أغلقت وول ستريت تعاملات يوم الخميس 15 أكتوبر 2026 على ارتفاع جماعي قادته الأسهم الدفاعية والاستهلاكية، في جلسة واصل فيها المستثمرون الخروج المنظم من أسهم التكنولوجيا والرقائق نحو قطاعات أكثر أمانًا، رغم بيانات تضخم جملة جاءت أسخن من كل التوقعات، ورغم عائدات سندات لا تزال تحوم قرب أعلى مستوياتها منذ عقود.
أرقام الإغلاق: داو يسرق الأضواء
قفز مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 556.21 نقطة، أي بنسبة 1.08%، ليغلق عند 52177.69 نقطة، مدعومًا بمكاسب أسهم مثل نايكي وسيلزفورس وهوم ديبوت ووول مارت وميرك. وارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بمقدار 25.12 نقطة أو 0.33% إلى 7744.06 نقطة، بينما اكتفى مؤشر ناسداك المركب بمكسب هامشي قدره 20.16 نقطة أو 0.08% عند 26713.03 نقطة، بعد أن كان منخفضًا بأكثر من 1% في التعاملات المبكرة، في ارتداد متأخر أنقذه من جلسة خاسرة جديدة.
ويأتي إغلاق الخميس بعد جلسة أربعاء قاسية خسر فيها ناسداك 1.88% وستاندرد آند بورز 1.11%، في أسوأ يوم للسوق منذ يوليو، عقب صدور تضخم أسعار المستهلكين لشهر سبتمبر عند 3.7% على أساس سنوي، وهو ما أعاد بقوة سيناريو رفع جديد للفائدة الأمريكية إلى طاولة التداول.
تضخم الجملة يفاجئ ولا يكسر السوق
قبل جرس الافتتاح يوم الخميس، صدرت بيانات أسعار المنتجين لشهر سبتمبر لتضيف وقودًا جديدًا لمخاوف التضخم: ارتفاع شهري قدره 1.3% وسنوي قدره 6.3%، وهو الأسرع منذ عام 2022، مقابل توقعات كانت عند 0.6% شهريًا و5.5% سنويًا. لكن السوق، على نحو لافت، لم تنهر أمام الرقم؛ فقد جاءت مبيعات التجزئة أقوى من التوقعات بارتفاع 0.8%، أي ضعف التقديرات، واستقرت طلبات إعانة البطالة الأسبوعية عند 199 ألف طلب، أقل قليلًا من المتوقع، وهي أرقام رسمت صورة اقتصاد لا يزال ينمو بثبات بينما يرفض التضخم التراجع نحو مستهدف الفيدرالي.
وعلى إثر البيانات، بات المتعاملون، وفق أداة فيد ووتش التابعة لمجموعة سي إم إي، يرون احتمالًا يقترب من 29% لرفع الفائدة في اجتماع 27 و28 أكتوبر، واحتمالًا يقترب من 88% لرفع واحد على الأقل بحلول اجتماع ديسمبر. ومع ذلك تراجعت عوائد السندات يوم الخميس مع إقبال على شراء الخزانة كملاذ من تقلب الأسهم، ليهبط عائد العشر سنوات إلى حدود 5.1% وعائد الثلاثين عامًا إلى نحو 5.4%، وهو التراجع الذي منح الأسهم الحساسة للفائدة، مثل بناة المساكن وتجار التجزئة، متنفسًا واضحًا.
الرقائق: ثامن جلسة نزيف وصدمة آسيوية
القصة الأعمق في جلسة الخميس كانت استمرار انهيار أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي. فقد واصل مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات خسائره متجهًا نحو جلسة هبوط ثامنة على التوالي، وهي أطول سلسلة خسائر منذ عام 2008، وسط قلق متنامٍ من حجم الديون التي راكمتها شركات بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومن بطء تحويل الإنفاق الضخم إلى إيرادات. وهبط سهم كور ويف بنحو 2% إضافية يوم الخميس بعد تراجع حاد من رقمين في جلسة الأربعاء، بينما امتدت عدوى البيع إلى آسيا بصورة عنيفة، إذ هوى مؤشر كوسبي الكوري بنحو 8% ونيكاي الياباني بنحو 5% في تعاملات الخميس.
