أذون الخزانة اليوم: الحكومة تطرح 130 مليار جنيه والمركزي يرفض 432 مليارًا من العروض المرتفعة

Published:

يطرح البنك المركزي المصري، اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026، أذون خزانة بقيمة 130 مليار جنيه، وذلك بالتنسيق مع وزارة المالية لتمويل عجز الموازنة العامة للدولة. ويتوزع الطرح على أجلين: 50 مليار جنيه لأجل 182 يومًا (6 أشهر)، و80 مليار جنيه لأجل 364 يومًا (عام كامل)، وذلك وفق ما أعلنه البنك المركزي عبر موقعه الرسمي.

ويأتي طرح اليوم استمرارًا لسياسة الطروحات الأسبوعية التي يديرها «المركزي» بالتنسيق مع الوزارة لتدبير احتياجات الخزانة العامة أولًا بأول.

وتُعد أذون الخزانة من أهم أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل، إذ تتراوح آجالها بين 3 أشهر وسنة كاملة، وتعتمد عليها وزارة المالية في تدبير جزء رئيسي من احتياجات الموازنة. ويفوض البنك المركزي في إدارة هذه الطروحات على مدار العام المالي بالتنسيق مع الوزارة.

ويتزامن الطرح مع قرار لجنة السياسة النقدية في اجتماعها يوم الخميس 24 سبتمبر 2026 بالإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير: الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 19% و20%، والعملية الرئيسية عند 19.5% — في خامس تثبيت على التوالي بعد خفض 100 نقطة أساس في فبراير الماضي.

أذون الخزانة: أرقام مزادات الأسبوع الأربعين

قبل أيام من طرح اليوم، كشف الدكتور محمد العجمي عبر قناة «صباح البنوك» عن كواليس مزادات أذون الخزانة للأسبوع الأربعين من العام الحالي، والتي شهدت إقبالًا قياسيًا من البنوك والشركات والأفراد من المصريين والعرب والأجانب، حيث بلغت طلبات الاكتتاب الإجمالية نحو 706.65 مليار جنيه — رقم وصفه بأنه غير مسبوق.

لكن الحكومة لم تقبل سوى 275 مليار جنيه فقط من هذه الطلبات، ورفضت عروضًا بقيمة 432 مليار جنيه. وتوزعت الأرقام المقبولة على الآجال الأربعة كالتالي:

أجل 91 يومًا (3 أشهر)

بلغت الطلبات المقدمة نحو 94 مليار جنيه، بعضها بفائدة وصلت إلى 29%، لكن الحكومة قبلت 46 مليار جنيه فقط بمتوسط عائد دار حول 24%، ليصل صافي العائد بعد خصم الضريبة إلى 19.4%.

أجل 182 يومًا (6 أشهر)

وصلت الطلبات إلى 152 مليار جنيه، وقبلت الحكومة منها 40 مليار جنيه بمتوسط عائد 25.2%، بصافي عائد نحو 20.15% بعد الضريبة.

أجل 273 يومًا (9 أشهر)

تجاوزت العروض المقدمة 235 مليار جنيه، وقبلت الحكومة 94 مليار جنيه بمتوسط عائد 25.5%، وصافي 20.3% بعد خصم الضريبة.

أجل 364 يومًا (عام كامل)

بلغت العروض أكثر من 226 مليار جنيه، واكتفت الحكومة بقبول 95 مليار جنيه بحد أقصى مقبول للعائد عند 27.7%، ليكون صافي العائد النهائي 20.5% بعد الضريبة.

والملاحظة الأهم في هذه المزادات: سجلت كافة الآجال تراجعًا ملحوظًا في أعلى عائد مقبول، بمقدار تراوح بين 10 نقاط أساس و91 نقطة أساس — أي أن كلفة الاقتراض الحكومي بدأت تهبط فعليًا.

