موديز تنقذ فرنسا من خفض وشيك: التصنيف ثابت عند Aa3 بنظرة سلبية رغم عائد 5.14% ودين يتجاوز 120%

Published:

نجت فرنسا مساء الجمعة 23 أكتوبر 2026 من خفض ائتماني كانت الأسواق قد سعّرته سلفا. وكالة موديز أعلنت أنها أنهت مراجعة دورية لتصنيف فرنسا وأبقته عند مستوى Aa3، وهو التصنيف الذي يحمل نظرة مستقبلية سلبية منذ أكتوبر من العام الماضي، لتمنح حكومة باريس المثقلة بالاضطرابات الاجتماعية وشلل برلماني فرصة أخيرة مشروطة. التصنيف الائتماني لفرنسا صار بهذا القرار أعلى بدرجة من تصنيفي وكالتي ستاندرد آند بورز وفيتش، اللتين خفضتا فرنسا إلى A+ خلال عام 2025.

التصنيف الائتماني لفرنسا: لماذا كان الخفض متوقعا؟

وفق ما نقلته وكالة رويترز من باريس، كانت أسواق السندات تسعر خفضا وشيكا يقرب موديز من موقف نظيرتيها، لأن المالية العامة الفرنسية تدهورت باطراد منذ انتخابات مبكرة في 2024 أفرزت برلمانا معلقا وشللا سياسيا. فرنسا تسجل واحدا من أكبر عجوزات الموازنة في منطقة اليورو، وتكلفة اقتراضها تجاوزت بالفعل تكلفة دول أقل منها تصنيفا مثل إيطاليا، وهو مقلوب نادر في أسواق الدين الأوروبية. يوم الخميس الماضي فقط، قفز عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى 5.14 بالمئة، وهو أعلى مستوى له منذ يوليو 2002، وبلغت علاوة المخاطرة على السندات الفرنسية فوق نظيرتها الألمانية أعلى مستوى في 15 عاما متجاوزة 150 نقطة أساس وفق متابعات السوق. على هذه الخلفية، كان قرار الجمعة بمثابة حكم بالبراءة المؤقتة في محاكمة كانت إدانتها شبه محسومة.

شروط موديز: موازنة 2027 أو الخفض

موديز لم تمنح فرنسا صك براءة مفتوحا، بل وضعت شروطا مكتوبة بوضوح استثنائي. الوكالة قالت إن تصنيف Aa3 «يفترض اعتماد موازنة لعام 2027 تخفض العجز، وأن تهدأ تكاليف التمويل والتوترات الاجتماعية بعض الشيء في الأشهر القليلة المقبلة». وأضافت أن «جهدا ماليا كبيرا ومستداما سيظل مطلوبا حتى بعد الانتخابات الرئاسية في أبريل ومايو 2027، لوضع المالية العامة الفرنسية على أرضية أقوى وتثبيت عبء دين سيتجاوز 120 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2027». النظرة السلبية، بحسب الوكالة، تعكس خطر أن يستمر تفتت المشهد السياسي في إضعاف عمل المؤسسات التشريعية. موديز نبهت أيضا إلى أن ما أصدرته الجمعة هو مراجعة دورية وليس إجراء تصنيف رسميا، وهو تمييز فني لا يغير من رسالة القرار شيئا: المهلة ممنوحة، والساعة تعمل.

وزارة المالية الفرنسية سارعت إلى الاحتفاء بالقرار، وقالت في بيان إن إبقاء التصنيف يعكس «مصداقية الموازنة التي قدمتها الحكومة في مشروع قانون مالية 2027، المصمم لإبقاء ماليتنا العامة على مسار التعافي». لكن تمرير هذا المشروع نفسه هو المعركة؛ فالحكومة تكافح لإجازته في برلمان تستطيع فيه المعارضة رفض التشريع وإسقاط الحكومة بحجب الثقة. وصور الاحتجاجات الأسبوعية التي انزلقت بعضها إلى أعمال شغب ونهب تلخص صعوبة دفع تخفيضات إنفاق عبر هذا البرلمان. فرنسا اليوم أقل بدرجتين من تصنيف الولايات المتحدة، وبثلاث درجات من ألمانيا، وتقف في مستوى المملكة المتحدة نفسه، وفوق اليابان وإيطاليا وإسبانيا. وكانت موديز قد خفضت فرنسا من Aa2 إلى Aa3 في أواخر 2024. المحطة التالية في تقويم التصنيفات الفرنسية هي مراجعة ستاندرد آند بورز المقررة في 27 نوفمبر المقبل.

