«قد جانبه الصواب».. بهذه العبارة الحاسمة وصف الخبير الاقتصادي هاني توفيق قرار البنك المركزي المصري، مساء الخميس 29 أكتوبر 2026، رفع أسعار الفائدة بنسبة 1% كاملة، معتبرًا أن القرار سيكلف الموازنة العامة للدولة نحو 150 مليار جنيه إضافية كل عام في خدمة الدين المحلي وحده، وهو رقم وصفه بأنه «هائل» في وقت تعاني فيه المالية العامة أصلًا من عجز يقترب من 1.5 تريليون جنيه سنويًا. وجاءت تصريحات توفيق في حديث خاص لموقع «إيجي إن»، كما نشر موقفًا مماثلًا على صفحته الشخصية بموقع فيسبوك، بحسب ما نقلته بوابة مصراوي، ليكون بذلك من أوائل الأصوات الاقتصادية التي خرجت علنًا ضد قرار فاجأ الأسواق وخالف إجماع التوقعات.
وكان البنك المركزي قد قرر في اجتماع لجنة السياسة النقدية رفع سعر عائد الإيداع إلى 20%، وسعر الإقراض إلى 21%، وسعر العملية الرئيسية إلى 20.5%، مقابل 19% و20% و19.5% قبل القرار، في أول زيادة لأسعار الفائدة منذ نحو عامين ونصف العام. وجاءت الخطوة عكس توقعات أغلب بيوت الخبرة والمحللين الذين رجحوا التثبيت، بعد أن أظهرت بيانات التضخم لشهر سبتمبر تسجيل الرقم القياسي العام 13.9% والتضخم الأساسي 14.1%، وهي مستويات رأى كثيرون أنها لا تستدعي تشديدًا إضافيًا بهذا الحجم في هذا التوقيت.
هاني توفيق: رفع الفائدة يضيف 150 مليار جنيه إلى فاتورة الدين
يرتكز اعتراض هاني توفيق على حساب بسيط ومباشر: الحكومة هي أكبر مقترض في السوق المحلية، وكل نقطة مئوية إضافية في سعر الفائدة تتحول تلقائيًا إلى أعباء جديدة على الموازنة العامة عند إصدار أذون وسندات الخزانة بالأسعار الجديدة. وبحسب تقديره، فإن الزيادة الأخيرة وحدها تعني نحو 150 مليار جنيه إضافية سنويًا في بند خدمة الدين المحلي، تضاف إلى فاتورة فوائد تتجاوز أصلًا إيرادات الدولة في بعض التقديرات، وتلتهم الجزء الأكبر من موارد الموازنة قبل أن تصل أي مبالغ إلى التعليم أو الصحة أو الدعم أو الاستثمارات العامة.
ويشير توفيق إلى أن العجز الكلي للموازنة يدور حول 1.5 تريليون جنيه سنويًا، وهو ما يعني أن الدولة تقترض باستمرار لتغطية الفارق بين مصروفاتها وإيراداتها، وأن رفع تكلفة هذا الاقتراض في مثل هذه الظروف يشبه من يزيد أقساط ديونه وهو مثقل بها أصلًا. فبدلًا من أن تتجه السياسة النقدية إلى تخفيف الضغط عن المالية العامة تدريجيًا بعد دورة طويلة من التشديد، جاء القرار ليعيد رفع التكلفة من جديد، ويطيل أمد المعاناة التي تتحملها الخزانة العامة، ومن ورائها دافعو الضرائب والمواطنون الذين يتلقون الخدمات العامة.
هاني توفيق يحذر: الاستثمار والتشغيل أول الضحايا
لم يتوقف نقد هاني توفيق عند الموازنة، بل امتد إلى الاقتصاد الحقيقي بكل مكوناته. فمن وجهة نظره، فإن رفع الفائدة بهذا الشكل يثبط الاستثمار المباشر، لأن المستثمر الذي يجد عائدًا مضمونًا ومريحًا في أدوات الدين الحكومية أو في الودائع البنكية لن يغامر بضخ أمواله في مصنع أو مشروع إنتاجي تحيط به المخاطر من كل جانب. وهكذا تخسر الدولة مرتين: مرة عندما تدفع فوائد أعلى على ديونها، ومرة أخرى عندما يتباطأ الاستثمار الذي كان يمكن أن يخلق وظائف ويدر ضرائب ويزيد الإنتاج والتصدير.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يرفع مباشرة تكاليف الإنتاج على المصانع والشركات، فالمنتج الذي يقترض لتمويل رأس المال العامل أو شراء الخامات سيحمّل الزيادة الجديدة على السعر النهائي لسلعته، أو يقلص إنتاجه، أو يؤجل خطط التوسع وتشغيل عمالة جديدة. والنتيجة في الحالات الثلاث واحدة تقريبًا: ضغط إضافي على معدلات التشغيل، وارتفاع محتمل في البطالة، ومخاطر ركود تتسع رقعته كلما طالت فترة بقاء الفائدة عند هذه المستويات المرتفعة، فضلًا عن أعباء معيشية جديدة على المواطنين الذين يواجهون أصلًا موجات متتالية من ارتفاع الأسعار.
