أعلنت سبيس إكس مساء الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، بعد إغلاق بورصة ناسداك، نتائج الربع الثالث من العام، لتسجل أرباح سبيس إكس أول ربع مربح بقوة منذ الطرح العام الأولي في يونيو الماضي. قفزت الإيرادات إلى 14.58 مليار دولار، بزيادة 161% عن 5.576 مليار دولار في الربع نفسه من العام الماضي، متجاوزة توقعات المحللين التي تراوحت بين 12.7 و12.9 مليار دولار. وتحولت الشركة من خسارة صافية تراوحت بين 1.05 و1.1 مليار دولار قبل عام إلى صافي ربح بلغ 4.40 مليار دولار، في تحول يقترب من 5.5 مليار دولار خلال اثني عشر شهرا فقط، وفق بيان النتائج المودع لدى هيئة الأوراق المالية الأمريكية في نموذج 8-K وتغطية موقع تسلاراتي المتخصص.
بلغ الدخل من العمليات 2.79 مليار دولار، مقابل خسارة تشغيلية قدرها 0.27 مليار دولار قبل عام، بينما قفزت الأرباح المعدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك إلى 8.81 مليار دولار، بزيادة 306% عن 2.17 مليار دولار. وسجلت ربحية السهم المخففة 0.35 دولار، مقابل خسارة 0.36 دولار للسهم قبل عام، فيما بلغت ربحية السهم الأساسية 0.37 دولار. وجاءت ربحية السهم أعلى بكثير من توقعات السوق التي دارت حول 0.13 إلى 0.16 دولار، وهو ما دفع سهم الشركة المدرج في ناسداك تحت الرمز SPCX إلى الصعود في تعاملات ما بعد الإغلاق، قبل مؤتمر هاتفي مقرر في الرابعة والنصف مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة.
أرباح سبيس إكس تأتي من الذكاء الاصطناعي أولا
المفاجأة الأكبر في الأرقام لم تكن الصواريخ ولا الأقمار الصناعية، بل قطاع الذكاء الاصطناعي الذي أعيدت تسميته ليصبح سوبر إنتليجنس. حقق القطاع إيرادات بلغت 7.56 مليار دولار، بزيادة 830% على أساس سنوي، ليصبح للمرة الأولى أكبر قطاعات الشركة على الإطلاق، متقدما على الاتصالات والفضاء معا. وحقق القطاع ربحا تشغيليا قدره 431 مليون دولار، مقابل خسارة تشغيلية بلغت 1.72 مليار دولار قبل عام، في تحول يعكس انتقال النشاط من مرحلة بناء النماذج وحرق السيولة إلى مرحلة بيع القدرة الحاسوبية بعقود طويلة.
قادت اتفاقات الخدمات السحابية هذا النمو، إذ تبيع سبيس إكس قدرة مراكز البيانات والحوسبة لشركات ومطورين يحتاجون إلى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. وأضافت صفقة الاستحواذ على شركة كيرسر، التي أغلقت في 14 أغسطس الماضي بقيمة ضمنية للأسهم بلغت 60 مليار دولار، نحو 608 ملايين دولار من الإيرادات خلال الربع. كما استفاد القطاع من نماذج جروك ومن إطلاق وكيل جروك بوت الجديد، بينما ارتفعت القدرة الحاسوبية الاسمية إلى 1.7 جيجاواط بنهاية الربع، مقابل 1.4 جيجاواط في يونيو و0.6 جيجاواط فقط قبل عام، وهي أرقام تشرح حجم البنية التحتية التي تبنيها الشركة بوتيرة لا تنافسها فيها شركات كثيرة.
ستارلينك تواصل النمو رغم تراجع متوسط العائد
في قطاع الاتصالات، الذي تقوده خدمة الإنترنت الفضائي ستارلينك، بلغت الإيرادات 5.25 مليار دولار، بزيادة 69% على أساس سنوي، وحقق القطاع دخلا تشغيليا قدره 2.37 مليار دولار، بزيادة 99%. وصل عدد مشتركي الخدمة من الأفراد إلى 13.6 مليون مشترك، بزيادة 1.6 مليون مشترك خلال ربع واحد، ونحو 89% مقارنة مع 7.2 مليون مشترك قبل عام. هذا الانتشار يمتد الآن إلى أسواق في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، حيث تطرح الشركة باقات أرخص لجذب مستخدمين جدد في مناطق تعاني ضعف البنية الأرضية.
الثمن الظاهر لهذا التوسع هو تراجع متوسط العائد الشهري من المشترك الفرد إلى 69 دولارا، مقابل 83 دولارا في فترات سابقة، لأن جزءا من النمو جاء من خطط أقل سعرا وأسواق ذات قدرة شرائية أقل. في المقابل، نمت إيرادات المؤسسات والحكومات بنسبة 91% لتصل إلى 2.13 مليار دولار، وأصبحت أكثر من 3800 طائرة مجهزة بخدمة ستارلينك، ما يعوض جزئيا ضغط الأسعار في سوق الأفراد ويمنح القطاع قاعدة إيرادات أكثر تنوعا بين الأفراد والشركات والطيران والجهات الحكومية.
