البنك الدولي: صدمة هرمز تُدخل اقتصادات الشرق الأوسط في انكماش 2.1% خلال 2026.. أين تقف مصر؟

Published:

أصدر البنك الدولي، الثلاثاء 6 أكتوبر 2026، تقريره الجديد للمستجدات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تحت عنوان “سد الفجوات واغتنام الفرص: الذكاء الاصطناعي والوظائف والنمو”، وفيه رسالة صادمة باختصار: صدمة إغلاق مضيق هرمز لم تعد مجرد ضغط على الأسعار، بل تحولت إلى ضربة مباشرة للإنتاج والتصدير، دفعت البنك إلى توقع انكماش الناتج الإجمالي للمنطقة بنسبة 2.1% في 2026، مقابل نمو بلغ 3.3% في 2025.

وجاءت أبرز أرقام التقرير في مقابلة نشرتها قناة CNBC عربية مع رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالبنك الدولي، وفيها شرحت كيف تختلف هذه الصدمة عن كل صدمات الطاقة السابقة، ولماذا تدفع دول الخليج المصدرة للنفط هذه المرة الثمن الأكبر.

صدمة هرمز.. هذه المرة ليست صدمة أسعار

يقول البنك الدولي إن الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع في 28 فبراير الماضي، أدى إلى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة أكثر من خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. والنتيجة: تراجعت حركة ناقلات النفط بأكثر من النصف، وانخفض إنتاج المنطقة من النفط من نحو 26 مليون برميل يوميًا قبل الصراع إلى قرابة 16 مليون برميل يوميًا في مارس 2026.

وهنا المفارقة التي يركز عليها التقرير: على عكس صدمات الطاقة السابقة التي كانت ترفع الأسعار وتعود بالنفع عادة على البلدان المصدرة للنفط، فإن أزمة 2026 ليست أزمة أسعار أصلًا — المشكلة هذه المرة في القدرة على الإنتاج والتصدير ذاتها. الدولة التي لا تستطيع تصدير نفطها لا تستفيد من ارتفاع سعره.

ويمتد أثر الأزمة، بحسب البنك، إلى ما هو أبعد من قطاع الطاقة: انتكاسات في السياحة والطيران والخدمات اللوجستية، وحالة عدم يقين متزايدة تلقي بظلالها على الأسواق المالية وثقة منشآت الأعمال في المنطقة بأكملها.

بالأرقام: ماذا قال البنك الدولي؟

تقرير البنك الدولي رسم خريطة الفائزين والخاسرين من صدمة هرمز بلا تجميل:

الخاسرون الأكبر: الدول النامية المصدرة للنفط المتضررة من إغلاق المضيق، إذ يتوقع البنك انكماش اقتصاداتها بنحو 5.4% في 2026، بعد أن خسرت حجم صادراتها بشكل مباشر، ومن ثم خسرت الناتج والإيرادات الحكومية معًا. وتنكمش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 4.3% في المتوسط.

الصامدون: الدول النامية المستوردة للنفط أظهرت قدرًا لافتًا من الصمود، إذ يتوقع البنك ارتفاع معدل نموها إلى 4.3% في 2026، مقابل 3.9% في 2025 — أي أنها تنمو رغم العاصفة، لأنها لا تعتمد على تصدير الطاقة، ولأن تراجع الأسعار النسبي للواردات يصب في صالحها جزئيًا.

الفاتورة الاجتماعية: يحذر التقرير من تصاعد الضغوط التضخمية في معظم أنحاء المنطقة، خصوصًا عبر ارتفاع أسعار المواد الغذائية، إذ يؤدي تعطل حركة الشحن إلى زيادة تكاليف الاستيراد وضغوط إضافية على سلاسل الإمداد. كما يشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان هي المنطقة الوحيدة عالميًا التي ارتفعت فيها مستويات الفقر خلال العقد الماضي، وأن تداعيات الأزمة تزيد من مواطن الضعف في الاقتصادات الهشة المتأثرة بالصراعات.

أين تقف مصر؟

مصر، كدولة مستوردة للنفط، تقف في معسكر “الصامدين” بحسب تصنيف البنك الدولي. ويتوقع التقرير نمو الاقتصاد المصري بنسبة 5.1% في 2026، وبنسبة 4.3% في 2027 — وهو معدل يطابق تمامًا متوسط نمو الدول النامية المستوردة للنفط في المنطقة، ويضع مصر في موقع أفضل كثيرًا من جيرانها المصدرين للنفط الذين يتكبدون انكماشًا حادًا.

لكن الصمود لا يعني الحصانة. التقرير نفسه يحذر من أن ارتفاع تكاليف الشحن والاستيراد يضغط على أسعار الغذاء في المنطقة كلها، وهو ما يمس المواطن المصري مباشرة في فاتورة الاستهلاك. كما أن استمرار أسعار النفط العالمية فوق مستوى 100 دولار للبرميل — برنت عاد فوق 102 دولار مع تجدد التوترات حول هرمز — يبقي فاتورة الاستيراد المصرية للوقود تحت الضغط، ويفرض تحديًا إضافيًا على الموازنة العامة.

