قال الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، إن قرار البنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس يمثل «قرارًا وقائيًا» يستهدف إدارة السيولة وتوجيه رسالة واضحة بشأن الالتزام بالعودة إلى مستهدف التضخم، واستباق استمرار الضغوط بدلًا من انتظار ظهور أثرها بالكامل في البيانات الفعلية. وجاءت تصريحات محمد فؤاد عن رفع الفائدة في أعقاب اجتماع لجنة السياسة النقدية مساء الخميس 29 أكتوبر 2026، الذي رفع سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20% والإقراض إلى 21%، وسعر العملية الرئيسية والائتمان والخصم إلى 20.5%، في أول زيادة منذ مارس 2024 وبعد خمسة اجتماعات متتالية من التثبيت.
محمد فؤاد ورفع الفائدة: لماذا يراه قرارًا وقائيًا لا بداية لدورة تشديد؟
أوضح فؤاد أن قرار رفع الفائدة لا يستند إلى معدلات التضخم الحالية وحدها، وإنما إلى مخاطر ارتفاع توقعاته في ظل تحركات سعر الصرف وضغوط الطاقة والتمويل، مؤكدًا أن القرار يمثل تحركًا وقائيًا متدرجًا لتعزيز هامش التقييد النقدي ومصداقية مستهدف التضخم، وليس بالضرورة بداية دورة مفتوحة من التشديد النقدي. ويستهدف البنك المركزي بلوغ متوسط معدل التضخم نطاق 7% (± نقطتين مئويتين) في الربع الرابع من عام 2026، ثم نطاق 5% (± نقطتين) في الربع الرابع من 2028، بينما سجل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 12.8% في سبتمبر الماضي مقابل 12.7% في أغسطس، مع تسارع التضخم الشهري إلى 1.5% وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وأضاف أن إعلان المستهدف وحده لا يكفي لتوجيه توقعات التسعير في الأسواق، حيث إن تحركات الدولار والتكلفة تمنح السوق وزنًا أكبر من المسار المعلن للأسعار، وهو ما يعكس — في تقديره — فجوة في المصداقية كانت تستدعي التحرك. فالأسواق، كما يقرأها فؤاد، لا تسعّر الوعود؛ تسعّر ما تراه في سعر الصرف وفواتير الاستيراد وتكلفة التمويل، ومن هنا كان على المركزي أن يدعم كلامه بأداة فعلية.
كل انخفاض في الجنيه بنسبة 1% يضيف 0.18 نقطة للتضخم.. والذروة بعد 9 أشهر
واستند محمد فؤاد في تبرير التحرك الاستباقي إلى تقديرات البنك المركزي نفسه لانتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار: انخفاض قيمة العملة بنسبة 1% يرفع التضخم العام السنوي بنحو 0.18 نقطة مئوية في المتوسط خلال السنة الأولى، على أن تبلغ استجابة التضخم ذروتها بعد نحو 9 أشهر. وبما أن الجنيه تراجع بنحو 8% خلال الأسابيع الأخيرة مسجلًا في البنك المركزي 56.21 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع، فإن الأثر الكامن على الأسعار — لو تُرك دون احتواء — كان سيتوزع على الشهور المقبلة ويثبّت نفسه في توقعات التجار والمستهلكين، وهو ما يبرر، من وجهة نظر فؤاد، التحرك الآن لاحتواء انتقال انخفاض الجنيه إلى الأسعار والتوقعات قبل أن يتحول إلى موجة تسعير جديدة.
وهذه النقطة تحديدًا هي قلب الرسالة الوقائية: التضخم الذي لم يظهر بعد في البيانات هو أخطر من التضخم الظاهر، لأن الثاني يمكن قياسه والتعامل معه، أما الأول فيسكن العقود والتسعير المسبق وطلبات زيادة الأجور. ولهذا يرى فؤاد أن انتظار البيانات الفعلية كان سيعني التحرك متأخرًا وبجرعة أكبر.
