أسواق آسيا تنزف بسبب مخاوف ديون الذكاء الاصطناعي: كوسبي يهبط 3.9% وسهم شركة ناشئة ينهار 32% في أول أيام تداوله

Published:

تراجعت أسواق آسيا بشكل جماعي يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، في موجة بيع واسعة قادتها مخاوف جديدة من طريقة تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي بالديون، بعدما انهار سهم شركة كورية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بنسبة 32% في أول أيام تداوله، وسجل مؤشر كوسبي الكوري هبوطًا حادًا بلغ 3.92%، وفق ما نقلته وكالة رويترز من طوكيو. لم تكن الخسائر مقصورة على سيول وحدها، بل امتدت إلى طوكيو ومعظم بورصات المنطقة، بينما فتحت أوروبا تعاملاتها على تراجع، وبقي النفط قرب 110 دولارات للبرميل ليضيف ضغطًا آخر على توقعات التضخم وأسعار الفائدة.

وبحسب رويترز، انخفض مؤشر إم إس سي آي لأسهم آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان بنسبة 1.14%، وتراجع نيكاي 225 الياباني بنسبة 0.98%، بينما أشارت نشرات إغلاق أخرى إلى هبوط نيكاي بين 1.3% و1.4% حول 63,980 إلى 64,075 نقطة، وهو أدنى مستوى في شهر. أما الضربة الأقوى فكانت في كوريا الجنوبية، حيث هوى كوسبي بنسبة 3.92% وفق رويترز، وذكرت بعض النشرات تراجعًا يصل إلى 4.3% قرب 5,521 نقطة.

أسواق آسيا تحت ضغط أسهم الذكاء الاصطناعي

القصة هذه المرة لا تتعلق بأرباح ضعيفة، بل بكلفة التمويل. شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات تنفق مئات المليارات على الرقائق والخوادم والطاقة، وجزء متزايد من هذا الإنفاق يأتي من الاقتراض وإصدار السندات، لا من التدفقات النقدية وحدها. وحين يحسب المستثمر حجم الدين المطلوب لاستكمال هذه المشروعات، تتغير نظرته: نفس الشركة التي كانت تُشترى على وعد النمو، تُباع على سؤال بسيط، من سيدفع الفاتورة، ومتى يأتي العائد؟

نقلت رويترز عن كريس ويستون، رئيس الأبحاث في بيبرستون، أن الأسواق مستعدة لتغطية مراكز البيع على المكشوف وفك الصفقات الدفاعية، لكن هذا مختلف تمامًا عن وجود قناعة بإعادة بناء انكشاف هجومي كبير على أسهم الذكاء الاصطناعي. تغطية المراكز المكشوفة حركة تكتيكية قصيرة، أما الشراء بقناعة فيعني أن المستثمر يرى الأسعار الحالية فرصة. ويستون يقول عمليًا إن النوع الثاني غير موجود بعد، وإن أي ارتداد قد يكون هشًا ما لم تبرره نتائج الشركات الكبرى هذا الأسبوع.

سهم إيليس ينهار 32% في أول أيام تداوله رغم اكتتاب قياسي

الرمز الأوضح جاء من سيول. شركة إيليس الكورية، العاملة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، هبط سهمها بنحو 32% في أول أيام تداوله في بورصة سيول، رغم أن اكتتابها جذب طلبات من المستثمرين الأفراد تعادل نحو 400 مرة حجم الأسهم المطروحة لهم، وفق ما أوردته رويترز عبر نشرات الأسواق. شركة تفقد ثلث قيمتها في جلستها الأولى صورة يصعب تجاهلها. الطلب على الاكتتاب شيء، والاستعداد للاحتفاظ بالسهم بعد الإدراج شيء آخر تمامًا.

