دويتشه بنك: المركزي المصري سيثبت الفائدة الخميس.. وواردات الذهب الخام قفزت إلى 5.5 مليار دولار

Published:

ماذا يتوقع دويتشه بنك من اجتماع الخميس؟

توقع دويتشه بنك في تقرير جديد صدر يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026 أن يبقي البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، وأن يستمر التثبيت حتى نهاية 2026، على أن يعود التيسير التدريجي خلال الربع الأول والثاني من 2027. التقرير الذي نقلت مضمونه تقارير صحفية مصرية، من بينها موقع WinnersEgy، يرسم صورة دقيقة لمعادلة صعبة: احتياطيات قوية تمنح المركزي مساحة للتحرك، وضغوط تضخمية وعجز خارجي يحدان من هذه المساحة في الوقت نفسه.

ويأتي التوقع قبل أيام من اجتماع يترقبه السوق بحثا عن إشارة حول مسار الفائدة. وبحسب دويتشه بنك، فإن فرص رفع الفائدة قد ترتفع إذا تصاعدت الضغوط على الجنيه قبل الاجتماع، لكن السيناريو الأساسي لدى البنك الألماني يظل التثبيت، مدعوما بهامش سعر فائدة حقيقي لا يزال كافيا رغم تآكله مع عودة التضخم للارتفاع. ولقراءة الصورة الكاملة قبل الاجتماع، نشر موقع الفلوس تحليلا مفصلا لسيناريوهات القرار المنتظر وتأثيرها على الشهادات والقروض، يمكن الاطلاع عليه من هنا.

احتياطيات البنك المركزي قوية لكن هامش الأمان يتآكل

يستند توقع التثبيت، وفق دويتشه بنك، إلى متانة الاحتياطيات. فقد بلغت الاحتياطيات الرسمية 57.4 مليار دولار في سبتمبر 2026، بينما سجل صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك 31.2 مليار دولار في أغسطس من العام نفسه. هذه الأرقام، بحسب التقرير، تمنح السلطات النقدية قدرة على امتصاص ضغوط مؤقتة على سوق الصرف دون اللجوء إلى رفع مفاجئ للفائدة أو تدخل يربك السوق.

لكن التقرير يحذر من أن ارتفاع التضخم يقلص هامش الأمان الحقيقي. فالفائدة الحقيقية بعد خصم التضخم تنخفض، ويضعف الحافز على الاحتفاظ بالجنيه. المفارقة أن الاحتياطيات تسمح بالانتظار، لكن التضخم لا يسمح بالتراخي. ولذلك يرى دويتشه بنك أن التثبيت هو الحل الوسط الذي يراقب به المركزي التطورات دون مغامرة بخفض جديد يفاقم الضغط على العملة.

ويشير التقرير أيضا إلى أن الدولار ارتفع بأكثر من 6% مقابل الجنيه منذ اجتماع لجنة السياسة النقدية في سبتمبر. هذا التحرك يفرض إعادة تقييم لمدى تشدد السياسة النقدية الحالية، في ظل مخاطر جيوسياسية متصاعدة قد تدفع المركزي إلى مراجعة حساباته. ومع ذلك، يرى دويتشه بنك أن هامش سعر الفائدة الحقيقي لا يزال يدعم قرار التثبيت يوم الخميس، دون الحاجة إلى تشديد إضافي الآن.

عجز الحساب الجاري يتسع.. والتدفقات تغطي الفجوة

من أبرز الأرقام التي أوردها التقرير اتساع عجز الحساب الجاري إلى نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، مقابل 4.8% في الربع الأول من العام نفسه. هذا الاتساع يعكس ضغوطا على ميزان المدفوعات، سواء من فاتورة الواردات أو من تراجع بعض التدفقات، ويطرح سؤالا حول استدامة التحسن الخارجي إذا استمر العجز عند هذه المستويات.

غير أن الصورة لا تقف عند العجز وحده. فقد أوضح التقرير أن التدفقات الرأسمالية والمالية القوية خلال الربع الثاني غطت عجز الحساب الجاري بالكامل، وسمحت بتراكم احتياطيات إضافية بلغت 4.6 مليار دولار. بمعنى آخر، نجحت مصر في تمويل عجزها الخارجي عبر تدفقات داخلة، وهو ما يفسر بقاء الاحتياطيات عند 57.4 مليار دولار رغم اتساع العجز. والسؤال الأهم هو: هل تستمر هذه التدفقات بالقوة نفسها إذا تغيرت شهية المستثمرين الأجانب أو تصاعدت المخاطر الإقليمية؟ وهذا التوازن الهش يفسر تفضيل التثبيت: فالخفض قد يضعف جاذبية أدوات الدين، والرفع يثقل الموازنة ويبطئ النشاط.

قفزة واردات الذهب الخام: إشارة لا يمكن تجاهلها

ربما كان الرقم الأكثر إثارة في تقرير دويتشه بنك هو قفزة واردات الذهب الخام إلى 5.5 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026، مقابل نحو 300 مليون دولار فقط في الفترة نفسها من العام السابق. زيادة بهذا الحجم، نحو 18 ضعفا، لا يمكن قراءتها كتقلب عابر في التجارة، بل يفسرها البنك كإشارة قوية على تصاعد الطلب المحلي على الذهب كملاذ للتحوط من انخفاض قيمة العملة.

