هاني جنينة: رفع الفائدة خطوة جريئة وقوية لتهدئة الطلب على الدولار.. وعوائد الأذون صعدت نقطة كاملة

Published:

قال الدكتور هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس لتداول الأوراق المالية، إن قرار البنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس يمثل «خطوة جريئة وقوية»، مؤكدًا أن البنك المركزي يستهدف تسريع تهدئة الطلب على الدولار بما يساعد على استقرار سعر الصرف عند مستوياته الحالية. وجاءت تصريحات هاني جنينة عن رفع الفائدة مساء الخميس 29 أكتوبر 2026، عقب قرار لجنة السياسة النقدية رفع سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20% والإقراض إلى 21%، وسعر العملية الرئيسية والائتمان والخصم إلى 20.5%، وهو أول رفع منذ مارس 2024 بعد خمسة اجتماعات متتالية من التثبيت.

هاني جنينة ورفع الفائدة: قرار جاء مخالفًا للتوقعات

أقرّ جنينة بأن القرار جاء مخالفًا للتوقعات، إذ كانت التقديرات — ومنها تقديراته هو نفسه قبل الاجتماع — ترجح تثبيت أسعار الفائدة حتى نهاية العام، على اعتبار أن الضغوط الحالية صدمات مؤقتة في جانب العرض لا تستدعي تشديدًا إضافيًا، وأن السياسة النقدية متشددة أصلًا بدرجة استثنائية. لكن جنينة، بدلًا من التمسك بتوقعه السابق، قرأ القرار من زاوية هدفه المعلن: كبح الطلب المتسارع على العملة الأمريكية بعدما تجاوز الدولار مستوى 56 جنيهًا في البنوك خلال الأسبوع، وتخارجت أموال ساخنة قدّرها محللون بنحو 10 مليارات دولار.

واعتبر رئيس بحوث الأهلي فاروس أن القرار خطوة إيجابية في هذا الاتجاه تحديدًا؛ فحين يقرر المركزي الرفع خلافًا لإجماع التوقعات، فإنه يرسل إشارة مزدوجة: للسوق المحلية بأن كلفة المضاربة على الدولار سترتفع، وللمستثمر الأجنبي بأن العائد على الجنيه سيظل مجزيًا بما يكفي لتحمل مخاطره.

تهدئة الطلب على الدولار واستقرار سعر الصرف عند مستوياته الحالية

وأوضح هاني جنينة أن البنك المركزي يستهدف من رفع الفائدة تسريع تهدئة الطلب على الدولار، بما يساعد على استقرار سعر الصرف عند مستوياته الحالية، معتبرًا أن رفع الفائدة يدعم توقعات المستثمرين الأجانب ويوجه رسالة بأن البنك المركزي يسعى إلى الحفاظ على استقرار معدلات التضخم ومنع انفلات توقعاته. ووصف القرار بأنه خطوة جريئة وقوية، رغم وجود سعر فائدة حقيقي يبلغ نحو 5% — أي إن العائد الاسمي كان يتفوق أصلًا على التضخم الحالي، ومع ذلك اختار المركزي زيادة الهامش بدلًا من الاكتفاء به.

والفائدة الحقيقية الموجبة بهذا الحجم هي ما يمنح الجنيه دفاعه الأول أمام الدولار: فالمستثمر الذي يقارن بين عائد بالجنيه يقترب بعد الرفع من مستويات أعلى في أدوات الدين، وبين مخاطر تراجع العملة، يحتاج إلى علاوة تعوّضه عن تلك المخاطر؛ وكلما اتسعت العلاوة الحقيقية، قلّت حوافز الخروج وتباطأ الطلب التحوطي على الدولار من الشركات والمستوردين.

عوائد أذون الخزانة ارتفعت نقطة مئوية كاملة.. ماذا يعني ذلك للأجانب؟

وأشار جنينة إلى أن عوائد أذون الخزانة ارتفعت بالفعل بنحو نقطة مئوية، وهو ما يدعم جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المصرية أمام المستثمرين الأجانب. فالترجمة العملية لقرار المركزي لا تظهر في نشرة أسعار الفائدة وحدها، بل في عطاءات الأذون والسندات التالية للقرار؛ فإذا استقرت العوائد عند مستوياتها الأعلى الجديدة دون أن يطالب المستثمرون بعلاوات أكبر، يكون المركزي قد نجح في إعادة تسعير المخاطر لصالح الجنيه. ويُذكر أن البنوك سجلت مساء الخميس 29 أكتوبر سعر دولار يدور حول 55.99 جنيه للشراء و56.09 جنيه للبيع في المتوسط، بعد قرار الرفع مباشرة.

