أغلقت أسعار النفط تعاملات الخميس 22 أكتوبر 2026 على قفزة حادة أعادت الخام إلى مستويات لم يرها السوق منذ ستة أشهر، بعدما تلقى المتعاملون سلسلة أنباء متزامنة عن ضربات جوية بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت منشآت طاقة سعودية، وهجمات على ناقلات قرب مضيق هرمز، وقرار أمريكي بإخلاء موظفين دبلوماسيين غير أساسيين من المملكة. في بورصة إنتركونتيننتال استقر خام برنت تسليم ديسمبر عند 113.17 دولار للبرميل، مرتفعًا 4.35 دولار، بما يعادل 4.00% في جلسة واحدة، بعدما لامس خلال التداولات 113.47 دولار، وهو أعلى مستوى منذ أواخر أبريل الماضي. وفي بورصة نيويورك التجارية أغلق الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط تسليم ديسمبر عند 99.47 دولار، بزيادة 2.32 دولار أو 2.39%، بعدما تجاوز خلال الجلسة حاجز 100 دولار وبلغ 100.17 دولار، لتكون الجلسة الثالثة على التوالي التي يلامس فيها الخام الأمريكي المئة دولار.
الصعود امتد إلى المشتقات. فقد ارتفع عقد الديزل منخفض الكبريت لشهر نوفمبر في نايمكس بمقدار 0.1688 دولار، أو 3.54%، ليستقر عند 4.9321 دولار للجالون، بعد قمة عند 4.9467 دولار. وارتفع بنزين آر بي أو بي لشهر نوفمبر بمقدار 0.0560 دولار، أو 1.79%، إلى 3.1765 دولار للجالون، بعدما سجل 3.2205 دولار خلال الجلسة. وتراجع مؤشر الدولار 0.173 نقطة إلى 101.430 نقطة، وهو تراجع لم يخفف موجة الشراء، لأن العامل الحاكم كان أمن الإمدادات.
أسعار النفط تشتعل بعد ضربات على البنية التحتية السعودية
بحسب تقرير التسوية الصادر عن مؤسسة دي تي إن مساء الخميس، جاءت القفزة بعد تأكيد وقوع ضربات بطائرات مسيرة وصواريخ على بنية تحتية سعودية حيوية، شملت محور الدمام في المنطقة الشرقية وحقول إنتاج نائية. وأمرت وزارة الخارجية الأمريكية بإخلاء الموظفين الدبلوماسيين غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم من السعودية، في خطوة قرأها السوق باعتبارها تقديرًا رسميًا لاحتمال اتساع التصعيد. وفي الوقت نفسه أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف أربع ناقلات نفط في شمال الخليج، بينما تناقلت تقارير الشحن أنباء عن سفن إضافية واجهت ألغامًا بحرية قرب مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية المنقولة بحرًا.
ونقلت وكالة رويترز أن طائرة مسيرة أطلقها الحوثيون جرى اعتراضها قرب حقل شيبة التابع لشركة أرامكو السعودية، وهو حقل تبلغ طاقته الإنتاجية نحو مليون برميل يوميًا. وقال تاماس فارجا، محلل النفط لدى شركة بي في إم أويل، لرويترز إنه لا يتوقع أي تهدئة حقيقية قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وهو ما يبقي أسعار النفط مرتفعة. هذه التصريحات، المقترنة بتحركات مصافي وبيوت تجارة للبحث عن براميل بديلة تحسبًا لأي تعطل في الشحنات، حولت الجلسة من موجة شراء حذرة في الصباح إلى اندفاع واسع قرب الإغلاق، كما ظهر في متابعة منتصف اليوم التي سجلت تجاوز برنت مستوى 112 دولارًا قبل أن يضيف أكثر من دولار آخر عند التسوية.
أسعار النفط من 72 دولارًا في فبراير إلى ذروة الحرب ثم العودة للمئة
وضع تسوية الخميس يكتمل فقط عند مقارنته بمسار الخام خلال عام 2026 المضطرب. فقد كان برنت يتداول عند 72.48 دولار في 27 فبراير، قبل اندلاع الحرب، ثم قفز مع التصعيد إلى إغلاق ذروة عند 118.03 دولار يومي 29 و30 أبريل، مع قمة داخل الجلسة عند 126 دولارًا. وبعد موجة التهدئة الصيفية هبط برنت إلى أدنى إغلاق عند 71.57 دولار في أول يوليو، قبل أن يبدأ رحلة صعود تدريجية أوصلته إلى 109.86 دولار في 16 أكتوبر، ثم إلى 113.17 دولار يوم الخميس.
المقارنة مع جلسة الأربعاء تبرز حجم التحول في يوم واحد. فقد استقر برنت يوم الأربعاء مرتفعًا ثلاثة سنتات فقط عند 108.82 دولار، بينما تراجع الخام الأمريكي 0.67 دولار إلى 97.15 دولار. وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة تراجع مخزونات الخام الأمريكية 3.06 مليون برميل إلى 412.5 مليون برميل، مقابل توقعات بسحب 0.82 مليون برميل فقط، لكن السوق تعامل معها بهدوء قبل أن تنفجر الأسعار الخميس مع أخبار الضربات، ما يؤكد أن الجيوسياسة تحرك التسعير أولًا.
