هاني توفيق يطالب هشام طلعت مصطفى بترك العقارات والاتجاه إلى الصناعة: «تعبنا من العقارات والمدن الساحلية»

Published:

لم تمر ساعات على إعلان مجموعة طلعت مصطفى توقيع اتفاقيات مع الدولة لتطوير أربعة مشروعات عملاقة باستثمارات مستهدفة تقترب من 11 تريليون جنيه، حتى خرج الخبير الاقتصادي هاني توفيق بمطالبة مباشرة وصريحة لرجل الأعمال هشام طلعت مصطفى بالتحول من العقارات إلى الصناعة، قائلًا في تصريح نقلته صفحة «مصر بيزنس»: «تعبنا من العقارات والمدن الساحلية». الجملة القصيرة لم تمر مرور الكرام، فقد أشعلت جدلًا واسعًا حول مستقبل الصناعة والعقارات في مصر، وحول ما إذا كانت مليارات التطوير العقاري ما زالت هي الطريق الأسرع للربح أم أنها أصبحت عبئًا على اقتصاد يحتاج إلى مصانع ووظائف ودولارات من التصدير.

المنشور الذي نقل تصريح توفيق حصد تفاعلًا لافتًا تجاوز 2800 إعجاب ومئات التعليقات، وانقسم الجمهور بين مؤيد يرى أن السوق تشبع بالمشروعات الساحلية والوحدات الفاخرة التي لا يجد المواطن العادي لها مشتريًا، وبين مدافع عن قطاع التشييد يؤكد أن كل مشروع عقاري ضخم يحرك معه عشرات الصناعات المغذية من الأسمنت والحديد إلى الأثاث والأجهزة. ويمكن الاطلاع على المنشور الأصلي الذي نقل التصريح عبر هذا الرابط.

صفقة الـ11 تريليون التي أشعلت الجدل

جاء تصريح هاني توفيق بعد يوم واحد من انعقاد «منتدى مصر 2026» بالعاصمة الإدارية الجديدة، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث وقعت مجموعة طلعت مصطفى اتفاقًا مع الدولة لتطوير أربعة مشروعات متعددة الاستخدامات بمساحة إجمالية تتجاوز 37 مليون متر مربع، وباستثمارات مستهدفة تقدر بنحو 11 تريليون جنيه، أي ما يعادل 202 مليار دولار تقريبًا. وتقول المجموعة إن المشروعات ستوفر نحو 6 ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وتحقق إيرادات ضريبية مباشرة وغير مباشرة تقترب من 2.4 تريليون جنيه.

يتوزع الاتفاق على أربعة مشروعات كبرى: «نورث مدينتي» شرق القاهرة على مساحة 5 ملايين متر مربع باستثمارات 3.2 تريليون جنيه، ومجتمع عمراني متكامل في الإسكندرية على 11.3 مليون متر مربع بقيمة 1.7 تريليون جنيه، ومشروع أبو قير المجاور للميناء الجديد على 10 ملايين متر مربع باستثمارات 5 تريليونات جنيه ويضم مكونات صناعية ولوجستية وعقارية وسياحية، ثم مشروع الساحل الشمالي بين الكيلو 147 والكيلو 151 على 10.4 مليون متر مربع بقيمة 970 مليار جنيه على غرار مدينة «ساوث ميد». وهي أرقام ضخمة بكل المقاييس، لكنها أثارت في الوقت نفسه سؤال توفيق القديم الجديد: لماذا تذهب كل هذه المليارات إلى الخرسانة والشاليهات، ولا يذهب جزء معتبر منها إلى المصانع؟

لماذا يرى هاني توفيق أن الصناعة أولى من العقارات؟

حجة توفيق، الذي ترأس سابقًا الجمعية المصرية للاستثمار المباشر واعتاد إطلاق تصريحات مثيرة للجدل عبر صفحته الشخصية، تقوم على معادلة بسيطة: العقار يبيع وحدة واحدة مرة واحدة، أما المصنع فينتج ويصدّر ويشغّل عمالة دائمة ويجلب عملة صعبة كل عام. في اقتصاد يعاني ضغطًا مزمنًا على موارد النقد الأجنبي، ويستورد الجزء الأكبر من احتياجاته الصناعية، تبدو الأولوية من وجهة نظره واضحة. ويضيف المؤيدون لهذا الطرح أن وحدات كثيرة في المدن الجديدة والمنتجعات الساحلية تبقى مغلقة معظم شهور السنة، وأن الأسعار قفزت إلى مستويات لا تتناسب مع دخول أغلب الأسر، فتحول العقار من مأوى إلى أصل للمضاربة وحفظ القيمة أكثر منه منتجًا يخدم الاقتصاد الحقيقي.

