اتفقت مصر على استلام نحو 42 شحنة من شحنات الغاز المسال خلال الربع الأخير من عام 2026، بتكلفة تقديرية تقترب من 2.5 مليار دولار، في خطوة تستهدف تأمين احتياجات السوق المحلية من الطاقة وتقليص الفجوة القائمة بين الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي وحجم الاستهلاك الفعلي. وبحسب ما نقلته «العربية Business» عن مصدر مسؤول، ونشرته جريدة حابي اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026، فإن الشحنات المتفق عليها تغطي الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر، وستصل تباعًا وفق جدول زمني مرن يراعي تطورات الطلب المحلي ومعدلات استهلاك الغاز في قطاعي الكهرباء والصناعة.
الاتفاق الجديد يعكس حجم التحدي الذي تواجهه منظومة الطاقة في مصر خلال الشهور الأخيرة من العام. فالإنتاج المحلي يدور حاليًا حول 3.8 مليار قدم مكعبة يوميًا، بينما يبلغ الاستهلاك المعتاد نحو 6.2 مليار قدم مكعبة يوميًا، ويرتفع في ذروة الصيف إلى قرابة 7.2 مليار قدم مكعبة يوميًا. هذه الفجوة، التي تتجاوز ملياري قدم مكعبة في الأيام العادية، لا يمكن سدها إلا بالاستيراد، سواء عبر خطوط الأنابيب أو عبر شحنات الغاز الطبيعي المسال التي تُعاد تغويزها وضخها في الشبكة القومية.
شحنات الغاز المسال توفر حتى 2.2 مليار قدم مكعبة يوميًا
قال المصدر المسؤول لـ«العربية Business» إن الشحنات المستهدف استيرادها خلال الربع الأخير ستوفر إمدادات تتراوح بين ملياري قدم مكعبة و2.2 مليار قدم مكعبة يوميًا. هذا الرقم يعني عمليًا أن الواردات المسالة ستغطي وحدها أكثر من ثلث احتياجات السوق المحلية خلال الشهور الثلاثة، وستشكل صمام الأمان الرئيسي لاستمرار تشغيل محطات الكهرباء التقليدية والمصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة دون انقطاعات أو تخفيضات في الأحمال.
ويبلغ متوسط حمولة الشحنة الواحدة نحو 150 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، وهو الحجم المعتاد لناقلات الغاز الكبيرة التي تستقبلها سفن التغويز الراسية في الموانئ المصرية. وبضرب هذا المتوسط في عدد الشحنات المتفق عليها، تصل الكميات الإجمالية إلى نحو 6.3 مليون متر مكعب من الغاز المسال خلال ربع واحد فقط، وهو حجم يعكس اعتمادًا متناميًا على السوق العالمية لتأمين وقود لا غنى عنه للكهرباء والصناعة والأسمدة والبتروكيماويات.
الجدول الزمني المرن للتسليم نقطة مهمة في الاتفاق. فالطلب على الغاز لا يتحرك في خط مستقيم؛ يرتفع مع موجات الحر المتأخرة ويتراجع نسبيًا في الأيام المعتدلة، كما يتأثر بمعدلات تشغيل المصانع ومواعيد الصيانة الدورية لمحطات الكهرباء. لذلك جاءت التعاقدات بصيغة تسمح بتقديم شحنة أو تأخير أخرى بحسب الاحتياج الفعلي، بدلًا من جدول صارم قد يفرض استلام كميات فائضة أو يترك السوق مكشوفًا في أسابيع الذروة.
سعر الغاز المسال يتجاوز 25 دولارًا.. ضعف مستوى العام الماضي
المشكلة الأكبر في الاتفاق الجديد ليست الكميات، بل السعر. فقد قدّر المصدر تكلفة تدبير الشحنات بنحو 2.5 مليار دولار، في ظل قفزة أسعار الغاز الطبيعي المسال في الأسواق العالمية إلى أكثر من 25 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. هذا المستوى يتجاوز ضعف متوسط الأسعار المسجل في الفترة المماثلة من العام الماضي، حين دارت الأسعار حول 12 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية فقط.
بمعنى أبسط: مصر تشتري اليوم الكمية نفسها تقريبًا بضعف الثمن الذي دفعته قبل عام. فإذا كانت حمولة الشحنة الواحدة تُقدَّر حاليًا بنحو 59 مليون دولار في المتوسط، وفق قسمة إجمالي التكلفة على عدد الشحنات، فإن الجزء الأكبر من هذه الزيادة لا يعود إلى توسع في الاستهلاك، بل إلى موجة غلاء عالمية تغذّيها التوترات والأزمات الإقليمية وتأثيرها المباشر على توازنات العرض والطلب في سوق الغاز الدولية.
وتتنافس أوروبا وآسيا على الشحنات الفورية نفسها، خصوصًا مع اقتراب موسم الشتاء في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، حين يرتفع الطلب على التدفئة وتشتد المنافسة على كل شحنة متاحة. في هذه الظروف يجد المستورد المصري نفسه مضطرًا للقبول بأسعار السوق الفورية المرتفعة، لأن البديل — نقص الغاز عن محطات الكهرباء — أخطر اقتصاديًا واجتماعيًا من فاتورة الاستيراد مهما ارتفعت.
أمريكا المورد الرئيسي.. وكميات من موريتانيا وأسواق أخرى
أشار المصدر إلى أن الولايات المتحدة ستكون المورد الرئيسي لشحنات الغاز المسال الجديدة، إلى جانب كميات من موريتانيا وأسواق دولية أخرى. هذا التوزيع يعكس سياسة معلنة لتنويع مصادر الإمداد وتقليل مخاطر الاعتماد على مورد واحد، وتعزيز مرونة منظومة الطاقة المصرية في مواجهة التقلبات الجيوسياسية واضطرابات الأسواق العالمية، إذ إن أي تعطل في مصدر وحيد كان سيضع الشبكة كلها تحت ضغط فوري.
