النفط يستقر على تراجع الخميس: برنت عند 114.88 دولارًا بين رسالة سلام أمريكية وألغام هرمز.. وأوبك+ تجتمع الأحد

Published:

أغلقت أسعار النفط تعاملات الخميس 29 أكتوبر 2026 على تراجع محدود، في جلسة تذبذبت فيها السوق بين خبرين متعاكسين تمامًا: رسالة أمريكية تحمل إشارة إلى إحياء محادثات السلام مع إيران، وتصعيد خطير في مضيق هرمز بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني أن ثلاث ناقلات نفط اصطدمت بألغام بحرية واشتعلت فيها النيران. وبحسب وكالة رويترز، استقرت العقود الآجلة لخام برنت عند التسوية على انخفاض قدره 44 سنتًا، بما يعادل 0.38%، لتغلق عند 114.88 دولارًا للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 78 سنتًا، أو 0.76%، ليستقر عند 102.00 دولار للبرميل.

التراجع عند التسوية جاء أقل بكثير من حدة التحركات داخل الجلسة نفسها، فقد هبط الخامان بأكثر من دولارين للبرميل في وقت سابق من التعاملات، قبل أن تتقلص الخسائر تدريجيًا مع تقييم المتعاملين لاحتمالات التصعيد البحري. وبذلك تخلت السوق عن جزء من مكاسب الأربعاء، حين صعد برنت 1.3% إلى 115.32 دولارًا والخام الأمريكي نحو 3% إلى 102.78 دولارًا.

أسعار النفط بين رسالة سلام واشنطن ومخاوف الإمداد

العامل الذي ضغط على الأسعار كان آمالًا متجددة في محادثات واشنطن وطهران؛ إذ وجّه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس رسالة إلى المسؤول الإيراني محسن رضائي، سُلّمت عبر وسطاء قطريين، في محاولة لإعادة فتح قناة تفاوضية تخفف التوتر حول الممرات والإمدادات. وفي سوق تعيش على علاوة مخاطر ضخمة، يكفي تلميح كهذا لدفع المضاربين إلى جني الأرباح، وهو ما ظهر في هبوط تجاوز دولارين خلال التعاملات.

لكن التفاؤل لم يصمد حتى نهاية اليوم؛ فمع توالي أنباء المضيق أدرك المتعاملون أن رسالة واحدة لا تعني اتفاقًا، وأن طريق التهدئة طويل. وجاءت التسوية سلبية لكن محدودة، في توازن هش بين أمل سياسي غير مؤكد وخطر مادي قائم.

ادعاء الألغام في هرمز: ثلاث ناقلات بحسب الحرس الثوري، دون تأكيد مستقل

على الجانب الآخر من المعادلة، أعلنت بحرية الحرس الثوري الإيراني، في بيان نقلته وكالة إيرنا الرسمية، أن ثلاث ناقلات نفط اصطدمت بألغام بحرية وانفجرت واشتعلت فيها النيران خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، أثناء استخدامها ما وصفه البيان بمسار جنوبي غير مصرح به عبر مضيق هرمز. وأضاف البيان أن أطقم الناقلات أطفأت أنظمة الملاحة وتجاهلت التحذيرات، وأن الناقلات تُركت عالقة قبالة الساحل الجنوبي للمضيق. ولم تُعرف حتى الآن هويات الناقلات الثلاث، ولا وضع أطقمها، ولا حصيلة أي إصابات محتملة.

ويجب التعامل مع هذا الإعلان بحذر مهني كامل: فالادعاء الإيراني لم يتم تأكيده من مصدر مستقل حتى لحظة كتابة هذا التقرير، ولم تتمكن وكالة أسوشيتد برس من التحقق منه. وفي كل الأحوال، يكفي تداول خبر ألغام في أهم ممر نفطي في العالم لإبقاء علاوة المخاطر في الأسعار مرتفعة، مهما كانت تفاصيل الواقعة النهائية.

تقرير منفصل عن سفينة مشتعلة قبالة خصب العُمانية

بشكل منفصل، ولا يمكن الجزم حتى الآن بأي صلة بينه وبين ادعاء الناقلات الثلاث، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) بوجود سفينة مشتعلة على بعد نحو 9 أميال بحرية شمال مدينة خصب العُمانية. وبحسب ما نقلته الهيئة، وصفت سفينة عابرة السفينة المشتعلة بأنها تعرضت لإصابة بمقذوف، وأنها بدت مغمورة إلى حد كبير تحت الماء، بينما ظل وضع طاقمها غير معروف. والفصل بين الحادثتين واجب في هذه المرحلة: لا توجد معلومة مؤكدة تربط السفينة المشتعلة قبالة خصب بالناقلات التي تحدث عنها بيان الحرس الثوري، وأي ربط متسرع قد يضخم الصورة أو يشوهها.

حركة المضيق عند 4% من مستواها الطبيعي واحتياطيات الطوارئ تتحرك

خلف عناوين التصعيد، ترسم أرقام الحركة الفعلية صورة أخطر من أي بيان. فقد بلغ عدد مرات العبور عبر المضيق نحو 25 عملية عبور فقط خلال الأربع والعشرين ساعة حتى نحو الساعة 12:01 ظهرًا بتوقيت جرينتش يوم الخميس، بينما قُدّر حجم النفط المتجه إلى الخارج عبر المضيق بنحو 0.48 مليون برميل فقط، أي أقل بنحو 96% من المستويات التي كانت سائدة قبل الحرب، وذلك وفق بيانات شركة لويدز ليست إنتليجنس التي أوردتها نشرات السوق. أي أن المضيق يعمل بنحو 4% فقط من طاقته المعتادة، في شلل شبه كامل لأهم شريان نفطي في العالم.

