عجز الحساب الجاري لمصر يتسع إلى 22.5 مليار دولار في 2025-2026.. المركزي يكشف الفاتورة: الواردات تلتهم 64.8 مليار والتحويلات القياسية تنقذ الموقف

Published:

أعلن البنك المركزي المصري، اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، البيانات الكاملة لميزان المدفوعات عن السنة المالية 2025/2026 (يوليو 2025 – يونيو 2026)، وجاءت الأرقام تحمل خبرين متعاكسين في آن واحد: فائض كلي في الميزان بلغ نحو 2.8 مليار دولار بعد عجز 2.1 مليار دولار في السنة السابقة، لكن عجز الحساب الجاري اتسع بحدة إلى 22.5 مليار دولار مقابل 15.4 مليار دولار في السنة المالية 2024/2025 — أي بزيادة تقترب من 46% خلال عام واحد فقط.

وعزا البنك المركزي هذا الاتساع، في البيان الذي نقلته رويترز اليوم، إلى ارتفاع العجز في بندين رئيسيين: الميزان التجاري السلعي، وميزان دخل الاستثمار. لكن الصورة الكاملة — كما تكشف التفاصيل — أكثر تعقيدًا من مجرد رقم سلبي: خلف العجز الكبير واردات إنتاجية تغذي المصانع والنمو، وتحويلات قياسية من المصريين في الخارج، وقناة سويس بدأت تستعيد عافيتها، وتدفقات استثمار أجنبي غطت الفجوة وحققت الفائض الكلي.

الأرقام الكاملة لميزان المدفوعات 2025/2026

فيما يلي أبرز ما جاء في بيان المركزي عن السنة المالية المنتهية في 30 يونيو 2026:

أولًا: الحساب الجاري — العجز يتسع إلى 22.5 مليار دولار. سجلت المعاملات الجارية عجزًا بلغ نحو 22.5 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، مقابل نحو 15.4 مليار دولار في السنة السابقة. وجاء ذلك نتيجة ارتفاع العجز في الميزان التجاري السلعي بمعدل 27.1% ليصل إلى نحو 64.8 مليار دولار، إلى جانب ارتفاع عجز ميزان دخل الاستثمار بمعدل 33.8% ليسجل نحو 21.2 مليار دولار.

ثانيًا: التجارة غير البترولية — فاتورة الاستيراد تقفز. ارتفع العجز في الميزان التجاري غير البترولي بنحو 9.4 مليار دولار، بمعدل 25.4%، ليسجل نحو 46.6 مليار دولار مقابل نحو 37.1 مليار دولار في السنة السابقة. وجاء ذلك نتيجة ارتفاع الواردات السلعية غير البترولية بنحو 12.1 مليار دولار، بمعدل 16.9%، لتصل إلى نحو 83.9 مليار دولار. واللافت أن الزيادة تركزت في واردات السلع الوسيطة — أي مستلزمات الإنتاج للمصانع — التي مثلت نحو 55.2% من إجمالي الزيادة في الواردات غير البترولية.

ثالثًا: التحويلات — الرقم القياسي الذي خفف الصدمة. ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بمعدل 29.6% لتصل إلى نحو 47.3 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026 — وهو مستوى قياسي تاريخي — ما ساهم بشكل مباشر في الحد من تفاقم العجز الجاري، ولولاه لكانت الصورة أسوأ بكثير.

رابعًا: الخدمات — فائض 16.7 مليار دولار. ارتفع الفائض في ميزان الخدمات بمعدل 10.5% ليحقق نحو 16.7 مليار دولار، مدعومًا بارتفاع الإيرادات السياحية وارتفاع حصيلة رسوم المرور بقناة السويس، التي بدأت تستعيد جزءًا من مستوياتها السابقة بعد التراجع الحاد الذي سببته هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر.

خامسًا: الحساب الرأسمالي والمالي — التمويل الذي غطى الفجوة. حققت المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفق للداخل بلغ نحو 23.2 مليار دولار خلال السنة، مقابل نحو 10.2 مليار دولار فقط في السنة السابقة. وجاء ذلك مدعومًا بارتفاع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نحو 18 مليار دولار، إلى جانب تحقيق استثمارات محفظة الأوراق المالية (الأموال الساخنة) صافي تدفق للداخل بلغ نحو 4.2 مليار دولار. وهذه التدفقات هي ما حوّل الصورة الإجمالية من عجز 2.1 مليار دولار إلى فائض كلي 2.8 مليار دولار في ميزان المدفوعات.

لماذا اتسع عجز الحساب الجاري رغم قفزة التحويلات والسياحة؟

السؤال المنطقي: كيف يتسع العجز 46% في عام شهدت فيه التحويلات والسياقة وقناة السويس كلها نموًا قويًا؟ الإجابة في طبيعة النمو الاقتصادي المصري نفسه.

مصر نمت بنحو 5.1% في السنة المالية 2025/2026، وفق تقديرات البنك الدولي المُحدّثة في أكتوبر الجاري. وهذا النمو — خاصة في الصناعة التحويلية غير النفطية — يحتاج مستلزمات إنتاج مستوردة: خامات ومكونات ومعدات. ولذلك فإن أكثر من نصف الزيادة في الواردات غير البترولية (55.2%) كانت سلعًا وسيطة تدخل المصانع، وليست سلعًا استهلاكية ترفيهية. بمعنى آخر: جزء كبير من العجز هو «عجز النمو» — ثمن طبيعي لاقتصاد يتوسع صناعيًا.

