لم يبد رجل الأعمال نجيب ساويرس قلقًا من صعود سعر الدولار فوق مستوى 56 جنيهًا في البنوك، بل اعتبر ما يحدث دليلًا على أن مصر غيّرت طريقة تعاملها مع ملف الصرف. في مداخلة هاتفية مساء الاثنين 26 أكتوبر مع برنامج «حضرة المواطن» الذي يقدمه الإعلامي سيد علي على قناة الحدث اليوم، قال ساويرس جملة لخصت موقفه كله: «بطلنا نحط رؤوسنا في الرمل». الرسالة التي أراد توصيلها أن السعر الحالي، مهما بدا مرتفعًا، أفضل من سعر وهمي منخفض لا يجد المواطن ولا المستثمر عنده دولارًا واحدًا في البنك.
المداخلة جاءت في يوم أغلق فيه الدولار عند البنك المركزي المصري على 56.21 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع، مرتفعًا بنحو 45 قرشًا في جلسة واحدة، وهو مستوى لم يعرفه الجنيه من قبل. الرقم وحده يكفي لإثارة قلق أي أسرة تتابع أسعار الغذاء والدواء والسلع المستوردة، لكن ساويرس طلب النظر إلى الصورة من زاوية مختلفة تمامًا: زاوية التوافر. فحين يكون الدولار موجودًا في البنوك بسعر معلن وموحد، تختفي المضاربة، ويستطيع المستورد أن يخطط، والمصنع أن يسعّر منتجه، والمستثمر الأجنبي أن يحسب عائده دون أن يضع هامشًا ضخمًا لمخاطر سعر موازٍ لا يعرف أحد أين يقف غدًا.
سعر الدولار المرن أنهى السوق السوداء كما يراها ساويرس
قال ساويرس إن سياسة سعر الصرف المرن «قضينا على ما كان يسمى السوق السوداء»، مؤكدًا أن الدولار أصبح متاحًا في البنوك لمن يحتاجه. وشرح أن الخطأ القديم كان الإصرار على تقديم الدولار وكأنه يساوي 40 أو 50 جنيهًا بينما السوق الحقيقية تسعّره برقم آخر أعلى بكثير. هذا الفارق بين السعر الرسمي والسعر الفعلي هو الذي صنع السوق الموازية، وجعل تحويلات المصريين في الخارج تتسرب بعيدًا عن الجهاز المصرفي، وجعل المستورد يدفع علاوة خفية تنعكس في النهاية على المستهلك.
في المقابل، حين يتحرك السعر الرسمي قرب قيمته الحقيقية، تعود التحويلات إلى البنوك، وتستطيع الشركات تدبير احتياجاتها من العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية. هذه النقطة تحديدًا هي التي يبني عليها ساويرس تفاؤله، فهو يفرّق بين ارتفاع السعر نفسه وبين غياب العملة. الأول مؤلم ويمكن امتصاصه تدريجيًا إذا استقر، أما الثاني فيشل الاستيراد والإنتاج معًا ويخلق أزمات نقص لا علاقة لها بمستوى الأسعار وحده.
سعر الدولار الأعلى يجعل السياحة والتصدير أكثر تنافسية
النصف الثاني من حديث ساويرس ركّز على المستفيدين. فانخفاض قيمة الجنيه يجعل مصر أرخص في عيون السائح الأجنبي، لأن تكلفة الفندق والانتقالات والخدمات، حين تُحسب بالدولار أو اليورو، تنخفض بنسبة تقترب من 8 إلى 10 في المئة مع كل موجة تراجع مماثلة في العملة. السائح الذي كان يدفع مبلغًا معينًا مقابل ليلة فندقية على النيل أو في البحر الأحمر يدفع اليوم أقل بالعملة الأجنبية، أو يحصل على مستوى خدمة أعلى بنفس الميزانية. وهذا، من وجهة نظر ساويرس، يمنح المقصد المصري ميزة سعرية أمام منافسين في المنطقة مثل تركيا واليونان والمغرب.
المستثمر الأجنبي أيضًا، بحسب ساويرس، تزيد قوته الشرائية داخل مصر حين يتراجع الجنيه، فالمبلغ نفسه بالدولار يشتري أصولًا وخدمات وعمالة بتكلفة أقل بالعملة الصعبة. أما المصدّرون فيحققون مكسبًا مباشرًا ومحسوبًا: كل دولار حصيلة تصدير يتحول عند البيع إلى جنيهات أكثر، وهو ما يرفع هامش ربحهم بالعملة المحلية ويشجعهم على التوسع. وضرب مثالًا بصادرات مصر الزراعية التي تبلغ قيمتها 5.6 مليار دولار، وهي أموال إذا دخلت عبر البنوك بسعر مرن عادل دعمت الاحتياطي ورفعت دخل آلاف المزارعين وشركات التعبئة والشحن.