هذا التفسير ينسجم مع تحرك الدولار بأكثر من 6% منذ سبتمبر، ومع حساسية المصريين التاريخية تجاه الذهب كأداة ادخار. فعندما يشعر المواطن أن مدخراته بالجنيه تفقد قيمتها، يتحول جزء منها إلى الذهب، سواء في شكل مشغولات أو سبائك أو عبر القنوات الرسمية للاستيراد. القفزة إلى 5.5 مليار دولار تعني أن هذا التحول لم يعد ظاهرة هامشية، بل تيارا واسعا يظهر في أرقام التجارة الخارجية نفسها. وللواردات بهذا الحجم تبعات مباشرة على الحساب الجاري، إذ توسع العجز حتى لو كان الهدف هو الادخار لا الاستهلاك، وكسر هذه الحلقة يتطلب استعادة الثقة في العائد الحقيقي على الجنيه.

التضخم وأسعار الفائدة: ارتفاع مرتقب وتأجيل لزيادة الوقود

رفع دويتشه بنك توقعاته للتضخم في مصر. فبعد أن كان يتوقع أن ينهي عام 2026 عند 14.7%، أصبح يتوقع الآن أن يبلغ التضخم 15.7% بنهاية العام. وجاء هذا التعديل رغم أن بيانات سبتمبر 2026 أظهرت تهدئة مؤقتة: فقد تراجع التضخم السنوي إلى 13.9% في سبتمبر مقابل 14.5% في أغسطس، وتراجع التضخم الأساسي إلى 14.1% مقابل 14.9% في الشهر السابق. لكن البنك يرى أن هذا التراجع لن يستمر، ويتوقع أن يواصل التضخم الارتفاع خلال النصف الأول من 2027، قبل أن يهدأ تدريجيا إلى نحو 12% بحلول ديسمبر 2027، مقابل توقع سابق عند 10.9%.

وفي سياق متصل، يتوقع دويتشه بنك أن يبقى الجنيه حول مستوياته الحالية، وأن يتم تأجيل تعديل أسعار الوقود المنتظر، والذي يقدره البنك بنسبة تتراوح بين 10% و15%، إلى الربع الأول من 2027 بدلا من تنفيذه قبل نهاية العام الحالي. تأجيل كهذا سيمنح هدوءا مؤقتا في الربع الأخير من 2026، لكنه يرحل الضغط إلى بداية 2027. وبالنسبة للمواطن، موجة الغلاء لم تنته بعد.

صندوق النقد والمراجعة الأخيرة: ما الجديد؟

في ملف صندوق النقد الدولي، يشير تقرير دويتشه بنك إلى أن الاستعدادات تتقدم لإجراء المراجعتين الثامنة والأخيرة من برنامج مصر مع الصندوق، ويتوقع البنك أن تصل بعثة الصندوق إلى القاهرة في النصف الثاني من نوفمبر 2026. ويضيف أن خطوات الطروحات الحكومية وتحسن الحصيلة الضريبية يدعمان استكمال المراجعة. ومن المهم توضيح طبيعة هذا التوقع: توقيت وصول البعثة في النصف الثاني من نوفمبر هو تقدير دويتشه بنك، وليس إعلانا رسميا من الصندوق أو الحكومة المصرية. وقد تناول موقع الفلوس في تغطية سابقة ملف المراجعة الأخيرة وما يعنيه إتمامها للاقتصاد، ويمكن مراجعة تلك التغطية من هنا.

ويكتسب ملف الصندوق أهمية خاصة في توقيت اجتماع الخميس، لأن نجاحها يرسل إشارة ثقة للمستثمرين ويدعم التدفقات التي غطت العجز، بينما أي تعثر قد يزيد الضغط على الجنيه.

تحليل الفلوس

قراءة دويتشه بنك تضع المدخر المصري أمام معادلة واضحة: تثبيت الفائدة حتى نهاية 2026 يعني أن الشهادات والودائع الحالية ستظل بعائدها الاسمي نفسه، لكن العائد الحقيقي سيتآكل إذا تحقق مسار التضخم المتوقع عند 15.7% بنهاية العام ثم ارتفاع إضافي في النصف الأول من 2027. من يفكر في تجديد شهادة أو فتح وديعة جديدة، عليه أن يحسب العائد بعد خصم التضخم المتوقع، لا قبله، وأن يقارن بين الآجال المختلفة بدلا من الانجذاب إلى أعلى رقم اسمي معلن. التثبيت ليس إشارة اطمئنان كامل، بل دليل على أن معركة التضخم لم تحسم بعد.

أما قفزة واردات الذهب الخام إلى 5.5 مليار دولار، فهي في تقديرنا أهم رسالة في التقرير كله، لأنها تكشف سلوك الناس قبل أن تكشفه استطلاعات الرأي. المصريون يصوتون بمدخراتهم، وعندما يتحول هذا التصويت بهذا الحجم نحو الذهب، فهذا يعني أن الثقة في الاحتفاظ بالجنيه كأداة ادخار طويلة لا تزال هشة، رغم الاحتياطيات القوية والتدفقات الداخلة. الذهب هنا ليس مضاربة عابرة، بل بحث عن ملاذ. واستعادة الثقة لا تأتي من بيانات مطمئنة فقط، بل من مسار تضخم يهبط باستمرار ومن استقرار فعلي في سعر الصرف يشعر به المواطن في السوق لا في التقارير وحدها.

ثلاث محطات يجب مراقبتها: قرار الخميس 29 أكتوبر ولغة بيانه حول التضخم والجنيه، وبعثة صندوق النقد في النصف الثاني من نوفمبر، وموعد تعديل أسعار الوقود. المدخر الذكي الآن هو من يوزع مخاطره ولا يضع كل مدخراته في سلة واحدة قبل اتخاذ أي قرار طويل الأجل.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img