أما البند الثاني — عجز ميزان دخل الاستثمار البالغ 21.2 مليار دولار (+33.8%) — فيعكس تحويلات أرباح الشركات الأجنبية العاملة في مصر إلى الخارج، إلى جانب فوائد الدين الخارجي. وهو بند يتسع عادة عندما ينجح الاقتصاد في جذب استثمارات: كلما زاد الاستثمار الأجنبي المباشر (18 مليار دولار هذا العام)، زادت لاحقًا الأرباح المُحوَّلة للخارج. إنه بمعنى ما «ضريبة النجاح».

وفي المقابل، لعبت التحويلات القياسية (47.3 مليار دولار) دور صمام الأمان الحقيقي. فالمصريون في الخارج — خاصة في الخليج — ضخوا ما يعادل أكثر من ضعف عجز الحساب الجاري تقريبًا، ولولا هذا التدفق لكان الجنيه تحت ضغط لا يُحتمل.

ماذا يعني ذلك للجنيه والدولار والأسعار في السوق؟

عجز الحساب الجاري يعني ببساطة أن مصر أنفقت على العالم الخارجي (واردات وأرباح وفوائد) أكثر مما كسبت منه (صادرات وسياحة وتحويلات وقناة) بفارق 22.5 مليار دولار. وهذا الفارق يجب تمويله من مكان ما — وقد تم تمويله هذا العام عبر الاستثمار الأجنبي المباشر والأموال الساخنة (23.2 مليار دولار)، وهو ما يفسر وصول احتياطي النقد الأجنبي إلى مستوى قياسي بلغ 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر بدلًا من استنزافه.

المعادلة إذن مستقرة «حاليًا»: التدفقات الرأسمالية تغطي عجز المعاملات الجارية بفائض. لكن حساسية هذه المعادلة تكمن في أن جزءًا من التمويل — استثمارات المحافظ المالية (4.2 مليار دولار) — متحرك بطبيعته ويتأثر بشهية المخاطرة العالمية وقرارات الفيدرالي الأمريكي. أي موجة خروج مفاجئة للأموال الساخنة ستضع العبء كاملًا على الاحتياطي وعلى سعر الصرف.

أما على المدى المتوسط، فالرسالة للمركزي واضحة: الفجوة التجارية البالغة 64.8 مليار دولار هي التحدي البنيوي الأول. وكل مليار دولار إضافي من إيرادات قناة السويس مع استمرار تعافي الملاحة، وكل نمو في الصادرات الصناعية، يضيق هذه الفجوة مباشرة. تثبيت وكالة ستاندرد آند بورز تصنيف مصر السيادي عند B بنظرة مستقرة قبل أيام يعكس ثقة المؤسسات الدولية في قدرة مصر على إدارة هذه المعادلة — لكنه ثقة مشروطة باستمرار التدفقات.

تحليل الفلوس

هناك مفارقة تستحق التوقف عندها: عامٌ سجلت فيه مصر أرقامًا قياسية في التحويلات (47.3 مليار دولار)، وتعافت فيه قناة السويس، وانتعشت السياحة، وجذب 18 مليار دولار استثمارًا أجنبيًا مباشرًا — ومع ذلك اتسع عجز الحساب الجاري 46%. هذه ليست مفارقة في الحقيقة، بل هي البصمة البنيوية للاقتصاد المصري: نموذج نمو «كثيف الاستيراد». كل نقطة نمو في الناتج المحلي تسحب معها واردات من الخامات والطاقة والمعدات، لأن القاعدة الإنتاجية المحلية لم تصل بعد إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في مدخلات الصناعة. النمو حقيقي (5.1%)، لكن فاتورته تُدفع بالدولار مقدمًا، بينما عائداته — صادرات صناعية تنافسية — تحتاج سنوات لتتحقق.

الخبر الجيد أن التمويل متوفر ومتنوع هذه المرة: استثمار مباشر حقيقي (وليس أموالًا ساخنة فقط)، وتحويلات مستقرة من جاليات لا تهرب عند أول اضطراب، واحتياطي قياسي يمنح المركزي مساحة مناورة. والخبر الذي يستحق المتابعة هو عودة الأموال الساخنة بصافي 4.2 مليار دولار بعد موجات خروج سابقة — فهذه الأموال صوّتت بثقة على استقرار الجنيه وسياسة المركزي، لكنها أول من يغادر عند أي اهتزاز عالمي. معادلة مصر الخارجية اليوم إذن ليست في أزمة، لكنها في «توازن دقيق» يحتاج إدارة يومية.

ما الذي نراقبه في الشهور المقبلة؟ أربعة مؤشرات ستحسم اتجاه القصة: أولًا، بيانات الربع الأول من السنة المالية الجديدة 2026/2027 — هل يستمر اندفاع الواردات الوسيطة أم كان إعادة تخزين لمرة واحدة؟ ثانيًا، مسار تعافي قناة السويس مع استمرار التوترات في البحر الأحمر وباب المندب — فكل مليار دولار إضافي من رسوم العبور يضيّق الفجوة مباشرة. ثالثًا، شهية المخاطرة العالمية ومسار الفيدرالي الأمريكي — فهي تحدد بقاء الأموال الساخنة أو رحيلها. ورابعًا، فاتورة الطاقة: فجوة مصر البترولية هي التسرب البنيوي الأخطر في الميزان، وعلاجها الحقيقي ليس في ترشيد الاستهلاك وحده، بل في عودة إنتاج الغاز المحلي إلى مستوياته — وهو الملف الذي ستكشف عنه بيانات الشهور المقبلة.

المصدر: البيان الرسمي للبنك المركزي المصري عن ميزان المدفوعات للسنة المالية 2025/2026، كما نقلته رويترز اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026 (يُنسب لرويترز دائمًا)، والتفاصيل الرقمية عبر تغطية بنوك 24 (bnok24.com) وفيديوهات البنوك (febanks.com) للبيان.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img