قال النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، كلامًا يلخص فلسفته كاملة في ملف الدين العام: «قدرة مصر على سداد التزاماتها المالية ليست محل شك»، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحسين إدارة الدين وخفض تكلفته وإطالة آجاله، بما يتيح مساحة مالية أكبر أمام الحكومة. وجاءت تصريحات محمد فؤاد وإدارة الدين العام خلال مشاركته في مائدة حوارية حول إدارة الدين والسياسة النقدية ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، ونشرتها «إيجي إن» يوم الأحد 25 أكتوبر 2026، لتضع إصبعًا برلمانيًا على أخطر بنود الموازنة المصرية: بند لا يراه المواطن في فاتورة واحدة، لكنه يدفع ثمنه في كل فاتورة.
فالدين العام، بحسب تقدير صندوق النقد الدولي الذي استند إليه فؤاد في طلبات إحاطة سابقة، يبلغ نحو 91.1% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2025/2026، بينما ارتفع متوسط العائد المرجح على أذون وسندات الخزانة إلى 24.5% في الربع الثاني من 2026، وظل متوسط أجل الإصدارات الجديدة قصيرًا عند نحو 1.1 سنة. أي أن الدولة تقترض غاليًا وقصيرًا في الوقت نفسه، وتجدد ديونها باستمرار بأسعار السوق المتقلبة، في بلد تبلغ فيه أسعار الفائدة الرسمية لدى البنك المركزي 19% للإيداع و20% للإقراض منذ اجتماع سبتمبر الماضي. من هنا تأتي أهمية ما طرحه فؤاد في المنتدى: المشكلة ليست «هل نسدد؟» بل «بكم نسدد؟ ولماذا ندفع كل هذه التكلفة؟».
محمد فؤاد وإدارة الدين العام: من دين الموازنة إلى دين الحكومة العامة
أوضح محمد فؤاد أن التعامل مع الدين يتطلب الانتقال من التركيز الضيق على دين أجهزة الموازنة إلى إدارة دين الحكومة العامة بصورة شاملة، بما يتضمن متابعة الضمانات الحكومية وتقييم المخاطر المرتبطة بها. والفرق بين الصورتين ليس أكاديميًا؛ فدين الموازنة هو ما يظهر في الجداول الرسمية، أما دين الحكومة العامة فيضم التزامات الهيئات والجهات والشركات العامة والضمانات التي قد تتحول في أي لحظة إلى عبء فعلي على الخزانة. من يدير الصورة الجزئية فقط، كما يلمح فؤاد، يدير نصف الخطر ويترك النصف الآخر يكبر في الظل.
وشدد فؤاد على أن «إدارة الدين العام لا ينبغي أن تقتصر على إعداد التقارير وعرض البيانات، وإنما يجب أن تتحول إلى عملية فعلية لإدارة الالتزامات والمخاطر، بما يساعد على تحسين كفاءة استخدام الموارد». فالتقرير يصف الدين، أما الإدارة فتغير شروطه: تطيل أجله حين تكون الأسعار مناسبة، وتنوع أدواته وعملاته، وتستبق موجات الاستحقاق بدل أن تفاجأ بها، وتقيس نجاحها برقم واحد يفهمه المواطن قبل الخبير: كم انخفضت فاتورة خدمة الدين التي تلتهم جانبًا ضخمًا من إيرادات الدولة؟
ضمانات حكومية بـ5 تريليونات و294 مليار جنيه.. والطاقة تستحوذ على 65%
لفت محمد فؤاد إلى أن الضمانات الحكومية تمثل جانبًا مهمًا وخطيرًا من هذا الملف، موضحًا أن الأرقام التي عُرضت خلال مناقشة المنتدى تشير إلى ضمانات بقيمة 5 تريليونات و294 مليار جنيه، من بينها 3 تريليونات و441 مليار جنيه مرتبطة بقطاع الطاقة وحده، بنسبة تبلغ 65% من إجمالي الضمانات. والضمانة الحكومية، لمن لا يتابع هذا الملف، هي تعهد من الدولة بسداد قرض جهة عامة إذا عجزت تلك الجهة عن السداد؛ فهي لا تظهر دينًا اليوم، لكنها قد تصبح دينًا غدًا بضغطة ظرف واحد: تعثر مشروع، أو قفزة في سعر الصرف ترفع قيمة الالتزام الأجنبي، أو أزمة طاقة جديدة.
وتركيز ثلثي الضمانات تقريبًا في قطاع الطاقة يربط هذا الملف مباشرة بمعركة أخرى يخوضها فؤاد تحت القبة؛ فقد تقدم قبل أيام بطلب إحاطة حول تراجع مستهدفات إنتاج الغاز الطبيعي وتأجيلها المتكرر، محذرًا من أن فاتورة استيراد الغاز قد تتجاوز مخصصاتها بفجوة تتراوح بين 2.8 و6 مليارات دولار في العام المالي الحالي. الصورة إذن مترابطة: إنتاج غاز أقل من الموعود يعني استيرادًا أكبر، واستيراد أكبر يعني التزامات وضمانات أثقل بالعملة الصعبة، وكلها تنتهي في النهاية عند الموازنة نفسها التي يدفع المواطن عجزها من الأسعار والخدمات.
