أعلن البنك المركزي المصري اليوم الأحد تراجع المعدل السنوي للتضخم الأساسي إلى 14.1% خلال سبتمبر 2026، مقابل 14.9% في أغسطس الماضي، في إشارة جديدة على استمرار مسار التباطؤ التدريجي لوتيرة ارتفاع الأسعار، وذلك وفقًا لما نقلته رويترز.
وجاء الإعلان بعد يوم واحد فقط من إعلان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع التضخم العام في الحضر إلى 13.9% في سبتمبر مقابل 14.5% في أغسطس، وهو ما نشرنا تفاصيله أمس في الفلوس، ليرسم الرقمان معًا صورة أوضح لحركة الأسعار قبل اجتماع لجنة السياسة النقدية المرتقب في 29 أكتوبر.
فماذا تقول الأرقام بالضبط؟ وما الفرق بين «الأساسي» و«العام»؟ ولماذا يهتم المركزي بالأساسي أكثر عند اتخاذ قرار الفائدة؟
أرقام التضخم في سبتمبر.. قراءة واحدة للوحة كاملة
بحسب بيان البنك المركزي، سجل الرقم القياسي الأساسي لأسعار المستهلكين معدل تغير شهري قدره 0.8% في سبتمبر 2026، مقارنة بـ1.5% خلال الشهر نفسه من عام 2025، و0.3% فقط في أغسطس 2026. وعلى أساس سنوي، سجل المعدل الأساسي 14.1% مقابل 14.9% في أغسطس.
في المقابل، سجل الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين للحضر معدل تغير شهري بلغ 1.3% في سبتمبر 2026، مقابل 1.8% في سبتمبر 2025 و0.1% في أغسطس الماضي. وعلى أساس سنوي، سجل التضخم العام للحضر 13.9% مقابل 14.5% في أغسطس، بينما ارتفع المعدل السنوي على مستوى الجمهورية ككل إلى 12.8% مقابل 12.7% في أغسطس، مع تغير شهري عام بلغ 1.5%.
اللافت هنا أن المعدلين الشهريين (الأساسي 0.8% والعام 1.3%) جاءا أعلى من أغسطس، لكن المعدلين السنويين انخفضا معًا.. وهو ما يبدو متناقضًا للوهلة الأولى، لكن تفسيره بسيط: سبتمبر 2025 شهد قفزات شهرية حادة (1.5% للأساسي و1.8% للعام)، فخرجت هذه القفزات من حساب الـ12 شهرًا، ودخلت بدلًا منها زيادات أصغر، فانخفض المعدل السنوي رغم تسارع الشهري.
ما هو التضخم الأساسي.. ولماذا يراقبه المركزي عن كثب؟
التضخم الأساسي هو مؤشر يُشتق من الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين، لكن بعد استبعاد سلعتين من الحساب: السلع التي تُحدد أسعارها إداريًا (بقرارات حكومية مثل الوقود والكهرباء)، والسلع التي تتأثر بصدمات العرض المؤقتة والأكثر تقلبًا (مثل الخضروات الطازجة في مواسم معينة).
الهدف من هذا الاستبعاد ليس تجميل الأرقام، بل الوصول إلى «نبض» الأسعار الحقيقي: هل الغلاء ناتج عن ضغوط طلب حقيقية في الاقتصاد أم مجرد صدمات مؤقتة ستتلاشى؟ ولهذا يعتمد عليه البنك المركزي بصورة أساسية عند رسم السياسة النقدية، لأن قرار رفع أو تثبيت الفائدة يجب أن يستند إلى الاتجاه المستدام للأسعار لا إلى موجة خضار عابرة.
وكون الأساسي (14.1%) أعلى من العام (13.9%) حاليًا يعني أن الضغوط «الجوهرية» في الاقتصاد ما زالت أشد قليلًا من الصورة الكلية التي تخففها العناصر المستبعدة.. وهي ملاحظة يقرؤها صناع القرار في المركزي بعناية.
الخضار تقود الضغوط.. والإسكان يهدأ بعد خروج القفزة من الحساب
داخل تفاصيل سبتمبر، كانت الأغذية والمشروبات — صاحبة الوزن الأكبر في سلة المستهلك — هي مصدر الضغط الرئيسي: ارتفعت 7.2% على أساس سنوي مقابل 6.3% في أغسطس، وقفزت 2.8% على أساس شهري بعد ثلاثة أشهر متتالية من التراجع. الخضروات الطازجة وحدها قفزت نحو 15% في شهر واحد، واللحوم والدواجن ارتفعت 2.5%، بينما تراجعت أسعار الخبز والحبوب 0.3%.
في المقابل، هدأ التضخم السنوي للإسكان والمرافق إلى 35.2% مقابل 42.8% في أغسطس، لكن هذا التهدئة «حسابية» بالأساس: القفزة الحادة التي شهدها سبتمبر 2025 خرجت من نافذة الـ12 شهرًا. وما زال الإسكان أسرع بنود الإنفاق نموًا على أساس سنوي، رغم أن الزيادة الشهرية لم تتجاوز 0.6%.
