افتتحت أسعار النفط اليوم صباح الاثنين تعاملاتها على تراجع واضح، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مساء الأحد أن روسيا وأوكرانيا اتفقتا على وقف فوري للهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة، في تطور فاجأ الأسواق التي كانت تتعامل مع تصعيد متواصل في منطقة الخليج. وبحلول الساعات الأولى من التداول، هبطت العقود الآجلة لخام برنت تسليم ديسمبر نحو 1.54 دولار، أي 1.47%، لتستقر قرب 103.18 دولار للبرميل، بينما نزل الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط بالنسبة نفسها تقريبًا إلى 90.31 دولار، وفق بيانات السوق التي نقلتها وكالة رويترز صباح الاثنين 12 أكتوبر 2026.
اللافت أن التراجع جاء بعد ساعات فقط من ذروة جديدة: ففي تداولات الليلة الفاصلة بين الأحد والاثنين، قفز برنت 76 سنتًا (0.73%) إلى 105.48 دولار، والخام الأمريكي 59 سنتًا إلى 92.44 دولار. نحو دولارين ونصف تبخرا في ست ساعات — سوق تمسك بها قوتان متعاكستان، واحدة تدفع الأسعار للأسفل بأخبار تهدئة، وأخرى ترفعها بأخبار تصعيد.
ماذا أعلن ترامب بالضبط؟ تفاصيل الوقف الفوري لضربات الطاقة
الإعلان جاء مفاجئًا حتى بمعايير ترامب. فقد قال الرئيس الأمريكي الأحد إن موسكو وكييف اتفقتا على «وقف فوري» لاستهداف منشآت الطاقة لدى كل منهما، وذلك عقب اتفاق منفصل أعلنه الجمعة يقضي بأن تزود روسيا الولايات المتحدة والأسواق العالمية بأكثر من 300 ألف طن متري من الديزل — أي نحو 2.25 مليون برميل — بشكل فوري، تليها 500 ألف طن في نوفمبر، ثم مليون طن «بعد ذلك مباشرة»، بحسب ما نقلته رويترز عن تصريحات ترامب.
رد الفعل الأوكراني كان حذرًا؛ فقد قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إنه ما زال ينتظر تفاصيل الاتفاق، بينما لم يصدر عن موسكو أي تعليق رسمي حتى صباح الاثنين. هذا الغموض هو ما يجعل المحللين يتعاملون مع التراجع الصباحي بحذر شديد. فكما قال تيم ووترر، كبير محللي «كيه سي إم تريد»، إن الأسئلة ما زالت مفتوحة حول مصداقية وقف إطلاق النار هذا ومدى استمراره، وإن غياب أدلة واضحة على صموده سيحدّ على الأرجح من حجم التراجع.
في المقابل، هوت العقود الآجلة لزيت الغاز في بورصة «آي سي إي» — المؤشر المرجعي للديزل — بنحو 3% إلى 1436 دولارًا، في إشارة إلى أن السوق صدّقت على الأقل الجزء المتعلق بالإمدادات الروسية. وكان المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول قد دعا الأحد الدول الأعضاء إلى تقييم إفراجات إضافية من مخزونات الديزل، مع تسريع الكميات المتعهد بها التي لم تُسلَّم بعد، علمًا بأن الاستهلاك العالمي اليومي يقترب من 29 مليون برميل.
لماذا تحركت أسعار النفط اليوم صعودًا ثم هبوطًا في ساعات؟
الإجابة تكمن في التوقيت. فقبل إعلان ترامب بساعات، كانت السوق قد استوعبت بالكامل أخبار نهاية الأسبوع المشتعلة، ورفعت الأسعار إلى 105.48 دولار. وعندما جاء خبر وقف ضربات الطاقة، أعادت السوق تسعير جزء من علاوة المخاطر المرتبطة بالإمدادات الروسية. لكن التراجع توقف قرب 103 دولارات، ولم ينكسر حاجز المئة — لأن القوة الثانية في المعادلة ما زالت حاضرة بقوة في الخليج. ولمن تابع التطورات لحظة بلحظة، فقد تجاوز برنت 105 دولارات في تداولات الليلة الماضية قبل أن يتراجع صباحًا، كما تخطى حاجز 104 دولارات مطلع الأسبوع متأثرًا بعوامل أخرى.
القوة المضادة: ناقلات في مرمى النيران ومضيق هرمز تحت الضغط
شهدت عطلة نهاية الأسبوع تصعيدًا خطيرًا في الممرات البحرية: فقد أبلغت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) — بحسب رويترز — عن ضربة بطائرة مسيرة لناقلة قرب مرسى صحار في عمان، وإصابة ناقلة أخرى بمقذوف مجهول في مضيق هرمز، في وقت تهدد فيه وتيرة الاستهداف في أكتوبر بعرقلة تعافي صادرات الخام من الشرق الأوسط الذي بدأ في سبتمبر.