ويرى توفيق أن المستفيد الوحيد الواضح من القرار هم أصحاب المدخرات والمودعون الذين سيحصلون على عوائد أعلى على ودائعهم وشهاداتهم، وهي فائدة مشروعة في حد ذاتها، لكنها لا تعوض من وجهة نظره الخسائر الأوسع التي سيتحملها الاقتصاد كله، من موازنة مثقلة واستثمار متراجع وتشغيل مهدد. فالمعادلة كما يطرحها غير متوازنة: مكسب محدود لفئة تحتفظ بمدخرات في البنوك، مقابل تكلفة عامة يدفعها الجميع، بمن فيهم من لا يملكون أي مدخرات أصلًا.
من توقع التثبيت صباحًا إلى رفض الرفع مساءً
تكتسب تصريحات هاني توفيق أهمية إضافية من توقيتها وسياقها؛ ففي صباح يوم القرار نفسه، وبعد أن أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق 3.75% إلى 4%، كان توفيق من الأصوات التي رجحت أن يتجه البنك المركزي المصري إلى تثبيت الفائدة هو الآخر، استنادًا إلى هدوء الضغوط الخارجية واستقرار نسبي في مسار التضخم السنوي. لكن لجنة السياسة النقدية فاجأت السوق بقرار الرفع مساءً، ليتحول موقف الخبير الاقتصادي خلال ساعات من الترقب الهادئ إلى انتقاد صريح ومعلن، وهو تحول يعكس حجم المفاجأة التي أحدثها القرار في الأوساط الاقتصادية، ويمنح رفضه وزنًا يتجاوز مجرد الاختلاف المعتاد حول قرارات السياسة النقدية.
ويمكن قراءة تفاصيل القرار وخلفياته كاملة في تغطية «الفلوس» لقرار البنك المركزي برفع الفائدة 100 نقطة أساس، والتي رصدت أسباب اللجنة وردود الفعل الأولى في السوق. كما نشر توفيق موقفه على صفحته الشخصية على فيسبوك، بحسب مصراوي، موازيًا لتصريحاته الصحفية، في إشارة إلى رغبته في إيصال رسالته إلى جمهوره مباشرة دون انتظار.
المصدر الأصلي لتصريحات هاني توفيق: موقع إيجي إن – «رقم هائل».. هاني توفيق يحذر من عبء رفع الفائدة، ونقلت بوابة مصراوي أيضًا منشوره على صفحته بفيسبوك عبر هذا الرابط.
تحليل الفلوس
رقم الـ150 مليار جنيه الذي طرحه هاني توفيق لا يجب أن يُقرأ بمعزل عن الصورة الأكبر لخدمة الدين في مصر؛ فالموازنة العامة تدفع أصلًا فوائد تقترب في بعض السنوات من حجم إيراداتها بالكامل، ما يعني أن الدولة تعمل جانبًا كبيرًا من نشاطها المالي لمجرد سداد تكلفة ديون قديمة وتجديدها بأسعار جديدة. وحين تُرفع الفائدة نقطة مئوية كاملة، فإن الأثر لا يظهر دفعة واحدة، بل يتسلل تدريجيًا مع كل عطاء أذون خزانة جديد يعيد تسعير جزء من الدين المحلي الضخم، حتى تستقر الفاتورة الإضافية عند مستواها السنوي الكامل. وهنا تكمن خطورة القرار من زاوية المالية العامة تحديدًا: أثره بطيء الظهور لكنه طويل البقاء، ولا يمكن التراجع عنه بمجرد خفض الفائدة لاحقًا إلا بقدر ما أُصدر بالفعل بالأسعار المرتفعة.
في المقابل، لم يكن البنك المركزي يتحرك في فراغ؛ فلجنة السياسة النقدية واجهت معادلة صعبة بكل المقاييس: سعر دولار تجاوز 56 جنيهًا في السوق، وتسارع شهري ملحوظ في الأسعار رغم تراجع المعدل السنوي، ومخاوف من أن يتحول أي تراخٍ نقدي إلى ضغط جديد على العملة وتوقعات التضخم معًا. ومن هذه الزاوية، يبدو الرفع رسالة تشديد استباقية هدفها حماية الجنيه وكبح التوقعات قبل أن تستفحل، حتى لو كان ثمنها مؤلمًا على جبهة الدين والاستثمار. والتجربة المصرية علمت صناع السياسة أن فقدان السيطرة على التضخم وسعر الصرف أغلى بكثير من فاتورة فائدة مرتفعة، ولو مؤقتًا، وهو المنطق الذي يقف غالبًا خلف قرارات من هذا النوع.
ما الذي يجب أن يراقبه المواطن والمستثمر في الأيام المقبلة؟ أولًا عطاءات أذون الخزانة وعوائدها الفعلية، فهي الترجمة العملية الأولى للقرار وستكشف إن كانت السوق قد استوعبت الرفع أم ستطالب بعلاوات إضافية. وثانيًا قرارات لجان الأصول والخصوم في البنوك الكبرى خلال الأسبوع المقبل بشأن شهادات الادخار وأسعار العائد، فهي التي تحدد ما سيصل فعليًا إلى جيب المودع. وأخيرًا اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل في 17 ديسمبر، الذي سيكون أول اختبار حقيقي لمسار القرار: هل كان رفع أكتوبر خطوة واحدة محسوبة، أم بداية دورة تشديد جديدة؟ وحتى تتضح الإجابة، يظل تحذير توفيق قائمًا على أرضية رقمية يصعب تجاهلها: كل يوم بقاء للفائدة عند هذه المستويات يضيف عبئًا جديدًا إلى موازنة لم تعد تحتمل المزيد.
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات هاني توفيق وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







