أنهت البورصة المصرية تعاملات جلسة اليوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 على تراجع جماعي واضح، لتفقد مكاسبها سريعًا بعد قفزة الأمس القوية، إذ هبط المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 1.64% ليغلق عند مستوى 49,281 نقطة، خاسرًا من جديد مستوى الخمسين ألف نقطة النفسي الذي استعاده بصعوبة في جلسة الثلاثاء، بينما فقد رأس المال السوقي للأسهم المقيدة نحو 27 مليار جنيه من قيمته، تحت ضغوط بيعية قادها المستثمرون العرب والأجانب، في جلسة غلب عليها الحذر قبل ساعات من قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مساء اليوم، وقبل يوم واحد من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري غدًا الخميس.
أرقام ختام البورصة المصرية في جلسة الأربعاء
بحسب بيانات ختام الجلسة، أغلق رأس المال السوقي للأسهم المقيدة عند نحو 3.859 تريليون جنيه، مقارنة بنحو 3.886 تريليون جنيه في إغلاق جلسة الثلاثاء، أي بخسارة سوقية تقترب من 27 مليار جنيه في جلسة واحدة. ولم يكن التراجع مقصورًا على المؤشر الرئيسي؛ فقد انخفض مؤشر الشركات الصغيرة والمتوسطة EGX70 بنسبة 0.35% ليغلق عند مستوى 16,327 نقطة، وتراجع المؤشر الأوسع نطاقًا EGX100 بنسبة 0.59% لينهي التعاملات عند 22,137 نقطة، بينما سجل مؤشر الشريعة الإسلامية أكبر نسبة هبوط بين المؤشرات الرئيسية بنحو 1.55% مسجلًا 5,831 نقطة، وانخفض مؤشر الأسهم منخفضة التقلبات EGX35-LV بنسبة 0.84% ليستقر عند 5,674 نقطة.
وعلى صعيد السيولة، سجلت قيم التداول على الأسهم نحو 6.385 مليار جنيه، من خلال التداول على نحو 2.134 مليار ورقة مالية، عبر تنفيذ قرابة 205 آلاف عملية. وهي سيولة أقل من جلسة الثلاثاء التي تجاوزت فيها التداولات 8 مليارات جنيه، ما يعكس أن جزءًا من المشترين الذين دفعوا السوق أمس فضّلوا اليوم التريث وعدم مطاردة الأسعار، بينما وجد البائعون في ارتدادة الأمس فرصة مناسبة لجني الأرباح وتخفيف المراكز قبل قرارات نقدية مصيرية محليًا وعالميًا.
كيف تحركت جلسة البورصة المصرية من الافتتاح إلى الإغلاق؟
بدأت الجلسة على تراجع محدود؛ إذ افتتح المؤشر الرئيسي منخفضًا بنحو 0.37% عند مستوى 49,918 نقطة بضغوط بيعية أجنبية مبكرة، قبل أن تشهد التعاملات الصباحية محاولات تماسك رفعت رأس المال السوقي مؤقتًا بنحو 21 مليار جنيه في بداية التداولات بدعم من مشتريات محلية. لكن هذا التماسك لم يصمد طويلًا؛ فبحلول منتصف الجلسة كان المؤشر الرئيسي قد عمّق خسائره إلى 0.63% عند مستوى 49,791 نقطة، ثم إلى نحو 0.93% عند مستوى 49,637 نقطة بحلول الساعة الواحدة ظهرًا بتوقيت القاهرة، وفق بيانات مباشر، قبل أن تتسارع الضغوط البيعية في الساعة الأخيرة وتغلق السوق عند أدنى مستوياتها خلال الجلسة تقريبًا.
