المركزي يطرح أذون خزانة بـ600 مليون يورو اليوم الاثنين.. أول إصدار بالعملة الأوروبية في 2026 لإعادة تمويل استحقاق الغد

Published:

يطرح البنك المركزي المصري، نيابة عن وزارة المالية، اليوم الاثنين 2 نوفمبر 2026 أذون خزانة مقومة باليورو بقيمة 600 مليون يورو، في أول إصدار من نوعه خلال عام 2026، وبأجل استحقاق يبلغ 364 يومًا، أي عام كامل، على أن يتم إعادة تمويل إصدار سابق يستحق الغد الثلاثاء 3 نوفمبر. الإعلان، الذي صدر يوم الخميس 29 أكتوبر ونقلته وكالة رويترز، يعيد فتح أداة تمويل بالعملة الأوروبية توقفت منذ نحو عام، ويضع السوق أمام اختبار جديد لشهية المستثمرين الأجانب والمحليين تجاه الدين المصري بالعملة الصعبة، بعد أيام قليلة من رفع أسعار الفائدة 100 نقطة أساس.

تفاصيل طرح أذون خزانة باليورو اليوم

بحسب ما نقلته رويترز عن إعلان البنك المركزي يوم الخميس 29 أكتوبر، تبلغ قيمة الطرح 600 مليون يورو، وهو ما يعادل نحو 668.82 مليون دولار وفق سعر الصرف الذي أوردته الوكالة عند 1.1147 دولار لليورو الواحد، أو 0.8971 يورو للدولار. الطرح يأتي لحساب وزارة المالية، الجهة المسؤولة عن إصدار أدوات الدين الحكومي، بينما يتولى البنك المركزي إدارة العطاء وتنفيذه كوكيل عن الوزارة، وهو الدور نفسه الذي يؤديه في عطاءات أذون وسندات الخزانة بالجنيه المصري.

أجل الإصدار الجديد 364 يومًا يعني أن الأموال التي ستجمعها الحكومة اليوم ستستحق الرد بعد عام كامل، في نوفمبر 2027، مضافًا إليها العائد الذي سيتحدد في مزاد اليوم. وهذه الآجال القصيرة نسبيًا هي سمة أذون الخزانة عمومًا، إذ لا تتجاوز عامًا واحدًا، بخلاف السندات التي تمتد لسنوات. والفارق الجوهري هنا أن الدين باليورو، لا بالجنيه، وبالتالي فإن التزام الحكومة عند الاستحقاق سيكون باليورو أيضًا، مهما تحرك سعر الصرف خلال العام.

توقيت الطرح ليس عشوائيًا. الإصدار الجديد يسبق بيوم واحد فقط استحقاق الإصدار السابق، الذي يحل أجله غدًا الثلاثاء 3 نوفمبر 2026. بهذا الترتيب، تستخدم الحكومة حصيلة الطرح الجديد في سداد أصل الإصدار القديم، في عملية يعرفها سوق الدين باسم إعادة التمويل أو تدوير الاستحقاق، وهي ممارسة معتادة في إدارة الدين العام، لكنها تظل رهينة بقدرة السوق على استيعاب الطرح الجديد بالكامل وبعائد مقبول.

ماذا حدث في آخر طرح أذون خزانة باليورو؟

بالعودة إلى آخر تجربة مماثلة، نشر البنك المركزي بيانات عطاء نوفمبر 2025، حين طرح أذون خزانة باليورو بقيمة 600 مليون يورو أيضًا. يومها تلقى المركزي 22 عرضًا من المستثمرين بقيمة إجمالية بلغت 707.8 مليون يورو، أي بتغطية تجاوزت القيمة المطروحة. وقبل المركزي 18 عرضًا بقيمة 627.8 مليون يورو، متجاوزًا بذلك المستهدف الأصلي، وبسعر عائد موحد بلغ متوسطه المرجح 2.25%.

تفاصيل ذلك العطاء، كما نشرها البنك المركزي، تكشف صورة أوضح لشهية السوق وقتها. أدنى عائد طلبه المستثمرون كان 2.25%، وأعلى عائد وصل إلى 3.401%، لكن المركزي قبل جميع العروض المقبولة عند مستوى 2.25% فقط، رافضًا ضمنيًا أي تكلفة أعلى من ذلك. النتيجة كانت تمويلًا أوروبيًا رخيصًا نسبيًا مقارنة بتكلفة الاقتراض بالجنيه، ورسالة بأن الطلب على أدوات الدين المصرية باليورو كان موجودًا وبقوة قبل عام.

برنامج أذون الخزانة باليورو نفسه ليس جديدًا. بدأ العمل به في أغسطس 2012، وكان أول عائد سجله الإصدار الأول في ذلك الوقت 3.25%. منذ ذلك التاريخ، لجأت وزارة المالية إلى هذه الأداة على فترات متقطعة، بحسب احتياجات التمويل بالعملة الأجنبية وظروف السوق العالمية، قبل أن تتوقف خلال الفترة الماضية وتعود اليوم بأول إصدار في 2026.