رد فعل الأسواق والتصنيف الائتماني لفرنسا في سياقه الأوروبي

بورصة باريس كانت قد أغلقت الجمعة قبل صدور القرار منخفضة 0.4 بالمئة عند 7783 نقطة لمؤشر كاك 40، في جلسة هيمنت عليها نتائج الشركات بقدر ما هيمنت توقعات التصنيف، بينما أنهى المؤشر الأسبوع مرتفعا 0.2 بالمئة. على مستوى الأسهم، هوت كيرينج 16.6 بالمئة خلال الأسبوع بعد تراجع مبيعاتها، وسافران 10 بالمئة رغم نتائج قوية، وتراجعت هيرميس بعد إيرادات دون التوقعات، بينما صعدت لوريال 5.6 بالمئة بعد مبيعات فاقت التقديرات في الربع الثالث. رد الفعل الحقيقي على قرار موديز سيظهر صباح الاثنين في سوق السندات لا الأسهم؛ فالسؤال هو كم ستنكمش علاوة المخاطرة الفرنسية فوق الألمانية بعد أن كانت عند ذروة 15 عاما. التجارب السابقة تقول إن الانكماش سيكون محدودا ما لم ير السوق الموازنة نفسها تمر، لأن المستثمرين باتوا يسعرون التنفيذ لا النوايا.

السياق الأوسع أن فرنسا ليست جزيرة. البنك المركزي الأوروبي يجتمع يوم الخميس 29 أكتوبر في ظل طاقة فوق مئة دولار للبرميل ومخاطر تضخم لم تنحسر، وأي تصدع في سوق الدين الفرنسية، ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، ينتقل فورا إلى تكاليف اقتراض إيطاليا وإسبانيا ويعقد مهمة البنك في تمرير سياسته النقدية بانتظام عبر دول المنطقة. بطء النمو الأوروبي نفسه رصدناه هذا الأسبوع في تقريرنا عن تباطؤ نمو منطقة اليورو إلى أدنى مستوى في أربعة أشهر، حيث رفع ارتفاع الطاقة تكاليف الشركات في أكتوبر. مزيج نمو بطيء ودين فرنسي فوق 120 بالمئة من الناتج وعوائد عند مستويات 2002 هو بالضبط نوع المزيج الذي تخشاه الأسواق الناشئة، لأنه يبقي السيولة العالمية غالية ونزقة.

تحليل الفلوس

قرار موديز إبقاء التصنيف ليس شهادة صحة مالية لفرنسا، بل تأجيل مشروط لحكم كان جاهزا. النظرة السلبية تعني عمليا أن الخفض ما زال هو الاتجاه الافتراضي ما لم يتغير شيء ملموس: موازنة 2027 يجب أن تمر، والاضطرابات يجب أن تهدأ، والدين يجب أن يستقر قبل أن يتجاوز 120 بالمئة من الناتج. أي من هذه الشروط الثلاثة وحده صعب في باريس اليوم، واجتماعها أصعب. لهذا نرجح أن أثر القرار في سوق السندات سيكون تهدئة قصيرة لا انعكاس اتجاه؛ فالمستثمر الذي دفع علاوة 15 عاما يوم الخميس لم يكن يراهن على ورقة موديز، بل على عجز برلماني مزمن، وهذا لم يتغير مساء الجمعة.

الدرس الأهم لقرائنا خارج فرنسا هو أن عصر المال الرخيص انتهى حتى بالنسبة لقلب أوروبا. حين تدفع فرنسا 5.14 بالمئة لعشر سنوات، وهو سعر لم تدفعه منذ 2002، فإن سقف التسعير العالمي كله يرتفع، وتنتقل العدوى إلى كل مقترض سيادي يتنافس على السيولة نفسها، وفي مقدمتهم الاقتصادات الناشئة. مصر التي رفعت موديز تصنيفها قبل أيام إلى B3 بنظرة إيجابية تقف على الطرف الآخر من القصة نفسها: وكالة واحدة توزع الثقة والمهل بحسب مسار الدين والانضباط المالي، والفارق بين باريس والقاهرة في هذه اللحظة أن مسار أحدهما صاعد والآخر مهدد بالهبوط. اجتماع المركزي الأوروبي الخميس المقبل ومراجعة ستاندرد آند بورز لفرنسا في 27 نوفمبر هما الموعدان اللذان سيختبران إن كانت مهلة موديز بداية إصلاح أم مجرد فصل إضافي في قصة تدهور بطيء.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img