بعد بنك القاهرة.. الحكومة تطرح 20% من «مصر لتأمينات الحياة» في البورصة خلال نوفمبر بحصيلة مستهدفة 14 مليار جنيه

Published:

تستعد مصر لتأمينات الحياة لطرح 20% من رأسمالها في البورصة المصرية خلال شهر نوفمبر المقبل، في خطوة أعلنها الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، لتكون الشركة ثاني كيان حكومي كبير يصل إلى سوق المال خلال أسابيع، بعد طرح بنك القاهرة الذي أُغلق اكتتابه العام في اليوم نفسه.

وبحسب ما صرّح به الوزير لصحيفة «الشروق»، تستهدف الحكومة جمع حصيلة تقترب من 14 مليار جنيه من طرح الحصة المقررة، في إطار برنامج الطروحات الحكومية الذي يهدف إلى توسيع قاعدة ملكية الشركات المملوكة للدولة وتعميق مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي. ويتولى بنك الاستثمار إي إف جي هيرميس إدارة الطرح، بينما يعمل المستشار المالي المستقل على تحديد القيمة العادلة لسهم الشركة، على أن تنتهي أعمال التقييم خلال نحو أسبوعين.

تفاصيل طرح مصر لتأمينات الحياة في البورصة المصرية

الحصة المستهدفة للطرح تصل إلى 20% من رأسمال أكبر شركة تأمينات حياة في مصر من حيث الحصة السوقية والأقساط المحصلة، وهي شركة تابعة لمجموعة مصر القابضة للتأمين المملوكة للدولة. ويمثل تحديد القيمة العادلة الخطوة الفاصلة قبل الإعلان عن السعر النهائي للسهم ونطاق الطرح، لأن أرقام الحصيلة المستهدفة، 14 مليار جنيه مقابل خمس رأس المال، تعني ضمنًا تقييمًا إجماليًا للشركة يقترب من 70 مليار جنيه، وهو رقم سيختبره السوق والمستشار المستقل معًا خلال الأسبوعين المقبلين.

وتعمل إدارة الطرح في إي إف جي هيرميس على استكمال الإجراءات الفنية والمالية اللازمة، تمهيدًا لتسجيل الأسهم وبدء تلقي طلبات الاكتتاب من المستثمرين المؤهلين والأفراد، على غرار ما جرى في طرح بنك القاهرة الذي قُسّم إلى شريحة خاصة للمؤسسات وشريحة عامة للأفراد.

ويأتي الإعلان في اليوم نفسه الذي أُغلق فيه الاكتتاب العام في أسهم بنك القاهرة، أكبر طروحات البورصة هذا العام، والذي غطّت «الفلوس» تفاصيله في: بنك كندا يرفع الفائدة لأول مرة منذ 2023 إلى 2.5% خوفًا من تسرب أسعار الطاقة إلى التضخم.. وكلمة السر: النفط.

لماذا يأتي طرح مصر لتأمينات الحياة الآن؟

توقيت الإعلان ليس عشوائيًا. فالحكومة خرجت للتو من تجربة بنك القاهرة التي شهدت إقبالًا مؤسسيًا كثيفًا؛ إذ غُطّيت الشريحة الخاصة بنحو ست مرات، وارتفعت التغطية إلى 19.8 مرة بعد استبعاد الأسهم المخصصة للمستثمرين المؤهلين المعلن عنهم مسبقًا، واستقر السعر النهائي عند الحد الأعلى للنطاق الاسترشادي البالغ 5.30 جنيه للسهم. وحصل الطرح على دفعة إضافية بموافقة مجلس الوزراء على رفع الحصة المحتملة من 30% إلى 45% من رأس المال، بما يصل بالقيمة الحسابية للطرح إلى نحو 36 مليار جنيه عند التنفيذ الكامل.

هذا الزخم هو ما تحاول وزارة الاستثمار البناء عليه سريعًا قبل نهاية العام، في وقت تتعهد فيه الحكومة أمام صندوق النقد الدولي، الذي يراجع برنامج مصر في مراجعته الثامنة والأخيرة، بتسريع برنامج الطروحات وتوسيع دور القطاع الخاص. ويُنتظر أن تتيح المراجعة الأخيرة لمصر تمويلات تقترب من 2.3 مليار دولار، لكن الرسالة الأهم من الطروحات المتتالية ليست الحصيلة الدولارية، بل إثبات أن البرنامج يتحرك فعليًا بعد سنوات من الإعلانات المؤجلة.