بين اليورو والجنيه: فجوة تكلفة هائلة

لفهم دوافع الحكومة، يكفي النظر إلى ما جرى في سوق الجنيه قبل يوم واحد فقط. في عطاء الأحد 1 نوفمبر 2026، أول عطاء أذون خزانة بالجنيه بعد قرار رفع الفائدة يوم الخميس 29 أكتوبر، طرح المركزي أذونًا لأجل 91 يومًا و273 يومًا بقيمة إجمالية 110 مليارات جنيه، لكن العائد قفز إلى مستويات وصلت إلى 26.36%، ولم يقبل المركزي في النهاية سوى 74 مليار جنيه فقط، رافضًا العروض الأعلى تكلفة. تفاصيل ذلك العطاء نشرها موقع الفلوس في تقرير عوائد أذون الخزانة بعد رفع الفائدة، كما تابع الموقع جدول العطاءات في تقرير طرح أذون الخزانة بقيمة 110 مليارات جنيه يوم الأحد.

قرار الفائدة الأخير رفع سعر الإيداع إلى 20% وسعر الإقراض إلى 21% لليلة واحدة، وهو ما انعكس فورًا على تكلفة اقتراض الحكومة بالجنيه. عندما تدفع الخزانة أكثر من 26% على أذون لأجل تسعة أشهر، يصبح الاقتراض باليورو عند عائد كان 2.25% قبل عام مغريًا من زاوية التكلفة الاسمية وحدها، حتى بعد إضافة مخاطر سعر الصرف. الفارق يتجاوز 23 نقطة مئوية كاملة، وهو فارق يزن مليارات الجنيهات عند ترجمته إلى أعباء خدمة دين في الموازنة العامة.

ولا يتوقف جدول الاقتراض هذا الأسبوع عند طرح اليورو. بحسب تقارير جدول عطاءات البنك المركزي، يبلغ إجمالي عطاءات الجنيه المتبقية خلال الأسبوع، يومي الاثنين والخميس، نحو 137 مليار جنيه. البنوك الحكومية تظل هي المشتري الأكبر لأدوات الدين المحلية، وهو ما يمنح وزارة المالية قاعدة طلب مستقرة في السوق المحلية، لكنه في الوقت نفسه يركز الائتمان الحكومي داخل ميزانيات البنوك العامة. في المقابل، طرح اليورو يستهدف شريحة مختلفة: بنوك ومؤسسات ومستثمرين يملكون سيولة بالعملة الأوروبية، وبعضهم من الأجانب الذين يتابعون العائد المعدل بالمخاطر على الدين المصري.

تحليل الفلوس

المعادلة التي تدفع وزارة المالية نحو اليورو مفهومة ومشروعة من زاوية إدارة الدين: لماذا تدفع 26% أو أكثر بالجنيه إذا كان بوسعك الاقتراض بنحو 2 إلى 3% باليورو؟ لكن هذه المقارنة ناقصة إذا توقفت عند رقم العائد. الدين بالعملة الأجنبية يخلق التزامًا بالعملة الأجنبية. الحكومة ستجمع اليوم 600 مليون يورو، وستنفق قيمتها على احتياجات مقومة في أغلبها بالجنيه أو على سداد التزام سابق باليورو، ثم عليها بعد 364 يومًا أن تدبر 600 مليون يورو أخرى مضافًا إليها العائد، من حصيلة صادرات أو سياحة أو تحويلات أو اقتراض جديد. إذا تراجع الجنيه خلال العام، ارتفعت تكلفة هذا الدين بالجنيه حتى لو ظل العائد الأوروبي ثابتًا، وقد يبتلع تراجع العملة جزءًا كبيرًا من وفورات فارق الفائدة.

الخطر الثاني هو خطر التدوير نفسه. إعادة التمويل تنجح ما دامت الأسواق مفتوحة والطلب حاضرًا. لكن مزاد اليوم يأتي في لحظة حساسة: بعد أربعة أيام فقط من رفع مفاجئ للفائدة بمقدار 100 نقطة أساس، وفي أعقاب خروج تدفقات من الأموال الساخنة خلال أكتوبر تحدثت عنه تقارير السوق. إذا جاءت تغطية عطاء اليوم ضعيفة، أو اضطر المركزي لقبول عائد أعلى بفارق واضح عن 2.25% المسجلة قبل عام، فستكون تلك إشارة سلبية عن شهية الأجانب، وستضطر المالية إما لدفع تكلفة أعلى باليورو، أو لتعويض النقص باقتراض إضافي بالجنيه عند 26%، أو للسحب من موارد النقد الأجنبي لسداد استحقاق الغد. أما إذا تكررت تغطية العام الماضي وتجاوزت العروض القيمة المطروحة عند عائد قريب من مستويات 2025، فسيقرأها السوق كتصويت ثقة متجدد رغم تشديد السياسة النقدية.

ما يجب متابعته اليوم وغدًا محدد وواضح: نسبة التغطية، أي حجم العروض مقابل 600 مليون يورو المطروحة، وعدد العروض المقبولة، والمتوسط المرجح للعائد مقارنة بـ2.25%. هذه الأرقام الثلاثة ستقول عن نظرة المستثمر الأجنبي والمحلي لمصر بعد الرفع الأخير للفائدة أكثر مما تقوله أي تصريحات. وستحدد أيضًا ما إذا كانت أداة اليورو ستعود كقناة تمويل منتظمة في 2026 و2027، أم ستبقى حلقة استثنائية مرتبطة باستحقاق واحد. على وزارة المالية، في كل الأحوال، أن توازن بين إغراء التكلفة الرخيصة اليوم وبين تراكم التزامات بالعملة الصعبة تستحق في توقيتات متقاربة، فالدين الرخيص باليورو يظل دينًا باليورو.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img