الفاتورة على المالية العامة: فوائد تقترب من 10% من الناتج وقصر آجال يسرّع الانتقال
في المقابل، لم يُخفِ فؤاد كلفة القرار على الخزانة العامة؛ إذ أشار إلى أن رفع الفائدة يفرض أعباء إضافية على المالية العامة، في ظل اقتراب مدفوعات الفوائد من 10% من الناتج المحلي الإجمالي وبلوغها 46.7% من المصروفات المستهدفة بالموازنة، مشيرًا إلى أن قصر آجال الدين المحلي يسرّع انتقال ارتفاع تكلفة التمويل إلى الموازنة العامة. فحين يكون متوسط أجل الإصدارات الجديدة قصيرًا، لا تنتظر الموازنة سنوات حتى تشعر بسعر الفائدة الجديد، بل تشعر به في العطاءات التالية مباشرة، مع كل أذن خزانة يُعاد طرحه.
وهي المعادلة الصعبة التي طالما حذّر منها فؤاد في طلبات إحاطته البرلمانية حول إدارة الدين العام: كل نقطة مئوية إضافية في الفائدة تحمي الجنيه والتضخم من جهة، وتضيف عشرات المليارات إلى فاتورة خدمة الدين من جهة أخرى، ولهذا يصبح إطالة آجال الاستحقاق وخفض الاعتماد على الأدوات قصيرة الأجل شرطًا موازيًا لأي تشديد نقدي، لا رفاهية مؤجلة.
محمد فؤاد: خفض الجنيه وحده لا يعالج فجوة التمويل الدولارية الهيكلية
وختم فؤاد قراءته بحدود دور السياسة النقدية ذاته؛ إذ أكد أن مصر لا تستطيع معالجة فجوة التمويل الدولارية الهيكلية من خلال خفض قيمة الجنيه وحده، وإنما تحتاج إلى زيادة صافي الموارد الدولارية وتقليص فجوة الطاقة والتمويل، موضحًا أن دور البنك المركزي يتمثل في احتواء الآثار الثانوية للضغوط التضخمية، بينما تقع على عاتق الحكومة مسؤولية تصميم الإصلاحات الاقتصادية وتوفير الحماية الاجتماعية.
وبذلك يرسم فؤاد تقسيم عمل واضحًا: المركزي يشتري الوقت بالفائدة، لكن الوقت المشترى لا يتحول إلى استقرار دائم إلا إذا استخدمته الحكومة في زيادة موارد النقد الأجنبي الحقيقية — صادرات وتحويلات واستثمارًا أجنبيًا وسياحة — وفي حماية الفئات الأضعف من موجة الأسعار التي قد ترافق أي انتقال متبقٍّ لأثر الصرف.
تحليل الفلوس
قراءة فؤاد للقرار متوازنة على غير العادة في موسم التصريحات الانفعالية: هو لا يحتفي بالرفع ولا يدينه، بل يضعه في خانته الصحيحة — أداة لإدارة التوقعات. وأهم ما في كلامه رقمان يجب أن يظلا أمام أي قارئ للشهور المقبلة: 0.18 نقطة تضخم مقابل كل 1% انخفاض في الجنيه، وذروة أثر بعد 9 أشهر؛ ومعناهما العملي أن حتى لو استقر سعر الصرف من الغد، فإن جزءًا من موجة الأسعار القادمة «محجوز» سلفًا في خط الأنابيب، وأن المركزي سيحتاج إلى إبقاء سياسته متشددة فترة أطول مما تتمناه الأسواق.
أما تحذيره بشأن المالية العامة فهو الاختبار الحقيقي المقبل: مع فوائد تقترب من 10% من الناتج و46.7% من المصروفات، يصبح كل اجتماع قادم للجنة السياسة النقدية قرارًا ماليًا بقدر ما هو قرار نقدي. وما يجب أن يتابعه المواطن والمستثمر معًا في الأسابيع المقبلة هو ثلاثة مؤشرات: عوائد عطاءات أذون الخزانة (هل تنتقل إليها الزيادة كاملة؟)، ومتوسط آجال الإصدارات الجديدة (هل تطول فعلًا؟)، وسعر الدولار في البنوك (هل يهدأ الطلب كما يأمل المركزي؟). إجابات هذه الأسئلة ستحدد إن كان الرفع الوقائي كافيًا، أم أن فؤاد سيعود بعد شهرين ليطالب بجرعة أخرى.
📌 المصدر الأصلي: تصريحات د. محمد فؤاد المنشورة في «المصري اليوم» مساء الخميس 29 أكتوبر 2026: رابط التصريحات الأصلية
📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. محمد فؤاد وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.