ومن البنود الأخرى: النقل 24.3% سنويًا، والتعليم 18.7%، وتجهيزات المنازل 17.4%.. وهي أرقام تذكّر بأن معركة الغلاء لم تُحسم بعد، حتى لو كان الاتجاه العام هابطًا.
ماذا يعني ذلك لاجتماع الفائدة في 29 أكتوبر؟
يبقي البنك المركزي حاليًا على أسعار الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض و19.5% للعملية الرئيسية، بعد أن ثبّتها للمرة الخامسة على التوالي في 24 سبتمبر الماضي. والسؤال الذي يشغل الأسواق الآن: هل تكفي أرقام سبتمبر لدفع المركزي نحو أول خفض، أم أن الحذر سيستمر؟
غالبية المحللين ترجح التثبيت في اجتماع 29 أكتوبر، لكن هناك أصواتًا مخالفة. هبة منير من «إتش سي» للأوراق المالية — التي توقعت بدقة الزيادة الشهرية 1.3% في سبتمبر — ترى أن المركزي قد يرفع الفائدة 100 نقطة أساس، مستندة إلى ضغوط الربع الأخير المتوقعة: زيادة مرتقبة في أسعار الوقود بنحو 10% في أكتوبر ضمن خطة ترشيد الدعم، وزيادة شهرية متوقعة 2.1% في أكتوبر.
في المقابل، يرى هاني جنينة من «أهلي فاروس» أن هامش الفائدة الحقيقي اتسع إلى نحو 6.1 نقطة مئوية (الفرق بين أعلى سعر فائدة 20% والتضخم 13.9%)، وهو هامش مريح يحمي تجارة الفائدة (الكاري تريد) من تداعيات تشديد الفيدرالي الأمريكي. ويتفق معه محمد أبو باشا من «إي إف جي هيرميس» في أن هامشًا حول 500 نقطة أساس أكثر من كافٍ لعزل الدين المحلي.
أما المركزي نفسه، فيستهدف الوصول بالتضخم إلى 7% (±2 نقطة مئوية) في النصف الثاني من 2027، ويرى في سيناريوهاته الأساسية أن متوسط التضخم سيبلغ 16.6% في العام المالي 2026/2027 قبل أن يتباطأ إلى 8.1% في 2027/2028. لكن جنينة يحذر من قفزة محتملة إلى 16-16.5% في الربع الأخير من العام الحالي، ويتوقع دويتشه بنك أن يتراوح التضخم بين 15% و16% حتى نهاية العام.
الخلاصة: أرقام سبتمبر تخفف الضغط عن المركزي لرفع الفائدة، لكنها لا تمنحه — حتى الآن — الثقة الكافية لبدء خفضها.
تحليل الفلوس
الخبر الجيد واضح: التضخم — بكل مقاييسه — يواصل التراجع على أساس سنوي، والزيادة الشهرية في المؤشر الأساسي (0.8%) بلغت نصف ما كانت عليه في سبتمبر الماضي (1.5%)، وهذا تقدم حقيقي لا يمكن إنكاره. كما أن اتساع هامش الفائدة الحقيقي إلى أكثر من 6 نقاط مئوية يعني أن أصحاب الشهادات الادخارية ما زالوا يحققون عائدًا حقيقيًا موجبًا بعد خصم التضخم — وهو ما يفسر استمرار إقبال المصريين على الشهادات رغم الحديث عن خفض محتمل.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل، وهناك ثلاث ملاحظات يجب ألا تغيب عن القارئ: أولًا، الزخم الشهري يتسارع مجددًا (الأساسي من 0.3% إلى 0.8%، والعام من 0.1% إلى 1.3%)، والجزء الأكبر من التراجع السنوي جاء من «تأثير الأساس» الحسابي لا من انخفاض فعلي في الأسعار. ثانيًا، الأغذية — التي تمس جيب المواطن مباشرة — تعاود الارتفاع بقوة بعد أشهر من الهدوء، والخضروات وحدها قفزت 15% في شهر. ثالثًا، أكتوبر يحمل في جعبته زيادة مرتقبة في أسعار الوقود بنحو 10%، وهي زيادة ستنتقل حتمًا إلى أسعار النقل والسلع.
ما الذي يجب مراقبته؟ اجتماع 29 أكتوبر أولًا: التثبيت هو السيناريو الأرجح، وأي مفاجأة برفع الفائدة ستكون إشارة على أن المركزي يرى مخاطر الربع الأخير أكبر مما تعكسه الأرقام الحالية. ثانيًا: أسعار الدولار التي قفزت اليوم لتقترب من 53 جنيهًا — فأي ضغط على الجنيه سينتقل إلى التضخم عبر الواردات. وثالثًا: قرار لجنة تسعير الوقود، فهو المتغير الأكبر في معادلة التضخم خلال الشهور الثلاثة المقبلة. أما لصاحب المدخرات، فالرسالة واضحة: العائد الحقيقي ما زال إيجابيًا ومغريًا، لكن راقب اجتماع أكتوبر قبل تجديد شهادتك أو ربط وديعة جديدة.
المصدر: رويترز (نُقل عنها الخبر)، بيان البنك المركزي المصري 11 أكتوبر 2026، بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.