قطاع الفضاء وستارشيب يدخلان مرحلة الإيراد
سجل قطاع الفضاء إيرادات بلغت 1.77 مليار دولار، بزيادة متواضعة قدرها 6% على أساس سنوي. نفذت الشركة 35 عملية إطلاق خلال الربع، منها 12 إطلاقا لعملاء خارجيين و23 إطلاقا داخليا لنشر أقمار ستارلينك، وهو عدد أقل من 44 إطلاقا في الربع المقابل من العام الماضي. الرقم الأهم تاريخيا جاء من رحلة ستارشيب رقم 14، التي أصبحت أول مهمة مدارية لصاروخ ستارشيب تحقق إيرادا فعليا، بعدما نشرت 26 قمرا من الجيل الثالث V3، بقدرة تنزيل بيانات تعادل نحو عشرة أضعاف ما يوفره إطلاق واحد بصاروخ فالكون 9.
على صعيد الإنفاق، بلغت النفقات الرأسمالية 19.6 مليار دولار خلال الربع وحده، منها 16.4 مليار دولار موجهة إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، أي أكثر من إجمالي إيرادات الشركة في الربع نفسه. ورغم هذا الإنفاق الضخم، احتفظت سبيس إكس بنحو 89.9 مليار دولار من النقد والأوراق المالية القابلة للتداول، وهو احتياطي يمنحها قدرة على مواصلة التوسع دون العودة السريعة إلى أسواق الدين أو الأسهم. هذه المعادلة، إنفاق رأسمالي يفوق الإيرادات وسيولة تقترب من 90 مليار دولار، هي قلب الجدل الدائر في الأسواق العالمية حول جدوى سباق الذكاء الاصطناعي.
يأتي إعلان النتائج في يوم صعب على أسهم التكنولوجيا، إذ هزت مخاوف ديون الذكاء الاصطناعي أسواق آسيا في وقت سابق من اليوم، كما تعرض مؤشر ناسداك لضغوط في تعاملات الثلاثاء، وهو سياق يتابعه موقع الفلوس في تغطيته لحركة الأسواق العالمية وتراجع أسهم الرقائق.
تحليل الفلوس
ما فعلته سبيس إكس في هذا الربع أنها حولت قصة الخوف من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى قصة تحقيق دخل منه. الأسواق تخشى منذ أشهر أن تنفق شركات التكنولوجيا مئات المليارات على مراكز البيانات والرقائق دون عائد قريب، وهو الخوف نفسه الذي غذى موجة بيع أسهم الذكاء الاصطناعي في آسيا اليوم وضغط على ناسداك. سبيس إكس أنفقت 19.6 مليار دولار في ربع واحد، لكنها أظهرت في المقابل إيرادات ذكاء اصطناعي بقيمة 7.56 مليار دولار نمت بنسبة 830%، وربحا تشغيليا للقطاع بعد خسارة 1.72 مليار دولار قبل عام. الرسالة للمستثمر ليست أن الإنفاق توقف، بل أن الإنفاق بدأ يجد مشترين يدفعون مقابله.
مع ذلك، التوتر لم ينته. النفقات الرأسمالية ما زالت أكبر من الإيرادات، ومتوسط عائد مشترك ستارلينك يتراجع مع دخول أسواق أرخص، وقطاع الفضاء نفسه نما بنسبة 6% فقط. المستثمر الذي اشترى السهم بعد الطرح يراهن على أن عقود الحوسبة السحابية واشتراكات ستارلينك ستستمر في النمو بالوتيرة نفسها لتبرير هذا الإنفاق، وأي تباطؤ في توقيع عقود جديدة أو في نمو المشتركين سيعيد فتح ملف حرق السيولة بقسوة. الفارق الآن أن الشركة تملك 89.9 مليار دولار سيولة وصافي ربح فعليا، ما يمنحها وقتا لا تملكه شركات أصغر دخلت سباق الذكاء الاصطناعي بالاقتراض.
ما يجب متابعته في الأيام المقبلة واضح: نتائج ميتا وتسلا غدا الأربعاء 21 أكتوبر ستختبر شهية السوق لقصص الإنفاق الرأسمالي نفسها، فإذا جاءت إيرادات الذكاء الاصطناعي والسحابة قوية لديهما أيضا، قد تهدأ مخاوف فقاعة الإنفاق ويعود الهدوء إلى أسهم الرقائق والتكنولوجيا في آسيا والولايات المتحدة. أما إذا خيبت النتائج، فستبقى أرباح سبيس إكس استثناء لامعا في موسم نتائج متوتر، لا بداية لانفراجة عامة. بالنسبة للمستثمر المصري المتابع للأسواق العالمية، الدرس العملي هو التمييز بين شركات تنفق على الذكاء الاصطناعي ولديها إيرادات مثبتة وسيولة ضخمة، وشركات تنفق بالأمل وحده، لأن السوق بدأ يعاقب النوع الثاني بلا رحمة.







