أصدر صندوق النقد الدولي اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 تقريره «آفاق الاقتصاد الإقليمي» للشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ورسم فيه أقسى صورة لاقتصادات المنطقة منذ سنوات: انكماش جماعي بنسبة 1.3% خلال عام 2026، بعد نمو بلغ 3.3% في 2025، بفعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وإغلاق طهران لمضيق هرمز وتداعيات ذلك كله على إنتاج الطاقة وحركة الشحن والتجارة والسياحة وثقة المستثمرين. وبحسب ما نقلته وكالة رويترز عن التقرير الصادر من دبي، خفّض الصندوق توقعاته للمنطقة بنحو 2.7 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات أبريل الماضي، لكنه في المقابل وضع مصر ضمن مجموعة الدول المستوردة للنفط التي أظهرت صمودًا لافتًا أمام الصدمة رغم ارتفاع فاتورة الطاقة عليها.
صندوق النقد الدولي: انكماش 2026 وتعافٍ قوي لكن مشروط في 2027
توقع صندوق النقد الدولي أن تعود اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان إلى نمو قوي نسبته 6.6% في 2027، غير أن هذا التعافي مشروط بالكامل بانحسار الصراع مطلع 2027 وعودة التجارة وإنتاج الطاقة تدريجيًا إلى طبيعتهما، مع استئناف حركة الشحن الطبيعية في الربع الأول من العام وتنظيم الصادرات بحلول منتصفه. وحتى مع تحقق هذا السيناريو، سيبقى ناتج اقتصادات المنطقة دون المسار الذي كان متوقعًا لها قبل الحرب على المدى المتوسط، أي أن خسائر 2026 لن تُعوَّض بالكامل بمكاسب 2027، في منطقة وصف الصندوق درجة عدم اليقين المحيطة بتوقعاتها بأنها «مرتفعة بشكل استثنائي».
وفي مؤشر آخر على عمق الضربة، توقع التقرير تراجع فائض الحساب الجاري لدول مجلس التعاون الخليجي إلى 1.3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقابل نحو 5% في 2025، مع ضغوط اضطرابات الإنتاج والتجارة على عوائد التصدير وارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين. كما توقع ارتفاع التضخم في اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان خلال 2026، بينما يستمر تراجعه في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى التي تنمو اقتصاداتها بنسبة 5.2% في 2026 و5% في 2027، مدعومة بتحويلات العاملين في الخارج وبُعدها النسبي عن بؤرة الصراع حتى الآن.
لماذا انكمشت المنطقة؟ صدمة غير متكافئة عنوانها الطاقة والشحن
وصف صندوق النقد الدولي أثر الحرب بأنه «صدمة اقتصادية غير متكافئة»؛ فالدول المصدّرة للنفط المتأثرة مباشرة بالقتال تواجه انكماشًا كبيرًا في 2026 تليه قفزة انتعاش حادة في 2027 مع عودة الإنتاج، لأن تعطّل إنتاج الطاقة ومسارات التصدير يضرب إيراداتها في الصميم. أما الدول المستوردة للنفط فقد أظهرت قدرة أكبر على التعامل مع التداعيات، بدعم من قوة الطلب المحلي واستمرار تحويلات العاملين في الخارج وإيرادات السياحة، إلى جانب الإجراءات الحكومية التي حدّت من انتقال ارتفاع أسعار السلع إلى المستهلكين. وعلى الطرف الأضعف تقف الدول منخفضة الدخل والهشة، التي تعتمد على استيراد الغذاء وتحتاج تمويلات كبيرة في وقت تتراجع فيه المساعدات الإنمائية، فتتقلص قدرتها على مواجهة الأزمة مع كل شهر إضافي من الحرب.
أزعور يحذر: الحواجز التي اشترت الوقت بدأت تنفد
قال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، إن التوقعات تعتمد بشكل حاسم على سرعة عودة إنتاج الطاقة والتجارة إلى وضعهما الطبيعي وعلى قدرة الدول على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي. وأوضح أن الفوائض المتاحة قبل الحرب والطرق البديلة وتعديلات الطلب والسحب الكبير من المخزونات ساعدت في احتواء صدمة الهجمات على إيران وإغلاق مضيق هرمز، لكنه شدد على أن «هذه الحواجز محدودة؛ فقد انخفضت المخزونات وتقلصت الطاقة الإنتاجية الفائضة، وأي اضطراب متجدد قد يؤدي إلى تعديلات أكبر بكثير في الأسعار». ودعا أزعور صناع السياسات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار وإعادة بناء الاحتياطيات المالية عبر إيرادات محلية أقوى وإنفاق أكثر كفاءة، واستبدال الدعم الشامل بدعم نقدي مؤقت وموجّه للفئات الأشد تضررًا، مع الحفاظ على استقلال البنوك المركزية وتنويع التجارة وتعميق التكامل الإقليمي.