بالتوازي، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن ضربة السبت على مطار الرياض الدولي، التي قالت التقارير إنها أودت بحياة 13 شخصًا وأصابت أكثر من 300، بينما تحدثت السلطات السعودية عن إصابات في هجوم جديد على المطار ذاته يوم الأحد. وكان ترامب قد قال السبت إن واشنطن تدرس الانضمام إلى الضربات السعودية ضد الحوثيين، في امتداد للحرب الأوسع التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران منذ فبراير، وأنه سيتحدث إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
هذه الخلفية تفسر لماذا ظل برنت متماسكًا فوق 100 دولار رغم خبر التهدئة. وقد رفع «جولدمان ساكس» توقعاته لسعر برنت في ديسمبر من 85 إلى 90 دولارًا للبرميل، مقدرًا أن علاوة المخاطر الجيوسياسية في السعر الحالي تقترب من 20 دولارًا للبرميل. بكلمات أخرى: السوق تسعّر حربًا في الخليج بقيمة عشرين دولارًا على كل برميل، وخبر وقف إطلاق نار هش في ملف آخر لا يكفي لمحوها.
أسعار النفط اليوم ولجنة التسعير في مصر.. أين البنزين من كل هذا؟
السؤال الذي يهم القارئ المصري: هل ينعكس هذا التراجع على أسعار البنزين؟ الإجابة القصيرة: ليس فورًا. فأسعار المحروقات تحددها لجنة التسعير التلقائي، وقد أكدت وزارة البترول مطلع أكتوبر أن اللجنة لم تجتمع بعد، نافية شائعات الزيادات الوشيكة ومؤكدة استمرار الأسعار: بنزين 95 عند 24 جنيهًا، و92 عند 22.25، و80 عند 20.75، والسولار عند 20.5 جنيه للتر، وغاز السيارات عند 13 جنيهًا للمتر المكعب.
لكن السياق أوسع من ذلك. فمصر رفعت أسعار الوقود في مارس الماضي بنسب وصلت إلى 17%، في ظل ما وصفته الوزارة وقتها بالظروف الاستثنائية الناتجة عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة العالمية — وهو الوصف نفسه الذي ينطبق اليوم حرفيًا على ما يحدث في هرمز والخليج. ومع بقاء برنت فوق 100 دولار للبرميل، تظل فاتورة الاستيراد البترولي مرتفعة، وتظل الموازنة العامة تحت ضغط دعم غير مباشر يتنامى كلما اتسع الفارق بين سعر الشراء العالمي وسعر البيع المحلي.
الأخطر من ذلك على جيب المواطن هو التضخم. فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع التضخم السنوي في المدن إلى 13.9% في سبتمبر، لكن محللين يتوقعون قفزة شهرية في أكتوبر تقودها زيادة مرتقبة في أسعار الوقود بنحو 10%، بحسب تقديرات هبة منير من «إتش سي» للأوراق المالية. أي أن أي قرار جديد للجنة التسعير سيصل إلى أسعار النقل والمواصلات والسلع تباعًا، في وقت يستعد فيه البنك المركزي لاجتماعه المرتقب أواخر أكتوبر وسط تساؤلات حول مصير أسعار الفائدة قبل نهاية العام.
ولا ننسى قناة السويس: فأي تصعيد إضافي في مضيق هرمز أو البحر الأحمر ينعكس مباشرة على حركة الملاحة وإيرادات القناة، وهي من أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر. استقرار برنت فوق المئة دولار إذن ليس مجرد رقم في شاشات التداول، بل معادلة تمس الموازنة والتضخم والجنيه في آن واحد.
تحليل الفلوس
ما حدث صباح الاثنين ليس «انفراجة» بقدر ما هو «استراحة محسوبة». فالسوق لم تشترِ خبر وقف إطلاق النار بالكامل — بدليل توقف التراجع عند 103 دولارات — لأن الإعلانات المفاجئة قد تتبخر بنفس سرعة صدورها، خاصة مع تحفظ زيلينسكي وصمت موسكو. الرسالة للمستهلك المصري: لا تنتظر انخفاض البنزين بناءً على خبر صباحي؛ فاللجنة تحسب متوسطات أطول، والاتجاه منذ مارس ما زال صعوديًا.
أما للمستثمر والمتابع الاقتصادي، فالمعادلة أدق: صفقة الديزل الروسية — إن نُفذت فعليًا — قد تخفف الضغط على أسعار النقل والشحن عالميًا، وهو خبر جيد لمصر المستوردة للديزل والمازوت. لكن علاوة المخاطر البالغة 20 دولارًا التي يقدرها جولدمان ساكس تعني أن أي شرارة جديدة في هرمز أو تصعيد أمريكي–سعودي ضد الحوثيين قد تعيد برنت إلى 110 دولارات في أيام. بمعنى آخر: الاتجاه الهابط هش، والاتجاه الصاعد له وقود جاهز.
ما الذي نراقبه إذن؟ ثلاثة مؤشرات تحسم المشهد خلال أيام: أولًا، هل يصمد وقف ضربات الطاقة بين روسيا وأوكرانيا أم ينهار عند أول اختبار ميداني؛ ثانيًا، موعد اجتماع لجنة التسعير التلقائي في مصر وحجم الزيادة التي ستقررها في ظل برنت المرتفع؛ وثالثًا، حركة الناقلات في مضيق هرمز — فأي هجوم جديد هناك سيبتلع مكاسب التهدئة الروسية بالكامل. وحتى تتضح هذه الصورة، يبقى الرهان العاقل أن أسعار النفط اليوم ستواصل التذبذب العنيف بين 100 و108 دولارات، وأن فاتورة الطاقة المصرية ستظل تحت ضغط مرتفع حتى نهاية العام.