ويأتي تراجع اليوم بعد جلسة الثلاثاء الاستثنائية التي قفز فيها المؤشر الرئيسي بنسبة 3.49% ليغلق عند 50,104.83 نقطة، وربح فيها رأس المال السوقي نحو 155 مليار جنيه، كما وثّقنا في تغطيتنا لجلسة الأمس: البورصة المصرية ترتد بقوة الثلاثاء وتستعيد 50 ألف نقطة. وبذلك تكون جلسة الأربعاء قد محت جزءًا محدودًا من مكاسب الثلاثاء، لكنها في الوقت نفسه أكدت أن منطقة الخمسين ألف نقطة ما زالت منطقة مقاومة نفسية وفنية صعبة، لم تنجح السوق في تثبيت الإغلاق فوقها سوى لجلسة واحدة، بعد خسائر حادة بلغت 218 مليار جنيه في جلستي الأحد والاثنين الماضيين.
المصريون يشترون والعرب والأجانب يبيعون
أظهرت بيانات فئات المستثمرين في سوق الأسهم اتجاه المستثمرين العرب إلى البيع بصافي قيمة بلغت نحو 162.2 مليون جنيه، والمستثمرين الأجانب إلى البيع بصافي نحو 24.2 مليون جنيه، في حين اتجه المستثمرون المصريون إلى الشراء بصافي قيمة بلغت نحو 186.4 مليون جنيه، ليستوعبوا وحدهم تقريبًا صافي مبيعات العرب والأجانب مجتمعين. وهذه المعادلة، شراء محلي مقابل بيع عربي وأجنبي، تتكرر منذ بداية موجة التقلبات الحالية، وتعكس اختلافًا في تقييم المخاطر بين مستثمر محلي يرى في الأسعار الحالية فرصة اقتناص، ومستثمر أجنبي يفضّل تقليل انكشافه على الأسواق الناشئة كلما تصاعدت التوترات الإقليمية أو اقتربت قرارات الفائدة الأمريكية.
والصورة الأوسع أشد قلقًا في سوق الدين الحكومي؛ إذ أظهرت بيانات البورصة المصرية عن السوق الثانوية لأدوات الدين، أذون وسندات الخزانة، تسجيل المستثمرين الأجانب والعرب صافي بيع إجمالي بنحو 619.1 مليون دولار في تعاملات الثلاثاء، بعد صافي بيع بلغ نحو 664.3 مليون دولار في تعاملات الاثنين، وفق بيانات نشرتها جريدة حابي، فيما قدّرت تحليلات جولد بيليون إجمالي التخارجات خلال الأسبوع الماضي وحده بنحو 1.9 مليار دولار. وهذه التدفقات الخارجة من أدوات الدين هي أحد أهم أسباب الضغط المستمر على الجنيه، الذي ما زال يُتداول فوق مستوى 56 جنيهًا للدولار في البنوك، كما رصدنا في متابعتنا اليوم لحركة سعر الصرف: سعر الدولار يتذبذب داخل البنوك الأربعاء قبل قرار المركزي.
لماذا تراجعت البورصة المصرية اليوم؟
تجمعت عدة عوامل وراء هبوط جلسة الأربعاء. أولها جني الأرباح الطبيعي بعد قفزة الثلاثاء الكبيرة؛ فحين يصعد المؤشر الرئيسي بنحو 3.5% في جلسة واحدة ويصعد مؤشر الأسهم الصغيرة بنحو 6.8%، يصبح من المتوقع أن يبيع جزء من المتعاملين في الجلسة التالية لتأمين مكاسبهم، خاصة حين يلي الجلسة حدثان نقديان كبيران لم تُعرف نتائجهما بعد. وثانيها استمرار خروج الأموال الأجنبية من أدوات الدين الحكومية للأسبوع الثاني، وهو ما يبقي حالة الحذر مسيطرة على المؤسسات ويضغط على سعر الصرف وبالتالي على تقييمات الأسهم بالعملة المحلية.