في مواجهة هذا الشلل، تتحرك الحكومات الغربية من باب المخزون لا من باب الإنتاج. فمن المقرر أن تُسلّم خلال الأيام المقبلة الشريحة الأولى من احتياطيات الطوارئ التي أقرتها مجموعة السبع ووكالة الطاقة الدولية، وتبلغ نحو 42 مليون برميل من النفط الخام والديزل، بحسب شركة دي تي إن المتخصصة في بيانات الطاقة. وفي الولايات المتحدة، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تراجع مخزونات الخام التجارية بمقدار 1.9 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 23 أكتوبر، لتصل إلى 410.625 مليون برميل، في رابع انخفاض أسبوعي متتالٍ. والرسالة واضحة: العالم يستهلك من مخزونه لتعويض ما لا يصل من المضيق، وهو حل له سقف زمني.

ويمكن متابعة تطورات الجلسة السابقة وتسلسل صعود الأسعار قبل تراجع الخميس في تغطيتنا لجلسة الأربعاء: النفط يغلق الأربعاء على ارتفاع وسط مخاوف الضربات على إيران، حيث بدأت موجة الصعود التي تخلّت السوق عن جزء منها يوم الخميس.

أسبوع مزدحم: نتائج إكسون وشيفرون الجمعة وأوبك+ الأحد

تستعد السوق لسلسلة أحداث متلاحقة قد تعيد رسم أسعار النفط في الأيام المقبلة. ففي يوم الجمعة 30 أكتوبر تعلن إكسون موبيل وشيفرون نتائج أعمالهما، لقياس أثر الأسعار المرتفعة على أرباح المنتجين وخطط الإنفاق والإنتاج. وجاءت مؤشرات أولية قوية من أوروبا يوم الخميس نفسه، إذ تجاوزت أرباح شل في الربع الثالث التوقعات مسجلة نحو 10.8 مليار دولار، وحققت توتال إنرجيز نحو 9.1 مليار دولار متجاوزة التقديرات أيضًا، بحسب تغطيات متخصصة في القطاع، في إشارة إلى أن شركات النفط الكبرى تجني ثمار علاوة الحرب كاملة.

أما الحدث الأهم فيقع يوم الأحد 1 نوفمبر 2026، حين تجتمع دول أوبك+ السبع المشاركة في اتفاق إدارة الإنتاج لمراجعة أوضاع السوق. ويأتي الاجتماع في لحظة استثنائية: أسعار فوق 110 دولارات، ومضيق شبه مغلق، ومخزونات تتراجع. أي إشارة لزيادة الإمدادات قد تخفف الضغط فورًا، بينما يُقرأ التثبيت الحذر قبولًا ضمنيًا بالأسعار الحالية. وحتى الأحد، تبقى السوق أسيرة العناوين السياسية.

تحليل الفلوس

ما يُبقي برنت فوق 110 دولارات رغم تراجع الخميس ليس الطلب العالمي ولا حتى التصريحات، بل رقم واحد: 0.48 مليون برميل فقط تعبر هرمز، أي نحو 4% من التدفق الطبيعي. السوق تعرف أن الاحتياطيات الاستراتيجية، بمن فيها شريحة الـ42 مليون برميل الأولى، تشتري أسابيع لا شهورًا، وأن رابع تراجع أسبوعي متتالٍ في المخزون الأمريكي يعني أن الوسادة تنكمش من الطرفين معًا. لهذا السبب لم تستطع حتى رسالة فانس إلى رضائي، وهي إشارة دبلوماسية حقيقية، أن تهبط بالسعر أكثر من دولارين قبل أن يعود المشترون؛ فالمتعاملون يفرّقون اليوم بين تهدئة تُخفف علاوة المخاطر وبين انفراجة تعيد النفط نفسه إلى البحر، والثانية لم تحدث بعد. ويظل ادعاء الألغام، حتى دون تأكيد، رافعًا للكلفة عبر أقساط التأمين البحري.

في الأيام المقبلة محفزان قد يحرّكان هذا التوازن: نتائج إكسون وشيفرون الجمعة ستكشف إن كان المنتجون الأمريكيون سيسرّعون الإنتاج أم سيحتفظون بانضباطهم، واجتماع أوبك+ الأحد أهم؛ فالتحالف لا يستطيع فتح هرمز، لكنه يستطيع تعويض جزء من النفط المحتجَز ببراميل من خارج منطقة الخطر، وقرار كهذا قد يهز علاوة المخاطر أكثر من أي تصريح. أما المراجعة الروتينية فستعني قبول المنتجين بسقف الأسعار الحالي، ويبقى برنت رهين خبر عسكري واحد.

بالنسبة لمصر، الخط من برنت عند 114.88 دولارًا إلى جيب المواطن قصير ومباشر. كل دولار إضافي في سعر البرميل يرفع فاتورة استيراد الوقود والمنتجات البترولية، ويوسّع الفجوة التي تحسبها لجنة التسعير التلقائي بين كلفة المنتج وسعر بيعه، ويضغط على بند دعم الطاقة في الموازنة في وقت قرر فيه البنك المركزي المصري رفع الفائدة لمواجهة موجة تضخمية تغذيها الطاقة نفسها. وصول دفعات ديزل الطوارئ إلى أوروبا مهم للقاهرة من زاوية أخرى: منتجات البحر المتوسط تُسعّر على أسواق المنطقة، وأي انفراجة أوروبية تخفف منافسة مصر على شحنات الديزل والسولار وتخفف علاوة الشراء. لذلك فاجتماع الأحد ونتائج الجمعة جزء من حساب سيظهر خلال أسابيع في أسعار النقل والسلع، وفي قرار اللجنة المقبل، وفي قدرة المركزي على التمهل إذا بدأ النفط نفسه في التراجع.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img