في المقابل، يرد المدافعون عن القطاع بأن صناعة التشييد نفسها محرك صناعي من الطراز الأول، فهي تستهلك إنتاج مصانع الأسمنت وحديد التسليح والسيراميك والألومنيوم والأخشاب، وتشغّل ملايين العمال في مواقع الإنشاء وما يتصل بها من نقل وخدمات. كما يشيرون إلى أن مشروعات مثل أبو قير تتضمن بالفعل مكونًا صناعيًا ولوجستيًا، وأن المطور الكبير لا يُطلب منه أن يتحول إلى صانع، بل أن تتكامل أدوار القطاع الخاص مع سياسات الدولة الصناعية. وبين الرأيين يقف سؤال أعمق حول الصناعة والعقارات في مصر: هل المشكلة في حجم الاستثمار العقاري نفسه، أم في غياب حوافز حقيقية تجعل المصنع أكثر ربحية وأقل مخاطرة من برج سكني يُباع على المخطط؟

سجل طويل من التحذيرات بشأن القطاع العقاري

تصريح «تعبنا من العقارات» ليس موقفًا عابرًا في مسيرة هاني توفيق، بل حلقة في سلسلة تحذيرات متصلة أطلقها خلال الشهور الماضية. فقد حذر مرارًا من فقاعة عقارية تتشكل مع تسارع الأسعار ودخول أسماء جديدة إلى السوق، وعلّق ساخرًا على دخول الفنان محمد رمضان مجال التطوير العقاري بقوله «هي المشرحة ناقصة جثث»، في إشارة إلى اكتظاظ السوق بمطورين يتنافسون على شريحة محدودة من المشترين القادرين على الدفع.

كما طالب توفيق بفرض حسابات ضمان تلزم المطورين بربط استخدام أموال الحاجزين بسير التنفيذ الفعلي في المشروعات، حتى لا تتحول مقدمات المشترين إلى تمويل لمشروعات أخرى أو مغامرات جديدة. وفي العاشر من أكتوبر الجاري طرح فكرة أكثر جرأة: إصدار قرار رئاسي يسمح لصناديق الاستثمار العقاري بالاستحواذ على حصص أغلبية في شركات التطوير المتعثرة، لاستكمال المشروعات المتوقفة وتسليم الوحدات لأصحابها بدل ترك آلاف الأسر معلقة بين مطور عاجز وقضاء بطيء. وعلى جبهة الاقتصاد الكلي، توقع الرجل مؤخرًا أن البنك المركزي قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة إذا عاد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى التشديد، وهو ملف يتابعه المستثمرون عن قرب مع اقتراب اجتماع البنك المركزي في 29 أكتوبر وسعر الفائدة عند 19%.

تحليل الفلوس

قيمة تصريح هاني توفيق لا تكمن في حدة عبارته، بل في توقيته. فحين توقّع أكبر مجموعة عقارية في البلاد صفقات بـ11 تريليون جنيه في يوم واحد، يصبح من المشروع أن نسأل: ما نصيب الصناعة من موجة الاستثمار الخاص المقبلة؟ الأرقام المعلنة عن فرص العمل والعوائد الضريبية تظل وعودًا على الورق ما لم تُترجم إلى تنفيذ فعلي على الأرض خلال سنوات، والتجربة المصرية مليئة بمشروعات كبرى أُعلنت بأرقام فلكية ثم سارت ببطء. الفارق الجوهري بين العقار والصناعة أن عائد المصنع يتجدد ويتضاعف مع التصدير، بينما عائد الشاليه ينتهي عند التسليم، ولهذا ستبقى معادلة «الدولار القادم من مصنع» أقوى أثرًا في سعر الصرف والتضخم من معادلة «الدولار القادم من بيع وحدة لمقيم في الخارج»، خاصة مع بقاء سعر الدولار فوق مستوى 54 جنيهًا.

الاختبار الحقيقي لصدق التحول سيظهر في مشروع أبو قير تحديدًا: هل سيكون المكوّن الصناعي واللوجستي فيه قلب المشروع أم مجرد إضافة تجميلية في العرض التقديمي؟ وهل ستتبع الحكومة هذا الجدل بقانون موحد للعقارات يضبط السوق ويحمي الحاجزين، كما هو متوقع قبل نهاية أكتوبر 2026، وبقرارات من البنك المركزي في اجتماع 29 أكتوبر تعيد حسابات التمويل العقاري والصناعي معًا؟ حتى تظهر الإجابات، سيظل صوت توفيق مزعجًا للمطورين ومريحًا لقطاع واسع من الجمهور، لأنه ببساطة يقول بصوت مرتفع ما يهمس به كثيرون: مصر لا تحتاج مدينة ساحلية جديدة بقدر حاجتها إلى مصنع جديد.


📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات هاني توفيق وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img