ولم تنج عمالقة الرقائق الكورية من الموجة. تراجع سامسونج إلكترونيكس بنسبة 3.2%، وهبط إس كيه هاينكس بنسبة 4.7%، لتصل خسائر السهمين من قمتيهما إلى نحو 40% لسامسونج و56% لإس كيه هاينكس، رغم أرباح قياسية تحققها الشركتان. هذه المفارقة هي قلب الأزمة: النتائج قوية، لكن التقييمات بُنيت على استمرار إنفاق رأسمالي استثنائي، وأي شك في تمويله يضرب السهم قبل أن يمس الأرباح. في اليابان، تراجع سوفت بنك بنحو 6% في بعض نشرات الإغلاق، بعد تراجع مبكر بنحو 3.3%، بينما قفزت كلفة التأمين على ديون المجموعة إلى أعلى مستوى في أربع سنوات.

العدوى تمتد إلى أوروبا وول ستريت تترقب

في التعاملات الأوروبية المبكرة، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر يورو ستوكس 50 بنسبة 0.57%، وانخفضت عقود داكس الألماني بنسبة 0.33%، وعقود فوتسي البريطاني بنسبة 0.47%، وفق رويترز. في المقابل، ارتفعت العقود المصغرة لمؤشر إس آند بي 500 بنسبة طفيفة بلغت 0.12% إلى 7,743.5 نقطة، وهو تباين يعكس انتظارًا أمريكيًا لنتائج الشركات أكثر منه ثقة. وكانت وول ستريت قد أغلقت يوم الاثنين على أداء متباين: صعد إس آند بي 500 بنسبة 0.41% إلى 7,690.73 نقطة، وقفز ناسداك بنسبة 1.11% إلى 26,430.89 نقطة، بينما تراجع داو جونز بنسبة 0.07% إلى 51,966.03 نقطة.

في سوق العملات، انخفض مؤشر الدولار بنسبة 0.16% إلى 101.80 نقطة، وارتفع اليورو بنسبة 0.17% إلى 1.1229 دولار، وسجل الين 158.24 ين للدولار. ولاحظ ويستون، في تصريحاته لرويترز، أن مخاطر فرنسا السيادية باتت مسعرة في الأسهم الأوروبية، لكن صمود اليورو يشير إلى أن الأمر لم يتحول بعد إلى أزمة نظامية. السوق قلق، لكنه يعيد تسعير مخاطر محددة: ديون الذكاء الاصطناعي، وديون فرنسا، وطاقة غالية. أما النفط، فبقي برنت قرب 110 دولارات للبرميل، ليبقي مخاوف التضخم حية، بينما تراجعت أسهم كور ويف ونيبيوس بنحو 3% لكل منهما في تعاملات ما قبل الافتتاح الأمريكي.

أسبوع حاسم: نتفليكس وسبيس إكس ثم ميتا وتسلا وآي بي إم

توقيت موجة البيع يجعلها أخطر. فالأسواق على موعد مساء الثلاثاء، بعد إغلاق وول ستريت، مع نتائج نتفليكس وسبيس إكس، ثم تعلن ميتا وتسلا وآي بي إم نتائجها يوم الأربعاء. هذه الشركات هي الاختبار العملي لفرضية السوق: هل تنفق شركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي من أرباح حقيقية، أم توسع إنفاقًا ممولًا بالدين سيضغط على الهوامش والتدفقات؟ أي تباطؤ في المشتركين أو الإعلانات أو مبيعات السيارات الكهربائية، مع استمرار رفع الإنفاق الرأسمالي، سيعطي البائعين في آسيا سببًا إضافيًا للاستمرار.

وفوق ذلك يقف الاحتياطي الفيدرالي. التوقعات، وفق ما نقلته رويترز عن أداة فيد ووتش التابعة لمجموعة سي إم إي، تشير إلى تثبيت الفائدة في اجتماع 27 و28 أكتوبر، مع تسعير احتمال بنحو 91% لرفع الفائدة في ديسمبر. مع برنت عند 110 دولارات، يصبح طريق خفض الفائدة ضيقًا، وتصبح الأسهم مرتفعة التقييم، وفي مقدمتها أسهم الذكاء الاصطناعي، أكثر حساسية لأي خبر سلبي.

