دخل برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي مراحله الأخيرة؛ فقد أعلن الصندوق في الأول من أكتوبر الجاري أن المراجعة الثامنة والأخيرة لتسهيل الصندوق الممدد مع مصر، إلى جانب المراجعة الثالثة لتسهيل الصلابة والاستدامة، من المقرر استكمالهما خلال الربع الرابع من عام 2026، بما قد يتيح للقاهرة الحصول على نحو 2.3 مليار دولار قبل إغلاق الاتفاق نهائيًا في 15 ديسمبر المقبل. وبذلك تدخل مصر الشهرين الحاسمين في أطول وأهم برنامج تمويل مع الصندوق في تاريخها، وسط إشادة من المؤسسات الدولية بما تحقق، وتشديد متكرر من الصندوق على أن الملف الأكبر الذي لا يزال عالقًا هو تسريع التخارج من أصول الدولة.
صندوق النقد يعلن جدول المراجعة الأخيرة لبرنامج مصر
قالت جولي كوزاك، مديرة إدارة الاتصالات في صندوق النقد الدولي، خلال المؤتمر الصحفي الدوري في الأول من أكتوبر 2026، إن الصندوق يتوقع إنجاز المراجعتين خلال الربع الأخير من العام الحالي، موضحة أن موعد إيفاد البعثة الفعلية لم يُحدد بعد وسيتم الإعلان عنه فور الاتفاق عليه مع السلطات المصرية.
ومن جانبها، قالت كريستالينا جيورجييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، إن منتصف ديسمبر هو الموعد المحدد لاستكمال المراجعة النهائية لبرنامج مصر، مشيرة إلى أن الصندوق يعتزم إرسال بعثته في موعد يتوافق مع هذا الجدول، بما يسمح بعرض نتائج المراجعة على المجلس التنفيذي في الوقت المناسب. وأكدت جيورجييفا أن القرارات المتعلقة بالهيكل الاقتصادي تبقى من الحقوق السيادية لمصر، وأن الصندوق يدعم توسيع المساحة المتاحة للقطاع الخاص باعتباره أكثر قدرة على التكيف مع الصدمات وتعزيز مرونة الاقتصاد.
ويستمر اتفاق تسهيل الصندوق الممدد منذ 16 ديسمبر 2022 لمدة 46 شهرًا تنتهي في 15 ديسمبر 2026، وهو الاتفاق الذي بدأ بقيمة 3 مليارات دولار ثم توسع إلى 8 مليارات دولار في مارس 2024، ضمن حزمة دعم دولية واسعة جاءت بعد قرار تحرير سعر الصرف ورفع أسعار الفائدة في ذلك الشهر. كما حصلت مصر في مارس 2025 على تمويل منفصل بقيمة 1.3 مليار دولار من خلال تسهيل الصلابة والاستدامة المخصص لمشروعات المناخ والمرونة الاقتصادية.
كم حصلت مصر من صندوق النقد حتى الآن؟
كان المجلس التنفيذي للصندوق قد أنجز في 30 يوليو الماضي المراجعة السابعة لتسهيل الصندوق الممدد والمراجعة الثانية لتسهيل الصلابة والاستدامة، ما أتاح صرف نحو 1.5 مليار دولار في إطار التسهيل الممدد ونحو 272 مليون دولار في إطار تسهيل الصلابة والاستدامة، أي ما يقرب من 1.8 مليار دولار دفعة واحدة.
وبهذه المراجعات، ارتفع إجمالي المسحوبات والمبالغ المصروفة لمصر في إطار الاتفاقين إلى نحو 7.3 مليار دولار، وفق بيان الصندوق في يوليو. وإذا اكتملت مراجعتا الربع الرابع بالشريحة الأخيرة البالغة نحو 2.3 مليار دولار، سيرتفع الإجمالي الكلي إلى نحو 9.6 مليار دولار، بحسب تقديرات فريق الأبحاث في مؤسسة ذي إيدج، وهو ما يعني أن الشريحة الأخيرة وحدها تمثل قرابة 24% من إجمالي ما حصلت عليه مصر من البرنامجين.