وفي المقابل، كانت رهانات التناوب تعمل بكامل قوتها: أموال تخرج من أسماء النمو المرتفعة التقييم إلى الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية والأسهم الدفاعية، وهو سلوك يفسر كيف يصعد داو جونز بأكثر من 550 نقطة في اليوم نفسه الذي تنزف فيه الرقائق للجلسة الثامنة.
ماذا ينتظر المستثمرون في جلسة الجمعة؟
تتجه أنظار السوق في جلسة الجمعة إلى حزمة بيانات أمريكية جديدة تشمل أسعار الاستيراد والتصدير والإنتاج الصناعي لشهر سبتمبر، إضافة إلى أي تصريحات مرتقبة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي قبل دخول فترة الصمت التي تسبق اجتماع 27 و28 أكتوبر. وسيراقب المتعاملون بصفة خاصة ما إذا كانت أسهم الرقائق ستجد قاعًا بعد ثماني جلسات من النزيف، أم أن غياب المشترين عند التراجعات، وهو ما حذرت منه بيوت أبحاث كبرى هذا الأسبوع، سيطيل أمد التصحيح. كما تتابع السوق نتائج أعمال البنوك والشركات الكبرى في موسم أرباح الربع الثالث، فحتى الآن جاءت نتائج القطاع المصرفي داعمة للمعنويات وساعدت المؤشرات العامة على تجاهل صدمتي التضخم المتتاليتين في يومين.
ومن المهم وضع جلسة الخميس في سياقها الأوسع: فالمؤشرات الرئيسية لا تزال قريبة من مستويات قياسية رغم كل العناوين المخيفة، وعائد سندات عند 5% لم يعد وحده كافيًا لإخراج الأموال من الأسهم كما كان يحدث في دورات سابقة، لأن أرباح الشركات، وخاصة خارج قطاع التكنولوجيا، ما زالت تنمو بوتيرة معقولة. لكن هامش الأمان تقلص بوضوح؛ فأي مفاجأة سلبية جديدة، سواء في بيانات الجمعة أو في لهجة الفيدرالي، ستجد سوقًا أقل صبرًا مما كانت عليه قبل أسبوع واحد فقط.
تحليل الفلوس
إغلاق الخميس يقول إن وول ستريت لم تعد سوقًا واحدة بل سوقين يتحركان في اتجاهين: سوق اقتصاد حقيقي يراهن على نمو ثابت ومستهلك أمريكي لا يزال ينفق، وسوق ذكاء اصطناعي يعيد المستثمرون تقييم ديونه وتوقعاته بعد سنوات من الاندفاع. الخطر الحقيقي ليس في هبوط الرقائق وحده، بل في أن يتحول تشكك المستثمرين في عوائد الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى عدوى أوسع تسحب معها المؤشرات العامة، خاصة إذا قرن الفيدرالي رفعًا جديدًا للفائدة في نهاية أكتوبر بهذا المشهد المضطرب أصلًا.
بالنسبة للأسواق الناشئة ومنها مصر، فإن تناوب المستثمرين داخل وول ستريت نفسها أهون بكثير من خروجهم من الأصول الخطرة عمومًا؛ فحتى الآن لم نشهد هروبًا واسعًا من أذون الخزانة في الأسواق النامية، بل إعادة ترتيب داخل الأسهم الأمريكية. لكن استمرار عائد العشر سنوات الأمريكية فوق 5% يبقي المنافسة شرسة على أموال المحافظ العالمية، ويعني أن أدوات الدين المصرية ستظل مطالبة بعوائد مرتفعة لاستبقاء حائزيها الأجانب. الأسبوع المقبل سيحمل اختبارًا مزدوجًا: تصريحات رئيس الفيدرالي كيفن وارش، وبيانات أمريكية جديدة، وأي إشارة منهما نحو رفع أكيد في أكتوبر قد تحوّل تناوبًا هادئًا إلى موجة بيع أوسع تتجاوز حدود التكنولوجيا.