ترامب يغلق باب التفاوض مع إيران ويفعل قانون الإنتاج الدفاعي
على الصعيد السياسي في واشنطن، استبعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراء مفاوضات مع إيران، بحسب ملخصات السوق الأمريكية الصادرة يوم الخميس، كما فعل قانون الإنتاج الدفاعي لدعم إنتاج النفط وعمليات التكرير داخل الولايات المتحدة. الخطوتان حملتا رسالة مزدوجة للسوق: لا انفراجة دبلوماسية قريبة تخفض علاوة المخاطر، ومحاولة أمريكية لزيادة المعروض المحلي على المدى المتوسط. لكن أثر القانون يبقى مؤجلًا بطبيعته، لأن بناء طاقة إنتاج وتكرير إضافية يستغرق وقتًا، بينما أثر غياب التفاوض فوري في عقود التسليم القريب، ولهذا غلب عامل التصعيد على عامل العرض المستقبلي في تسوية الخميس.
ماذا يعني برنت عند 113 دولارًا لمصر؟
بالنسبة لمصر، فإن كل موجة صعود في برنت تصل إلى القاهرة عبر قناتين متزامنتين: فاتورة الاستيراد وسعر الصرف. فمصر مستورد صاف للمنتجات البترولية، وكل زيادة قدرها عشرة دولارات في سعر برنت توسع فاتورة الاستيراد وتزيد عبء الدعم والفارق الذي تتحمله الموازنة بين تكلفة الاستيراد وسعر البيع المحلي، حتى من دون أي تعديل في الأسعار عند المضخة. ويزداد الضغط عندما يتزامن صعود النفط مع دولار مرتفع محليًا، وهو ما حدث هذا الأسبوع إذ أغلق الدولار فوق 55 جنيهًا في البنوك، ما يرفع تكلفة كل برميل مستورد بالجنيه المصري بضربتين: سعر عالمي أعلى وسعر صرف أضعف.
الحكومة المصرية أعلنت يوم الخميس أنها استعرضت ثلاثة سيناريوهات لتكلفة الطاقة، في إشارة إلى أن ملف التسعير عاد إلى صدارة الحسابات الرسمية مع اقتراب اجتماعات لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية. فاللجنة تقارن عادة بين متوسط سعر برنت وسعر الصرف وتكلفة الإنتاج والنقل، وكلها متغيرات تحركت ضد التثبيت خلال أسابيع قليلة. وحتى تأجيل أي زيادة له تكلفة تظهر في عجز الموازنة ومديونية هيئة البترول تجاه الشركاء والموردين.
تحليل الفلوس
تسوية برنت عند 113.17 دولار لا تعني بالضرورة أن أسعار الوقود في مصر سترتفع بنفس النسبة أو بنفس السرعة، لكنها تضيق هامش المناورة أمام لجنة التسعير إلى حد كبير. فاللجنة تستطيع امتصاص قفزة قصيرة إذا اعتبرتها مؤقتة، أما إذا استقر برنت فوق 110 دولارات لأسابيع، فإن كلفة التأجيل تتحول إلى نزيف مالي مستمر، ويصبح الاختيار بين زيادة محسوبة في أسعار البنزين والسولار وبين ضغط أكبر على الموازنة والدين. والسولار تحديدًا هو نقطة الحساسية القصوى، لأن أي زيادة فيه تنتقل مباشرة إلى أسعار نقل السلع والغذاء، وبالتالي إلى التضخم الذي يحاول البنك المركزي احتواءه، خاصة مع دولار فوق 55 جنيهًا يرفع أصلًا تكلفة الاستيراد الغذائي والصناعي.
ما قد يعكس اتجاه الصعود معروف ومحدد زمنيًا جزئيًا: محادثات أوكرانيا المرتقبة بعد 10 نوفمبر إذا أنتجت تهدئة تفتح الباب أمام عودة أوسع للخام الروسي وتخفيف علاوة المخاطر، وأي تهدئة فعلية حول مضيق هرمز يعيدها المتعاملون فورًا إلى التسعير بخصم عدة دولارات من البرميل، إضافة إلى احتمال لجوء واشنطن إلى سحب منسق من الاحتياطيات إذا اقترب الخام الأمريكي من مستويات تضر بالمستهلك قبل الانتخابات. في المقابل، ما يمدد الصعود أخطر وأقرب: ضربة جديدة تصيب طاقة إنتاج فعلية لا مجرد منشآت طرفية، أو إغلاق ولو جزئي لحركة الناقلات في هرمز، أو اتساع رقعة الاستهداف إلى منشآت قطرية وإماراتية، وحينها لن يكون سقف 118 دولارًا، ذروة إغلاق أبريل، بعيدًا، وسيعود الحديث عن 120 دولارًا وأكثر إلى طاولات التداول.
للمتابع المصري، الخلاصة العملية أن ملفي النفط والدولار أصبحا ملفًا واحدًا هذا الخريف: برنت عند 113 ودولار فوق 55 يعنيان معًا أن فاتورة الطاقة بالجنيه ارتفعت بأكثر مما توحي به أي من الرقمين منفردًا. وعليه فإن مراقبة تسويات برنت اليومية خلال الأسبوع المقبل، وتصريحات الحكومة حول سيناريوهات تكلفة الطاقة الثلاثة، أهم من أي توقع بعيد المدى، لأن قرار التسعير المقبل سيبنى على متوسط هذه الأسابيع تحديدًا. وإذا جاء القرار بزيادة، فسيكون حجمها وتوقيتها وتوزيعها بين البنزين والسولار هو الخبر الاقتصادي الأهم محليًا حتى نهاية العام.