وتعكس هذه الأرقام حجم الثقة التي اكتسبها البرنامج المصري لدى الصندوق بعد سنوات من الصدمات المتتالية؛ فقد أظهر الاقتصاد المصري قدرة على الصمود أمام التطورات الإقليمية، مدعومًا بتحسن مؤشرات النمو وتدفقات الاستثمارات، إلى جانب قوة قطاعي السياحة وتحويلات العاملين بالخارج، وهي الصورة نفسها التي رسمتها كوزاك في مؤتمر الأول من أكتوبر.
التخارج من أصول الدولة: الملف الذي يحدد تقييم الصندوق
رغم الإشادة بمسار التثبيت الكلي، لا يخفي الصندوق قلقه من بطء الإصلاحات الهيكلية. ففي بيانه الصادر مع المراجعة السابعة في يوليو، شدد على أن “الجهود الحاسمة لتقليص بصمة الدولة في الاقتصاد ستكون أساسية لاجتذاب الاستثمار الخاص”، وأقر بأن جهود تقليص حضور الدولة، ولا سيما التقدم في أجندة التخارج من الأصول، جاءت أبطأ مما كان متصورًا، بينما يواصل الدين العام المرتفع واحتياجات التمويل الضخمة تقييد الحيز المالي والضغط على آفاق النمو متوسط المدى.
وهذه الرسالة تتكرر منذ شهور: الصندوق يرى أن الإصلاحات النقدية والمالية، إلى جانب مرونة سعر الصرف، نجحت في إعادة الاستقرار الكلي وخفض التضخم وإعادة بناء الاحتياطيات، لكن الاقتصاد المصري لن يدخل مرحلة نمو مستدام يقوده القطاع الخاص ما لم تتقدم الدولة فعليًا في بيع الأصول غير الاستراتيجية وفتح المجال أمام المنافسة الحرة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحصل فيه مصر على دعم إضافي من وكالات التصنيف الدولية؛ فقد ثبتت وكالة ستاندرد آند بورز تصنيف مصر عند B مع نظرة مستقبلية مستقرة في أكتوبر الجاري، مشيدة بالاحتياطيات القياسية ومرونة الجنيه. وفي الوقت نفسه، تتوقع وكالة فيتش أنه لن يكون هناك برنامج تمويل جديد لمصر من صندوق النقد بعد انتهاء الاتفاق الحالي، ما يجعل مراجعة ديسمبر الأخيرة نقطة الفصل بين مرحلة الدعم الدولي المباشر ومرحلة الاعتماد على الأدوات المحلية والإصلاحات الذاتية.
الاقتصاد المصري بالأرقام
- نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 4.4% في العام المالي 2024/2025.
- التضخم السنوي تراجع إلى 11.9% في يناير 2026، وواصل الهبوط إلى 13.9% في سبتمبر بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
- عجز الحساب الجاري انكمش إلى 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي بدعم السياحة وتحويلات المصريين في الخارج.
- الاحتياطيات الدولية ارتفعت من 54.9 مليار دولار في ديسمبر 2024 إلى نحو 59.2 مليار دولار في ديسمبر 2025.
- إجمالي ما صرفته مصر من برنامجي الصندوق حتى يوليو: نحو 7.3 مليار دولار، والمتوقع عند الإنجاز: نحو 9.6 مليار دولار.
ما بعد 15 ديسمبر: برنامج اقتصادي وطني جديد
بالتزامن مع اقتراب نهاية البرنامج الحالي، تعمل الحكومة المصرية على إعداد برنامج اقتصادي وطني للمرحلة التالية، يستهدف تحديد أولويات الاقتصاد المصري بعد انتهاء برنامج الإصلاح مع صندوق النقد في نهاية 2026. وهذا يعني أن مصر تدخل عام 2027 دون مظلة تمويل دولية مباشرة من الصندوق للمرة الأولى منذ مارس 2024، وهو تحول يتطلب أن تكون السياسات المحلية كافية للحفاظ على الثقة.