تحليل الفلوس

هل تصل موجة بيع تبدأ من سيول وطوكيو إلى القاهرة؟ الإجابة المختصرة: ليس عبر البورصة مباشرة، بل عبر قنوات أسرع وأقسى. القناة الأولى هي شهية المخاطرة العالمية. المستثمر الأجنبي الذي يخسر في أسهم آسيا أو يقلق من ديون الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع محفظته كلها، وأدوات الدين المصرية قصيرة الأجل، التي دخلتها أموال ساخنة بعشرات المليارات في الشهور الماضية، من أول الأصول التي تُراجع عند أي اهتزاز عالمي، لأنها سهلة الخروج. مصر عرفت هذا الدرس عمليًا صباح الثلاثاء نفسه، حين قفز الدولار فوق 54.50 جنيه في البنوك على خلفية صافي بيع أجنبي وعربي في سوق الدين الثانوي. فأي تفاقم في موجة آسيا خلال الأيام المقبلة قد يعني ضغطًا إضافيًا على الجنيه وعلى عوائد أذون الخزانة، حتى لو لم يتغير أي عامل محلي.

القناة الثانية هي البورصة المصرية نفسها، لكن باتجاه مختلف. البورصة أغلقت الثلاثاء عند مستوى قياسي فوق 52 ألف نقطة لرأس مال سوقي تجاوز 4 تريليونات جنيه، وهو زخم محلي قوي تغذيه نتائج الشركات والسيولة المحلية. تاريخيًا، البورصة المصرية لا تنهار لمجرد جلسة آسيوية سيئة، لكن معنويات المستثمر الأجنبي فيها تتأثر بالمزاج العالمي، واستمرار النزيف في أسهم التكنولوجيا العالمية قد يدفع الأجانب إلى جني أرباح من مراكزهم الرابحة في القاهرة لتعويض خسائرهم في الخارج. والقناة الثالثة هي النفط: برنت قرب 110 دولارات يعني فاتورة استيراد طاقة أثقل على مصر، وتضخمًا مستوردًا يضغط على البنك المركزي المصري في اجتماعاته المقبلة، وهو العامل المشترك بين قلق آسيا وقلق القاهرة في آن واحد.

ما الذي يجب متابعته الآن؟ ثلاثة أشياء. أولًا نتائج نتفليكس مساء الثلاثاء، ثم ميتا وتسلا وآي بي إم يوم الأربعاء: المطلوب ليس الأرباح وحدها، بل لغة الإدارات عن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وطريقة تمويله، فهي التي ستحرك آسيا صباح اليوم التالي. ثانيًا اجتماع الفيدرالي يومي 27 و28 أكتوبر وأي تغير في تسعير رفع ديسمبر، لأن دولارًا أقوى وفائدة أمريكية أعلى يعنيان خروجًا أسرع للأموال الساخنة من الأسواق الناشئة، ومصر في مقدمتها. وثالثًا إغلاقات كوسبي ونيكاي بقية الأسبوع: إذا تحولت موجة الثلاثاء إلى تصحيح ممتد، فالأثر على مصر سيكون تدريجيًا لكنه حقيقي، أما إذا جاءت النتائج الأمريكية مطمئنة وارتدت آسيا سريعًا، فستبقى جلسة الثلاثاء إنذارًا مبكرًا بأن طفرة الذكاء الاصطناعي، مهما كانت حقيقية تقنيًا، تُبنى اليوم على جبل من الديون لم يختبره أحد بعد.

المصدر: وكالة رويترز، تقرير أسواق آسيا الصادر من طوكيو يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، وبيانات إغلاق وول ستريت وأداة فيد ووتش التابعة لمجموعة سي إم إي كما نقلتها رويترز.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img