أين تقف مصر في خريطة صندوق النقد الدولي؟
بالنسبة لمصر، يأتي التقرير الإقليمي بعد أيام من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الذي رفع فيه الصندوق توقعات نمو الاقتصاد المصري إلى 4.7% في العام المالي 2026/2027، مع متوسط تضخم متوقع عند 14.8% وعجز في الحساب الجاري قرب 4.9% من الناتج المحلي، وهي أرقام نشرها «الفلوس» بالتفصيل في 18 أكتوبر. الصورة المصرية حتى اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026 تحمل عناصر قوة حقيقية: التضخم الحضري تراجع إلى 13.9% في سبتمبر، والاحتياطي النقدي يتجاوز 57 مليار دولار، والتحويلات والسياحة تدعمان الطلب المحلي كما قال التقرير عن المستوردين عمومًا. لكنها تحمل في الوقت نفسه ثمن الصدمة: سعر الدولار عند 54.32 جنيه للشراء و54.46 للبيع في البنك المركزي صباح اليوم، وجرام الذهب عيار 21 حول 6300 جنيه، وخام برنت فوق 110 دولارات للبرميل، وبورصة بدأت جلسة الخميس على هبوط حاد، بينما يجتمع البنك المركزي المصري في 29 أكتوبر لحسم أسعار الفائدة المثبتة عند 19% للإيداع و20% للإقراض.
وحذر التقرير من أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والغذاء قد يزيد الأعباء على الأسر والشركات ويدفع الحكومات إلى زيادة الإنفاق لحماية الفئات الأكثر تضررًا، في وقت تواجه فيه دول كثيرة محدودية في الحيز المالي المتاح. كما نبه إلى أن تشديد الأوضاع المالية العالمية — إذا أعاد المستثمرون تقييم رهاناتهم وارتفعت أسعار الفائدة وسط مخاوف التضخم والمالية العامة — قد يرفع كلفة الاقتراض الخارجي ويضغط على عملات الدول المعتمدة على التمويل الأجنبي، وهي قناة تراقبها القاهرة عن قرب مع اقتراب المراجعات الأخيرة لبرنامجها مع الصندوق في الربع الرابع.
المصدر: تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» لصندوق النقد الدولي (أكتوبر 2026) نقلًا عن رويترز، وتغطية CNBC عربية: شاهد التغطية على يوتيوب
تحليل الفلوس
القراءة المصرية الصحيحة لهذا التقرير تبدأ من التفريق بين الرقم والخريطة: فانكماش المنطقة بنسبة 1.3% لا يعني أن مصر تنكمش، بل إن قلب التقرير هو الفارق بين المصدّرين الذين تعطّل إنتاجهم والمستوردين الذين امتصوا الصدمة بالطلب المحلي والتحويلات والسياحة. مصر في المعسكر الثاني، وهذا تصنيف يمنحها رصيدًا لدى المستثمرين والمقرضين، لكنه صمود مشروط ببقاء أسعار الطاقة في نطاق يمكن امتصاصه؛ ومع برنت فوق 110 دولارات ودولار فوق 54 جنيهًا، يظل هذا الشرط هشًا ويُختبر كل أسبوع في فاتورة الاستيراد وأسعار الصاغة معًا.
التحذير الأهم لمصر ليس رقم النمو بل جملة أزعور عن نفاد الحواجز. فحين تنخفض المخزونات العالمية وتتقلص الطاقة الفائضة، تصبح الصدمة التالية — لو تجدد إغلاق هرمز أو تعطل إنتاج جديد — أسرع تسعيرًا وأعنف أثرًا من الأولى، لأن السوق فقدت وسادتها. عمليًا يعني ذلك أن قرار البنك المركزي في 29 أكتوبر لن يُبنى على التضخم المحلي وحده، بل على خريطة مخاطر إقليمية تقول إن أي تصعيد جديد قد يعيد التضخم المستورد إلى الصعود قبل أن يكمل مساره الهابط نحو مستهدفات الصندوق.
ما يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة ثلاثة ملفات: مسار الشحن في هرمز وباب المندب وانعكاسه على إيرادات قناة السويس، وبيانات التضخم الشهرية وما إذا كانت ستبقى متسقة مع متوسط 14.8% الذي يتوقعه الصندوق، ثم المراجعات الأخيرة لبرنامج مصر في الربع الرابع وما يرتبط بها من تمويل بنحو 2.3 مليار دولار. إذا تحقق سيناريو الصندوق الأساسي وعادت التجارة مطلع 2027، ستكون مصر من أوائل المستفيدين إقليميًا عبر القناة والسياحة والتحويلات؛ أما إذا طال أمد الحرب، فسيبقى «الصمود» الذي احتفى به التقرير صفة تحتاج إلى إعادة إثبات كل شهر.