لماذا رفضت الحكومة 432 مليار جنيه؟

السبب المباشر الذي كشف عنه التحليل هو مبالغة بعض المستثمرين في أسعار الفائدة المطلوبة، والتي لامست مستوى 30% — وهو رقم اعتبرته وزارة المالية والبنك المركزي غير مقبول، فاستُبعدت تلك العروض المرتفعة لضبط مستويات العائد في السوق.

وهذا الموقف — بحسب وصف الدكتور محمد العجمي — كان «حذرًا وحاسمًا» في إدارة تكلفة الدين العام. فالحكومة هنا تلعب دورًا مزدوجًا: من جهة، تحتاج إلى تمويل عجز الموازنة، ومن جهة أخرى، لا تريد أن تُثبت في السوق عوائد مرتفعة جدًا تدفع بها كلفة الدين في الطروحات المقبلة إلى أعلى.

المنطق بسيط: لو قبلت الحكومة اليوم عروضًا بفائدة 30%، لأصبح هذا هو المرجع الذي يبني عليه المستثمرون توقعاتهم في المزادات القادمة، ولارتفع متوسط العوائد المقبولة في كل الطروحات اللاحقة. أما رفض هذه العروض، فيرسل رسالة واضحة للسوق: هناك سقف أعلى ترفض الحكومة تجاوزه، مهما كانت حاجتها للتمويل.

واللافت أن الدولة لا تبدو مضطرة لقبول أي سعر: الإقبال القياسي (706.65 مليار جنيه مقابل 275 مليارًا مقبولة) يعني أن شهية المستثمرين قوية جدًا، وهذا يمنح وزارة المالية رفاهية اختيار العروض الأرخص دون المخاطرة بفشل الطروحات.

كيف يستثمر الأفراد في أذون الخزانة؟

الاستثمار في أذون الخزانة متاح للأفراد والمؤسسات على حد سواء، بحد أدنى يبدأ من 25 ألف جنيه ومضاعفاتها، وذلك إما عبر الاكتتاب في طروحات السوق الأولي، أو من خلال التداول في السوق الثانوي لدى مختلف البنوك العاملة في مصر.

الخطوة العملية الأولى هي التوجه إلى البنك الذي تتعامل معه وطلب الاكتتاب في أذون الخزانة لأجل معين (91 أو 182 أو 273 أو 364 يومًا). يتم الخصم من حسابك في يوم التسوية، وفي نهاية الأجل تسترد قيمة الأذن كاملة، ويُحسب العائد كفرق بين سعر الشراء والقيمة الاسمية. ولمزيد من التفاصيل حول ملاءمة هذه الأداة للمدخر الصغير، راجع مقالنا: أذون الخزانة في مصر 2026: هل تناسب المدخر الصغير؟ (الفوائد والحد الأدنى والمخاطر).

حساب صافي العائد بعد الضريبة

تخضع عوائد أذون الخزانة لضريبة بنسبة 20% تُخصم عند الاستحقاق، لذا فإن العائد «الإجمالي» المعلن في المزادات ليس هو ما يدخل جيب المستثمر فعليًا. القاعدة: الصافي = الإجمالي × 0.80.

وعلى استثمار 100 ألف جنيه في أجل 364 يومًا، يعني هذا صافي عائد سنوي يقارب 20,500 جنيه بعد خصم الضريبة — رقم يتفوق على معظم شهادات الادخار البنكية، مع سيولة أعلى نسبيًا لأن الأذن يمكن بيعه في السوق الثانوي قبل الاستحقاق.

ماذا تعني هذه الأرقام للمواطن المصري؟

للمدخر العادي، الرسالة الأولى هي أن أذون الخزانة ما زالت تقدم أعلى عائد خالٍ من مخاطر التعثر تقريبًا في السوق المصري، وأن الحد الأدنى (25 ألف جنيه) يجعلها في متناول شريحة واسعة — ليست حكرًا على المؤسسات الكبرى.