غير أن جنينة نفسه كان قد حذّر قبل القرار من أن رفع الفائدة لتعويض المستثمرين الأجانب عن مخاطر تراجع الجنيه يحمل تكلفة مرتفعة على الموازنة والشركات والقطاع العقاري، وأن فوائد الديون تلتهم حصة ضخمة من الإيرادات. وقراءته الإيجابية بعد القرار لا تلغي ذلك التحذير، لكنها ترجّح — في حسابات اللحظة — أن كلفة عدم التحرك، مع دولار فوق 56 جنيهًا وتخارجات متسارعة، كانت ستفوق كلفة الرفع ذاته.

السياق الذي غيّر حسابات السوق: دولار فوق 56 وتخارجات بعشرة مليارات

لا يمكن فصل قراءة جنينة عن أسبوع استثنائي عاشته الأسواق المصرية قبل الاجتماع؛ فقد كسر الدولار قمته التاريخية أمام الجنيه متجاوزًا 56 جنيهًا في البنوك، وتراجعت البورصة بحدة في مطلع الأسبوع، بينما قدّر محللون تخارجات الأموال الساخنة من أدوات الدين بنحو 10 مليارات دولار خلال أيام قليلة. وفي مثل هذه اللحظات لا تعود الفائدة مجرد رقم في بيان لجنة السياسة النقدية، بل تصبح رسالة طمأنة فورية لحملة الجنيه: أن البنك المركزي مستعد لدفع ثمن الدفاع عن العملة وعن توقعات التضخم معًا، حتى لو جاء ذلك على حساب تقديرات سابقة كانت ترجح الانتظار.

ولهذا السبب تحديدًا يكتسب وصف «الجريئة» معناه الكامل؛ فالجرأة هنا ليست في حجم الزيادة — نقطة مئوية واحدة ليست صدمة — بل في توقيتها المعاكس للإجماع، وفي استعداد المركزي لتحمل كلفتها المالية المعروفة سلفًا مقابل كسب معركة التوقعات قبل أن تتحول إلى موجة طلب جديدة على الدولار يصعب احتواؤها لاحقًا بأي سعر فائدة.

تحليل الفلوس

موقف جنينة يستحق التوقف عنده لأنه صادر عن أكثر الأصوات التي راهنت علنًا على التثبيت ووصفت الرفع قبل أيام بأنه «رفاهية لا نتحمل تكلفتها». حين يصف الخبير نفسه القرار بعد صدوره بأنه «جريئة وقوية»، فهذا يعني إما أن حجم الضغط على الصرف كان أكبر مما ظهر في البيانات، أو أن رسالة المركزي وصلت إلى السوق بالطريقة التي أرادها بالضبط: مفاجأة محسوبة تعيد ضبط التوقعات. وفي الحالتين، فإن اختبار القرار الحقيقي ليس تصريحات اليوم الأول، بل ثلاثة أسابيع مقبلة من عوائد الأذون وتدفقات الأجانب.

وما يجب أن يراقبه القارئ من هنا: أول عطاءات أذون خزانة كاملة بعد القرار (هل تثبت الزيادة عند نقطة مئوية أم تتسع؟)، وصافي مراكز الأجانب في أدوات الدين (هل يتوقف النزيف؟)، وسعر الدولار بين البنوك (هل يستقر قرب 56 أم يتراجع دونها؟). فإذا تحققت أهداف جنينة المعلنة — تهدئة الطلب واستقرار الصرف — سيكون الرفع قد اشترى للاقتصاد فترة سماح حتى نهاية العام؛ أما إذا عاد الطلب على الدولار للتصاعد رغم الفائدة الأعلى، فسيكون السؤال الأصعب قد عاد إلى الطاولة: ماذا تبقى في جعبة المركزي بعد أن استخدم ورقة المفاجأة؟

📌 المصدر الأصلي: تصريحات د. هاني جنينة المنشورة في «المصري اليوم» مساء الخميس 29 أكتوبر 2026: رابط التصريحات الأصلية


📚 ملف الخبير: تابع كل تصريحات ومقالات د. هاني جنينة وسيرته الذاتية الكاملة في قسم خبراء الاقتصاد على موقع الفلوس.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img