صعود الولايات المتحدة إلى صدارة موردي الغاز المسال عالميًا خلال السنوات الأخيرة جعلها الخيار الطبيعي لأي مستورد يبحث عن كميات كبيرة بمواعيد تسليم مرنة. أما دخول موريتانيا على خط الإمداد فيحمل دلالة إضافية، إذ يعكس توسع خريطة منتجي الغاز في غرب إفريقيا وانفتاح القاهرة على شراكات طاقة أفريقية جديدة، حتى لو ظلت الحصص الأمريكية هي الأكبر في التعاقدات الحالية.
الإنتاج المحلي عند 3.8 مليار قدم.. وهدف 5.1 مليار في 2028
لا يمكن قراءة اتفاق الشحنات بمعزل عن مسار الإنتاج المحلي. فمصر التي صدّرت الغاز المسال قبل سنوات قليلة تحوّلت إلى مستورد صافٍ بعد تراجع إنتاج الحقول القائمة، وعلى رأسها الحقول البحرية الكبرى، مقابل نمو مطّرد في الاستهلاك المحلي مدفوعًا بزيادة عدد السكان واتساع قاعدة الصناعة واعتماد محطات الكهرباء على الغاز وقودًا رئيسيًا.
وبحسب التغطيات المنشورة اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026، تستهدف مصر رفع إنتاجها المحلي إلى نحو 5.1 مليار قدم مكعبة يوميًا بحلول عام 2028، عبر تكثيف أعمال البحث والاستكشاف في البحر المتوسط ودلتا النيل والصحراء الغربية، وتسريع ربط الاكتشافات الجديدة على الإنتاج، ووقف التراجع الطبيعي في إنتاجية الحقول القديمة ببرامج صيانة وحفر آبار إنمائية. وحتى يتحقق هذا الهدف، تؤكد الخطط الرسمية نفسها أن استيراد الغاز المسال سيستمر خلال السنوات المقبلة، بدرجات متفاوتة بحسب سرعة تعافي الإنتاج.
هذا يعني أن اتفاق الربع الأخير ليس إجراءً استثنائيًا لمرة واحدة، بل حلقة في سلسلة تعاقدات ستمتد ما دامت الفجوة قائمة بين إنتاج عند 3.8 مليار قدم مكعبة واستهلاك يتجاوز 6 مليارات قدم مكعبة يوميًا. وكل ربع سنة يمر دون قفزة حقيقية في الإنتاج المحلي يضيف مليارات جديدة إلى فاتورة الواردات البترولية، ويزيد حساسية الموازنة العامة لأي موجة غلاء عالمية جديدة.
تحليل الفلوس
الرقم الذي يجب أن يتوقف عنده القارئ ليس 42 شحنة، بل 2.5 مليار دولار في ثلاثة شهور فقط، وبسعر يتجاوز ضعف سعر العام الماضي. مصر لا تدفع هنا ثمن كميات إضافية بقدر ما تدفع ثمن التوقيت والسوق؛ فحين يتحرك سعر المليون وحدة حرارية من 12 إلى أكثر من 25 دولارًا، تتضخم الفاتورة تلقائيًا حتى لو ثبت الاستهلاك. هذا الضغط يظهر سريعًا في بند دعم الطاقة بالموازنة، ويضيّق المساحة المتاحة أمام الحكومة، ويضيف عبئًا على الحصيلة الدولارية في وقت تتقاطع فيه الضغوط من أكثر من اتجاه، كما بدا في ضغوط الأسواق في مستهل تعاملات اليوم من قفزة في سعر الدولار وتراجع في البورصة.
في المقابل، يحمل الاتفاق جانبًا لا يمكن تجاهله: أمن الكهرباء. تكلفة انقطاع التيار عن المصانع والمنازل، كما عرفها المصريون في صيفات سابقة، أعلى بكثير من فارق السعر في الشحنات، سواء بخسائر الإنتاج أو بتآكل الثقة في مناخ الاستثمار. لذلك يبدو خيار الاستيراد الغالي قرارًا اضطراريًا عقلانيًا في المدى القصير، لكنه لا يصلح استراتيجية دائمة. فكل دولار يُنفق على غاز مستورد بسعر فوري مرتفع هو دولار لا يذهب إلى حفر بئر جديدة أو تسريع تنمية اكتشاف قائم، وهنا مكمن الخطر الحقيقي إذا طال أمد الاعتماد على السوق الفورية.
ما يجب متابعته في الأسابيع المقبلة ثلاثة أمور: أولها مسار الطلب الشتوي، فشتاء أبرد من المعتاد في أوروبا سيدفع الأسعار العالمية لمزيد من الارتفاع ويرفع كلفة أي شحنات إضافية تضطر مصر لتدبيرها خارج الاتفاق. وثانيها مؤشرات تعافي الإنتاج المحلي، وأي زيادة ملموسة فوق مستوى 3.8 مليار قدم مكعبة يوميًا ستخفف مباشرة حجم التعاقدات المقبلة. وثالثها اتجاه أسعار الغاز المسال عالميًا؛ فإذا تراجعت الأسعار مع انحسار التوترات الإقليمية، ستنخفض فاتورة الربع الأول من 2027 حتى مع ثبات الكميات. حتى تتضح هذه المسارات، ستظل شحنات الغاز المسال هي الجسر الذي تعبر عليه مصر من إنتاج متراجع إلى هدف 5.1 مليار قدم مكعبة في 2028، وهو جسر مكلف لكن لا بديل عنه الآن.