الرسالة الثانية: تراجع أعلى عائد مقبول بين 10 و91 نقطة أساس إشارة إيجابية على كلفة الدين العام، لكنها تعني أيضًا أن العوائد الفعلية التي سيحصل عليها المستثمرون في الطروحات المقبلة قد تكون أقل من مستويات الذروة السابقة. بعبارة أخرى: من يريد الاكتتاب، فالأجور الحالية (صافي ~20%) ما زالت مغرية قبل أن يهبط سقف العوائد أكثر.

أما لمن يتابع الدولار والجنيه، فالإقبال القياسي على أذون الخزانة — بما فيه من مستثمرين عرب وأجانب — يعزز تدفقات النقد الأجنبي عبر قناة «الأموال الساخنة»، ويدعم استقرار سعر الصرف في الأجل القصير، وهو ما يخدم بدوره توقعات التضخم التي بنى عليها البنك المركزي قرار تثبيت الفائدة.

تحليل الفلوس

رفض الحكومة لعروض بـ432 مليار جنيه ليس «تعنتًا» ولا «نقص سيولة» — بل هو أرقى ما في إدارة الدين العام الحديثة: أن تملك القدرة على قول «لا» لأموال جاهزة لأن سعرها لا يناسبك. هذه القدرة لم تأتِ من فراغ؛ بل من قوة الطلب نفسه. عندما يتقدم المستثمرون بـ706.65 مليار جنيه مقابل حاجة فعلية تقل كثيرًا عن ذلك، تتحول وزارة المالية من «باحث عن تمويل» إلى «منتقٍ للأسعار» — وهذه هي اللحظة التي تستطيع فيها الدولة فرض شروطها بدل أن تُفرض عليها.

والإشارة الأخطر هنا هي تراجع أعلى عائد مقبول بمقدار 10 إلى 91 نقطة أساس عبر كل الآجال. هذا ليس مجرد رقم تقني في نشرة المزاد؛ إنه تصويت عملي من السوق على أن توقعات الفائدة تتجه للهبوط. المستثمرون الذين قبلوا بعوائد أقل اليوم يراهنون ضمنيًا على أن البنك المركزي سيستأنف خفض الفائدة في اجتماعاته المقبلة — خصوصًا بعد أن خفض بالفعل 100 نقطة أساس في فبراير وخفض الاحتياطي الإلزامي من 18% إلى 16%. والسؤال الذي يجب أن يضعه كل مدخر أمام عينيه: هل يكتتب اليوم بعائد صافي 20%، أم ينتظر طروحات لاحقة قد تكون عوائدها أدنى؟ التجربة تقول إن من راهن على البقاء في الأذون خلال دورات خفض الفائدة السابقة كسب الفارق.

لكن الصورة لا تخلو من مخاطر يجب مراقبتها: أولها أن هذا الإقبال الهائل مدفوع جزئيًا بالأموال الساخنة الأجنبية والعربية، وهي أموال سريعة الدخول والخروج — أي هزة في سعر الصرف أو في توقعات الفائدة العالمية قد تعيد هذه التدفقات للخارج بنفس السرعة. وثانيها أن كلفة الدين المحلي — حتى بعد التراجع — ما زالت مرتفعة تاريخيًا. ما يستحق المتابعة في الأسابيع المقبلة: نتائج مزادات الأحد والإثنين الجاريين (هل يستمر تراجع العائد؟)، وقرار لجنة السياسة النقدية القادم، وحركة التدفقات الأجنبية في أدوات الدين.

المصادر: إعلان البنك المركزي المصري عن طرح أذون الخزانة؛ تحليل الدكتور محمد العجمي عبر قناة «صباح البنوك» على يوتيوب؛ بوابة الوطن بلس؛ جريدة الاستثمار العربي؛ عالم البيزنس — جميع البيانات محدثة بتاريخ 10 و11 أكتوبر 2026.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img