أما العامل الثالث فهو الترقب المباشر لقرارين خلال أقل من أربع وعشرين ساعة: قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مساء اليوم الأربعاء، إذ تشير توقعات الأسواق، وفق رويترز، إلى احتمال يقترب من 90% لتثبيت الفائدة الأمريكية في نطاق 3.75% إلى 4%، مع تركيز كامل على إشارات رئيس الفيدرالي كيفين وارش بشأن احتمال رفع جديد في ديسمبر إذا استمر التضخم مرتفعًا بفعل أسعار الطاقة؛ ثم اجتماع البنك المركزي المصري غدًا الخميس، الذي يجمع استطلاع رويترز على أنه سيثبّت أسعار الفائدة عند 19% للإيداع للمرة السادسة على التوالي، كما عرضنا في: استطلاع رويترز: إجماع كامل على تثبيت الفائدة في مصر الخميس. وفي مثل هذه الأجواء يفضل كثير من المتعاملين تقليل المراكز المفتوحة قبل القرارات بدل المخاطرة بمفاجآت ليلية.
ومع ذلك، لم يكن الهبوط شاملًا لكل القطاعات؛ فقد خالفت أسهم الرعاية الصحية والأدوية الاتجاه الهابط وغلب عليها الصعود القوي، إذ قفز سهم جلاكسو سميثكلاين بنحو 11.28% مستقطبًا تداولات بقيمة 170.3 مليون جنيه بحلول الساعة الواحدة ظهرًا، وصعد سهم أكتوبر فارما بنحو 6.8%، وارتفعت أسهم إيبكو وممفيس والإسكندرية للأدوية بنسب تراوحت بين 2.4% و5.7%، وقفز سهما مستشفى النزهة الدولي والنيل للأدوية بنحو 8% و6.2% على الترتيب، وفق بيانات مباشر، في إشارة إلى أن السيولة الانتقائية ما زالت تبحث عن الأسهم الدفاعية والقصص الفردية حتى في الجلسات الحمراء.
تحليل الفلوس
ما حدث اليوم في البورصة المصرية ليس انهيارًا جديدًا بقدر ما هو فشل أول في اختبار الثقة فوق مستوى الخمسين ألف نقطة. السوق التي خسرت 218 مليار جنيه في جلستين ثم استعادت 155 مليارًا في جلسة، عادت فخسرت 27 مليارًا فقط، أي أنها لم تسلّم مكاسب الثلاثاء كاملة، والمشتري المصري الذي استوعب وحده صافي بيع العرب والأجانب في الأسهم ما زال حاضرًا ومستعدًا للشراء عند التراجع. المشكلة الحقيقية ليست في سوق الأسهم ذاتها، بل في سوق الدين؛ فاستمرار تخارج الأجانب من الأذون والسندات بمئات الملايين من الدولارات يوميًا يبقي الجنيه تحت الضغط، ويجعل أي ارتدادة في الأسهم رهينة لخبر خارجي واحد، سواء كان قرار الفيدرالي الليلة أو تطورًا إقليميًا جديدًا في ملف الطاقة ومضيق هرمز.
لذلك فإن جلسة الغد الخميس، آخر جلسات الأسبوع، ستكون هي الحكم الفعلي على اتجاه السوق قصير الأجل؛ فإذا جاء قرار الفيدرالي مساء اليوم متسقًا مع التوقعات دون مفاجآت تشددية، وثبّت البنك المركزي المصري الفائدة غدًا كما يجمع المحللون، فقد تجد السوق أرضية للتماسك وإعادة محاولة الإغلاق فوق الخمسين ألف نقطة على أسس أهدأ. أما إذا حملت تصريحات وارش نبرة أكثر تشددًا أو تسارعت تخارجات الدين، فالأقرب أن يبقى المؤشر متذبذبًا أسفل هذا المستوى النفسي. وبالنسبة للمستثمر الفرد، الرسالة الأهم من جلسة اليوم هي أن التذبذب الحاد صار هو القاعدة لا الاستثناء؛ فإدارة حجم المراكز وتجنب الشراء الهامشي المكثف قبل القرارات الكبرى أهم بكثير من محاولة توقيت القاع بدقة، لأن السوق في أسبوع واحد أثبتت أنها قادرة على خسارة مئات المليارات واستعادتها ثم خسارة جزء منها مجددًا في ثلاث جلسات متتالية.