ماذا يعني إدراج شركة تأمين حياة لهذا الحجم للبورصة؟

قطاع التأمين ممثل في البورصة المصرية بعدد محدود من الشركات، ودخول كيان بحجم مصر لتأمينات الحياة يضيف قطاعًا دفاعيًا جديدًا لقائمة الخيارات أمام مديري المحافظ، خاصة أن شركات تأمينات الحياة تتميز بتدفقات نقدية منتظمة من الأقساط ومحافظ استثمارية ضخمة في أدوات الدين الحكومية والسندات. وفي سوق يهيمن عليها البنوك والعقارات والموارد الأساسية، يمنح إدراج بهذا الوزن المؤشر الرئيسي تنوعًا قطاعيًا كان يفتقده.

كما أن الطرح يفتح الباب أمام تسعير علني لقطاع ظل بعيدًا عن أعين السوق؛ فحتى اليوم لا توجد شركة تأمينات حياة مدرجة تمنح المستثمر مرجعًا سعريًا لمضاعفات الربحية والقيمة الدفترية في هذا النشاط، وسيصبح سهم مصر لتأمينات الحياة هذا المرجع من أول جلسة تداول.

أرقام تضع طرح مصر لتأمينات الحياة في سياقه

للمقارنة، بلغت قيمة الشريحة الخاصة وحدها في طرح بنك القاهرة نحو 34.55 مليار جنيه، بما يعادل قرابة 625 مليون دولار، وهي أكبر شريحة طرح خاص في تاريخ الطروحات الأولية بالبورصة المصرية، وانعكست على قيمة سوقية للبنك تقترب من 80.83 مليار جنيه. كما وافقت الهيئة العامة للرقابة المالية على زيادة أسهم الشريحة العامة المخصصة للأفراد إلى 343.125 مليون سهم، بما رفع حصة الأفراد إلى 7.5% من حجم الطرح بدلًا من 5%، وهي سابقة سيطالب المستثمرون الأفراد بتكرارها في طرح مصر لتأمينات الحياة، خاصة أن الحصة المستهدفة هذه المرة، 20% من رأس المال، أصغر نسبيًا من حصة بنك القاهرة، ما يجعل توزيعها بين المؤسسات والأفراد اختبارًا مباشرًا لعدالة التخصيص التي وعدت بها وزارة الاستثمار.

تحليل الفلوس

القصة الحقيقية في هذا الطرح ليست الرقم المعلن، 14 مليار جنيه، بل السعر الذي سيستقر عليه التقييم المستقل. فتجربة الأسابيع الماضية، ومنها الجدل الذي أثاره اقتصاديون حول تسعير الطروحات السيادية وحصة صغار المستثمرين فيها، جعلت السوق شديد الحساسية لأي تقييم يبدو مُغالى فيه أو مُجحفًا بحق المال العام في الاتجاهين. تقييم عادل وشفاف، يُنشر ملخصه قبل فتح باب الاكتتاب، هو ما سيحوّل الطرح من خبر حكومي جديد إلى حدث سوقي ناجح، وهو أيضًا ما سيحدد إن كانت الشريحة العامة للأفراد ستحصل على فرصة حقيقية أم ستتكرر ملاحظات تركز الحصص الكبرى لدى المؤسسات المؤهلة مسبقًا.

النقطة الثانية التي تستحق المتابعة هي توقيت التنفيذ. نوفمبر المقبل يعني أن الطرح سيجري في بيئة نقدية مشدودة: البنك المركزي المصري يحسم قرار الفائدة اليوم الخميس وسط إجماع على التثبيت عند 19%، والدولار يتداول فوق 56 جنيهًا، وأسعار النفط فوق 115 دولارًا تضغط على التضخم. في مثل هذه البيئة تتنافس الطروحات الجديدة مع شهادات بنكية بعوائد مرتفعة على سيولة الأفراد، ونجاح التغطية سيتوقف على تسعير يترك هامش صعود معقولًا للمكتتبين بدلًا من استخراج أقصى قيمة ممكنة من أول يوم.

أما على المدى الأطول، فإن تتابع طرح بنك القاهرة ثم مصر لتأمينات الحياة، إذا اكتمل فعلًا في نوفمبر، سيعيد تشكيل خريطة البورصة المصرية ويرفع وزن القطاع المالي غير المصرفي فيها، وسيمنح الحكومة ورقة إثبات قوية في ملف الطروحات أمام المؤسسات الدولية. ما يجب مراقبته الآن: إعلان القيمة العادلة خلال أسبوعين، ونسبة الشريحة العامة المخصصة للأفراد، وهل ستلتزم الوزارة بموعد نوفمبر أم ينزلق الطرح كغيره إلى العام الجديد.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img