وبينما تتوقع البنوك والمؤسسات استمرار النمو المصري فوق 5% خلال العام الحالي، يبقى المسار مشروطًا باستمرار تدفقات النقد الأجنبي — من السياحة وتحويلات المصريين بالخارج وقناة السويس — التي تتأثر بدورها بحالة التوتر الإقليمي، كما أوضح التقرير.

2027: تعافٍ قوي لكنه مشروط

يقدم البنك الدولي سيناريو متفائلًا لكنه مشروط بشرط واحد: أن تهدأ الأزمة بنهاية 2026. في هذه الحالة، يتوقع التقرير قفزة في نمو المنطقة إلى 7.8% في 2027، مدفوعة إلى حد كبير بعودة إنتاج النفط والغاز وصادرات الطاقة بعد صدمة هرمز — وليس بتحول حقيقي في الإنتاجية الاقتصادية، كما يعترف التقرير نفسه.

الأرقام المتوقعة لعام 2027 تكشف حجم الارتداد المنتظر: قطر بنمو يصل إلى 26.7% مع استئناف إنتاج الغاز الطبيعي المسال، والكويت 22% مع عودة صادرات النفط إلى مستوياتها الطبيعية، ليرتفع متوسط نمو اقتصادات مجلس التعاون الخليجي إلى 10.3%. أما المغرب فيُتوقع له نمو 4%، والأردن 2.9%، وتونس 2.2%، وجيبوتي 6%، وباكستان 3.8%، وأفغانستان 3.3%.

لكن البنك يحذر من أن التعافي المرتقب لا يعني بالضرورة تحولًا مستدامًا في مسار النمو، لأن الجزء الأكبر من الارتفاع يعود إلى استعادة القدرات الإنتاجية المفقودة، وليس إلى زيادة مماثلة في الإنتاجية — وهو تحذير مبطن من أن المنطقة ستعود إلى نقطة الصفر الهيكلية نفسها ما لم تستثمر في التنويع.

الذكاء الاصطناعي: رهان البنك على المدى الطويل

في عنوان تقريره نفسه، يضع البنك الدولي الذكاء الاصطناعي كفرصة أطول أجلًا لتنويع اقتصادات المنطقة وزيادة الإنتاجية، إذ يشير إلى أنه قد يساعد في رفع إنتاجية ما يصل إلى 20% من الوظائف في المنطقة — بشرط أن تنجح الدول في معالجة فجوات البنية التحتية والمهارات والبيانات.

وهو رهان منطقي: دول المنطقة التي تعتمد على الريع النفطي تجد نفسها اليوم رهينة مضيق واحد، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي والمهارات قد يكون الطريق الأطول لكنه الأكثر أمانًا للخروج من هذه المعادلة.

تحليل الفلوس

تقرير البنك الدولي يحمل خبرين لمصر في آن واحد، وكلاهما يستحق أن يُقرأ بعناية. الخبر الأول إيجابي: مصر ضمن الدول المستوردة للنفط التي يراها البنك أكثر صمودًا، بنمو متوقع 5.1% هذا العام — وهو تأكيد جديد على أن تنويع مصادر الدخل (السياحة، التحويلات، الصناعة، قناة السويس) يحمي الاقتصاد المصري من الصدمات التي تضرب الجيران المصدرين للنفط في مقتل. عندما تنكمش اقتصادات الخليج 4.3% ومصر تنمو 5.1%، فهذه ليست صدفة، بل نتيجة هيكلية.

الخبر الثاني تحذيري: صمود النمو لا يلغي فاتورة الأسعار. ارتفاع تكاليف الشحن العالمي وضغوط أسعار الغذاء — وهي النقطة التي شدد عليها البنك — تصل إلى المواطن المصري في صورة تضخم مستورد، حتى لو ظلت معدلات النمو الكلية سليمة. ومع استمرار برنت فوق 100 دولار، تبقى فاتورة استيراد الوقود واحدة من أكبر التحديات أمام الموازنة والجنيه في الشهور المقبلة.

ما الذي يجب مراقبته إذن؟ أولًا: مسار الأزمة في هرمز قبل نهاية 2026، لأن سيناريو التعافي الكامل (7.8% للمنطقة) مشروط بهدوتها. ثانيًا: أسعار الشحن العالمية وأسعار الغذاء، فهي القناة الأسرع التي تصل بها الأزمة إلى جيب المواطن. ثالثًا: تدفقات النقد الأجنبي إلى مصر، التي تظل خط الدفاع الأول عن استقرار الجنيه في ظل هذه العاصفة الإقليمية. الخلاصة: مصر ليست في قلب العاصفة، لكنها بالتأكيد تحت سحابتها.

المصادر: تقرير البنك الدولي “المستجدات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” (أكتوبر 2026)، عبر تغطية جريدة حابي وبانكر نيوز؛ ومقابلة CNBC عربية مع رئيسة الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالبنك الدولي: https://www.youtube.com/watch?v=BlNy_DCPgUs. للمزيد عن تداعيات أزمة الطاقة على الأسعار: أسعار النفط فوق 102 دولار.. ماذا يعني ذلك لمصر؟.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img