائد المصري والأمريكي أكثر إغراءً للمستثمرين الأجانب، ما يدعم استمرار تدفقاتهم إلى أدوات الدين المصرية ويخفف الضغط على احتياطي النقد الأجنبي. أما الزاوية الثالثة فهي الذهب: المعدن الأصفر يتنفس عادة عندما تتراجع توقعات رفع الفائدة الأمريكية، لأن ارتفاع الفائدة يرفع تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائدًا. ومع استقرار عيار 21 في مصر اليوم عند 6125 جنيهًا للجرام، فإن أي ضعف إضافي للدولار عالميًا قد يدعم أسعار الذهب محليًا وعالميًا، بعد أسبوع صعب خسر فيه المعدن 3.7% وسط صعود عوائد السندات الأمريكية، كما رصدت «الفلوس» في تقريرها عن أداء الذهب الأسبوعي.

يبقى أن القرار النهائي بيد لجنة السوق المفتوحة في 27 و28 أكتوبر، وبين يديها قبلها رقم التضخم في 14 أكتوبر. لكن الرسالة التي خرجت من واشنطن هذا الأسبوع واضحة بما يكفي: الفيدرالي الأمريكي ليس في عجلة من أمره، وأكتوبر – على الأرجح – سيمر دون مفاجآت.

المصادر: رويترز (تقرير الوظائف الأمريكية وتصريحات مسؤولي الفيدرالي)، بيانات وزارة العمل الأمريكية ومكتب التحليل الاقتصادي، مؤشر CME FedWatch.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img