غير أن الصورة ليست وردية بالكامل، وساويرس نفسه يعمل في قطاعات تعرف كلفة الجانب الآخر جيدًا. فكل تراجع في الجنيه يرفع فاتورة الاستيراد فورًا، من القمح والوقود إلى خامات المصانع وقطع الغيار والأدوية. المصنع الذي يصدّر جزءًا من إنتاجه ويستورد باقي مدخلاته قد يكسب من باب ويخسر من باب آخر. والمواطن الذي لا يملك دخلًا بالدولار ولا يعمل في السياحة أو التصدير لا يشعر بميزة تنافسية، بل يشعر بضغط مباشر على أسعار السلع، خاصة إذا نقل التجار الزيادة كاملة إلى المستهلك قبل أن تستقر الأسعار. لهذا يظل أثر الصرف المرن موزعًا بشكل غير متساوٍ: قطاعات تكسب بسرعة، وأسر تدفع الكلفة أولًا وتنتظر أن تصلها المنفعة لاحقًا عبر وظائف وتدفقات واستقرار في التوافر.
قلقه الحقيقي ليس الأسعار بل الجغرافيا السياسية
المفاجأة في المداخلة أن ساويرس قال إن ما يقلقه فعلًا ليس مستوى الأسعار، بل ما قد يفعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب في المنطقة، محذرًا من تكهنات حول ضربة عسكرية جديدة محتملة ضد إيران. أي تصعيد من هذا النوع يضرب السياحة والاستثمار وقناة السويس وسلاسل الطاقة في توقيت واحد، ويرفع أسعار النفط والشحن عالميًا، وينعكس على مصر مهما كان سعر صرفها. بعبارة أخرى، الخطر الذي يراه ساويرس خارجيًا وسياسيًا أكثر منه نقديًا ومحليًا.
وفي السياق الإقليمي نفسه، وصف ساويرس زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران بأنها «تاريخية»، مؤكدًا أن العلاقات المصرية السعودية مستمرة وأن المملكة لم تتخلَّ عن مصر. هذه الإشارة مهمة للأسواق لأن أي دعم خليجي، سواء في صورة استثمارات أو ودائع أو مشروعات مشتركة، يخفف الضغط على احتياجات مصر التمويلية ويمنح البنك المركزي مساحة أكبر لإدارة سوق الصرف دون صدمات حادة.
وبعد إغلاق الاثنين القياسي، تحرك السوق في الاتجاه المعاكس يوم الثلاثاء، إذ تراجع الدولار 15 قرشًا ليغلق عند 56.07 جنيه في البنوك، في إشارة مبكرة إلى أن الحركة في الاتجاهين أصبحت جزءًا من المشهد اليومي لا حدثًا استثنائيًا. ومن يتابع تطورات الأسبوع منذ بدايته يمكنه مراجعة سياق تعاملات الاثنين وصباح الثلاثاء في تغطية الفلوس لفهم كيف تشكل هذا المستوى الجديد خطوة بخطوة.
تحليل الفلوس
كلام ساويرس يلخص معادلة الصرف المرن بلا تجميل: حين ينخفض الجنيه، يكسب المصدّر وصاحب الفندق ومن يتلقى تحويلات من الخارج، وتدفع الأسرة المستهلكة والمستورد والمصنع المعتمد على خامات أجنبية الثمن أولًا عبر أسعار أعلى. التفاؤل وحده لا يلغي هذه الحقيقة، والتشاؤم وحده لا يلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن توافر الدولار في البنك بسعر واحد معلن أهم للاقتصاد من رقم منخفض مصطنع لا يجد عنده أحد عملة للشراء أو الاستيراد. السوق السوداء لم تكن مجرد سعر أعلى، بل كانت ضريبة خفية على كل معاملة، واختفاؤها مكسب بنيوي حتى لو جاء مصحوبًا برقم رسمي مؤلم.
الاختبار الحقيقي في الأسابيع المقبلة ليس ما إذا كان الدولار سيتحرك قرشًا هنا أو قرشًا هناك، بل ما إذا كانت التدفقات ستعوّض الضغوط. الأنظار تتجه أولًا إلى قرار البنك المركزي المصري يوم الخميس وما سيحمله من إشارات حول أسعار الفائدة واتجاه السياسة النقدية، ثم إلى أداء الموسم السياحي الشتوي وقدرة الفنادق والشركات على تحويل الميزة السعرية إلى حجوزات فعلية وإيرادات بالعملة الصعبة، وأخيرًا إلى فاتورة الاستيراد، خاصة الطاقة والغذاء، فهي التي ستقرر ما إذا كان التراجع الأخير في الجنيه سيمر كموجة أسعار مؤقتة أم سيتحول إلى ضغط تضخمي أطول على جيوب المصريين.