إدارة نشطة للسيولة الحكومية.. ومقترحات حزب العدل لضبط الضمانات
وتساءل الخبير الاقتصادي عن مدى كفاءة توزيع السيولة بين الجهات الحكومية، وما إذا كانت الآليات الحالية تدفع هذه الجهات إلى الاقتراض من السوق بأكثر من احتياجاتها المجمعة، مؤكدًا ضرورة تبني إدارة نشطة للسيولة لتقليل تكلفة التمويل وتحسين استخدام الموارد المتاحة. وهذه هي الفكرة نفسها التي حولها فؤاد سابقًا إلى اقتراح برغبة رسمي: الدولة تقترض من السوق بفائدة مرتفعة بينما تحتفظ جهات وهيئات حكومية بسيولة كبيرة غير مستغلة بصورة منسقة؛ فلو أُديرت هذه السيولة مركزيًا وبكفاءة، لانخفض الاقتراض وتراجعت تكلفته دون مساس بأموال أي جهة أو بتشغيلها.
وأضاف أن حزب العدل تقدم بمقترحات تستهدف تطوير إدارة السيولة وضبط الضمانات الحكومية، بما يسهم في تعزيز كفاءة إدارة الدين العام. وشدد رئيس الهيئة البرلمانية للحزب على أهمية وضع مستهدفات واضحة ومعلنة لتكلفة الدين وآجال استحقاقه، إلى جانب تحسين إدارة السيولة الحكومية، مؤكدًا أن نجاح هذه الإجراءات يرتبط بتنسيق الأدوار بين الجهات المعنية وتحديد خطوات التنفيذ بصورة دقيقة. واختتم بعبارة تختصر موقفه من الإصلاح كله: الحلول المطروحة لمعالجة أزمة الدين معروفة، لكن الفارق الحقيقي يكمن في كيفية تنفيذها وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
ماذا تعني معركة تكلفة الدين لجيب المواطن؟
قد يبدو حديث الضمانات والسيولة وآجال الاستحقاق بعيدًا عن حياة الناس، لكنه في الحقيقة أقرب الملفات إليهم. فكل نقطة مئوية زائدة في تكلفة الاقتراض الحكومي تعني مليارات إضافية تخرج من الموازنة لخدمة الدين بدل أن تذهب إلى مدرسة أو مستشفى أو دعم أو طريق. وكل اقتراض قصير الأجل يجدد بفائدة أعلى يضغط على السيولة المتاحة للقطاع الخاص فيرفع تكلفة تمويل المصنع والتاجر والمزارع. وكل ضمانة حكومية تنفجر في لحظة أزمة تتحول إلى دين جديد يرفع العبء العام كله. لهذا يصر فؤاد على أن نجاح إدارة الدين لا يقاس بالقدرة على تجديد الدين كل مرة، بل بتخفيف العبء عن الموازنة والمواطن معًا.
تحليل الفلوس
في «تحليل الفلوس» نرى أن تصريحات محمد فؤاد في منتدى مصر 2026 تنقل معركة الدين من ساحة الأرقام الكلية إلى ساحة الإدارة اليومية، وهذا هو جديدها الأهم. فالخطاب المعتاد يسأل: كم بلغ الدين؟ أما فؤاد فيسأل: من يديره؟ وبأي مستهدفات معلنة؟ وكم تبلغ الضمانات التي لا يراها أحد؟ رقم الضمانات وحده – 5.294 تريليون جنيه، ثلثاها للطاقة – يستحق وقفة برلمانية مستقلة، لأنه يمثل «الدين الاحتمالي» الذي قد يهبط على الموازنة دفعة واحدة في لحظة تعثر، وتاريخ إدارة المخاطر في مصر وغيرها يقول إن الأزمات الكبرى تبدأ غالبًا من هذا البند الصامت لا من الديون المعلنة.
ومع ذلك، فإن قوة الطرح تظل رهن التنفيذ الذي يتحدث عنه فؤاد نفسه. فوضع مستهدفات لتكلفة الدين وآجاله يتطلب نشرًا دوريًا منتظمًا لهيكل الاستحقاقات والضمانات جهةً جهة، وربط أي ضمانة جديدة بدراسة مخاطر معلنة وسقف إجمالي كنسبة من الناتج، وإلا بقيت «الإدارة النشطة للسيولة» شعارًا جميلًا في المؤتمرات. كما أن إطالة الآجال في سوق تتوقع خفض الفائدة مستقبلًا ليست قرارًا مجانيًا؛ فالمستثمر سيطلب علاوة أجل، والمفاضلة الحقيقية بين تكلفة اليوم ومخاطر الغد تحتاج شفافية كاملة في الأرقام حتى يحاسب البرلمان على نتيجة لا على نية.
ما يجب أن يراقبه القارئ بعد هذا الطرح ثلاثة أمور: هل تعلن وزارة المالية مستهدفات رقمية لتكلفة الدين ومتوسط أجله في استراتيجيتها المقبلة؟ وهل يبدأ نشر بيانات الضمانات الحكومية تفصيليًا وبانتظام؟ وهل تتحول مقترحات حزب العدل بشأن السيولة والضمانات إلى مناقشة رسمية داخل لجنة الخطة والموازنة؟ إذا تحرك مؤشر واحد من الثلاثة، سيكون كلام المنتدى قد تحول إلى سياسة. أما إذا لم يتحرك شيء، فستبقى مصر تدير أغلى ملفاتها بالطريقة التي حذر منها فؤاد نفسه: تقارير ممتازة.. ودين يكلف أكثر مما يجب.
المصدر: الخبر الأصلي: إيجي إن – النائب محمد فؤاد: يجب وضع مستهدفات واضحة لتكلفة الدين وتحسين إدارة السيولة الحكومية (25 أكتوبر 2026)
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. محمد فؤاد وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