ويبقى السؤال المفتوح أمام المتابعين: هل ستتقدم مصر بطلب برنامج جديد مع الصندوق بعد إغلاق الاتفاق الحالي، أم ستكتفي بالبرنامج الوطني ذاتي القيادة؟ لم يصدر عن الصندوق أو الحكومة إعلان رسمي في هذا الشأن حتى كتابة هذه السطور، لكن تصريحات فيتش الأخيرة تشير إلى أن السيناريو المرجح في الوقت الحالي هو عدم وجود برنامج جديد في الأفق القريب.
المصادر: بيان صندوق النقد الدولي 30 يوليو 2026؛ المؤتمر الصحفي لمديرة إدارة الاتصالات جولي كوزاك في الأول من أكتوبر 2026؛ تصريحات كريستالينا جيورجييفا؛ تحليل مؤسسة ذي إيدج للأبحاث؛ رويترز؛ تقارير وكالتي ستاندرد آند بورز وفيتش.
تحليل الفلوس
المراجعة الأخيرة لبرنامج صندوق النقد ليست مجرد شريحة تمويلية أخيرة بقيمة 2.3 مليار دولار؛ إنها شهادة الجدارة النهائية التي سيحملها الاقتصاد المصري معه إلى الأسواق الدولية بعد ديسمبر. فعندما ينجز المجلس التنفيذي المراجعة الثامنة والأخيرة، ستكون القاهرة قد أغلقت ملف التمويل الخارجي المشروط ودخلت مرحلة جديدة يُقيم فيها المستثمرون قدرة الدولة على إدارة اقتصادها بأدواتها الخاصة. وهذا يفسر لماذا تكتسب رسالة الصندوق المتكررة عن التخارج أهمية خاصة الآن: فالصندوق يريد أن يرى، قبل أن يغلق الملف، أن مصر جادة في تسليم دفة النمو للقطاع الخاص، لأن هذا هو الضمان الحقيقي لاستمرار الثقة بعد انتهاء البرنامج.
بالنسبة للمواطن المصري والمستثمر المحلي، الرسالة العملية واضحة: سعر الصرف المرن الذي دافع عنه الصندوق طوال البرنامج سيبقى ركيزة السياسة النقدية، والاحتياطيات الدولية التي تجاوزت 59 مليار دولار توفر وسادة أمان حقيقية أمام أي تقلبات. لكن استمرار هذا الاستقرار بعد ديسمبر سيعتمد على نجاح البرنامج الاقتصادي الوطني الذي تعده الحكومة حاليًا؛ فإذا جاء هذا البرنامج بخطوات واضحة في التخارج وضبط عجز الموازنة، ستدخل مصر 2027 من موقع قوة. أما إذا جاء خاليًا من الإصلاحات الجادة، فقد يجد الجنيه نفسه تحت ضغط متجدد مع غياب مظلة الصندوق.
ما يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة هو موعد إيفاد بعثة الصندوق، الذي لم يُعلن بعد، وما ستكشفه التسريبات عن تقدم ملف التخارج من أصول الدولة، ثم بالطبع الإعلان الرسمي عن ملامح البرنامج الاقتصادي الوطني. وإلى جانب ذلك، يبقى تصريح فيتش بعدم وجود برنامج جديد في الأفق تحذيرًا يستحق الانتباه: مصر مقبلة على اختبار الاستقلال النقدي والمالي الحقيقي، والشهور المتبقية حتى 15 ديسمبر هي آخر فرصة لبناء رصيد ثقة إضافي قبل هذا الاختبار.






