الفيدرالي الأمريكي يترك الباب مفتوحًا لتثبيت الفائدة في أكتوبر.. وولر: مزيد من الرفع ضروري لكن بوتيرة مرنة

Published:

قبل أسبوعين فقط من اجتماعه المرتقب يومي 27 و28 أكتوبر، أرسل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رسالة محسوبة بدقة إلى الأسواق: مزيد من رفع الفائدة بات ضروريًا لإخضاع التضخم، لكن الفيدرالي الأمريكي لا يتعجل موعد الرفعة التالية — والباب يبقى مفتوحًا أمام تثبيت الفائدة في اجتماع أكتوبر نفسه.

الرسالة جاءت على لسان عضو مجلس المحافظين كريستوفر وولر يوم الخميس 8 أكتوبر، خلال كلمة ألقاها في منتدى للبنك المركزي التركي في إسطنبول، نقلتها وكالة رويترز، وبعد يوم واحد فقط من نشر الفيدرالي لمحضر اجتماع سبتمبر الذي كشف أن غالبية صناع السياسة النقدية يرون حاجة إلى رفع إضافي قبل نهاية العام. وفي مصر تحديدًا، تُتابع هذه التطورات باهتمام مضاعف، لأن اجتماع الفيدرالي في 27-28 أكتوبر يسبق بيومين فقط اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري في 29 أكتوبر، الذي سيناقش مصير أسعار الفائدة محليًا.

موقف الفيدرالي الأمريكي: رفع إضافي بلا جدول ملزم

قال وولر في كلمته، وفق ما نقلته رويترز: “إذا استمرت البيانات الاقتصادية في التحسن كما هو متوقع، أتوقع مزيدًا من الرفع لدعم عودة التضخم إلى هدفه البالغ 2% بشكل أسرع. لكن هناك مرونة بشأن توقيت هذا الرفع، فالرفعات لا تحتاج أن تأتي في اجتماعات متتالية، وإن كانت يجب أن تتم خلال فترة زمنية مقبولة”.

بهذا التمييز بين “الاتجاه” و”التوقيت”، حسم وولر واحدة من أكثر النقاشات إثارة في وول ستريت خلال الأسابيع الأخيرة: هل يعني تراجع توقعات الرفع في أكتوبر أن الفيدرالي يتراجع عن سياسة التشديد؟ إجابة وولر كانت واضحة — الهدف النهائي ثابت وهو رفع إضافي، أما التوقيت فمرن وخاضع للبيانات. وبهذا، بدا الفيدرالي الأمريكي أقل استعدادًا لمفاجأة الأسواق في أكتوبر، وأكثر تصميمًا على إكمال دورة التشديد قبل نهاية العام.

السياق الذي قيلت فيه هذه الكلمات يستحق التوقف. الفيدرالي رفع الفائدة ربع نقطة مئوية في سبتمبر الماضي، ليصل بالنطاق إلى 3.75% – 4%، في أول رفع للفائدة منذ أكثر من ثلاث سنوات — انعطافة جذرية بعد دورة تيسير امتدت من سبتمبر إلى ديسمبر 2025 خفضت الفائدة خلالها 75 نقطة أساس. التوقعات الصادرة مع قرار سبتمبر أظهرت أن 16 من 18 عضوًا في لجنة السوق المفتوحة يتوقعون رفعًا إضافيًا واحدًا على الأقل خلال ما تبقى من 2026، بينما يرى بعضهم أن الرفع قد يطال اجتماعي أكتوبر وديسمبر معًا.

التضخم يتعنت وسوق العمل تتراجع: معادلة معقدة أمام الفيدرالي الأمريكي

تبرير وولر لحاجة مزيد من الرفع يستند إلى خليط من البيانات الأخيرة. التضخم الأساسي، مقاسًا بمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) الذي يفضله الفيدرالي، بلغ 3% على أساس سنوي في أغسطس، متجاوزًا مستهدف 2% بفارق يصعب تجاهله، وقد استقر التضخم الأساسي في نطاق 2.5% إلى 3% منذ ربيع 2024 دون تقدم ملموس نحو المستهدف. ويرى وولر أن ضغوطًا جديدة تضاف إلى المعادلة: أسعار الطاقة المرتفعة، والرسوم الجمركية والتوترات التجارية، وحتى طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي التي ترفع الطلب على السلع والخدمات الرئيسية.

في المقابل، جاءت بيانات سوق العمل الأمريكية لشهر سبتمبر، الصادرة يوم 2 أكتوبر، أضعف بكثير مما كان متوقعًا. فقد أضاف الاقتصاد الأمريكي 29 ألف وظيفة فقط مقابل توقعات تراوحت بين 84 و90 ألفًا، فيما ارتفع معدل البطالة إلى 4.2% من 4.1%. وزادت الصورة قتامة بعد مراجعة بيانات يوليو وأغسطس بخفض 60 ألف وظيفة مجتمعة — بل وتحول يوليو إلى فقدان 10 آلاف وظيفة بدلًا من إضافة 21 ألفًا. أما نمو الأجور السنوي فقد تباطأ إلى 3%، وهو ما يعطي الفيدرالي الأمريكي مبررًا للانتظار قبل تشديد آخر.

هذا التضارب بين تضخم عنيد وسوق عمل متباطئة هو ما يفسر المرونة التي تحدث عنها وولر. فالفيدرالي الأمريكي يقف أمام مفاضلة كلاسيكية: رفع جديد يضرب ما تبقى من زخم التوظيف، أو تثبيت يترك التضخم يتنفس فوق المستهدف. ولهذا بدا وولر حريصًا على الإبقاء على الخيارين مفتوحين — تشديد إضافي مؤكد الاتجاه، وتوقيت يخضع لكل بيانة جديدة.

ماذا تسعر الأسواق الآن؟

رد فعل الأسواق جاء متوافقًا مع هذه الرسالة. فبحسب أداة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة CME، انخفض احتمال رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر إلى نحو 17% فقط — أي أن الأسواق ترى التثبيت شبه مؤكد في 27-28 أكتوبر، خصوصًا أن الاجتماع يأتي قبل أسبوع من انتخابات الكونغرس الأمريكي. في المقابل، تسعر الأسواق احتمالًا يقترب من 81% إلى 90% لرفع ربع نقطة في اجتماع 8-9 ديسمبر، مع رهانات على رفع آخر محتمل مطلع 2027.

أي أن السوق والفيدرالي الأمريكي متفقان حاليًا على السيناريو الأساسي: هدنة أكتوبر، ثم رفع ديسمبر إذا استمرت البيانات كما هي. المفاجآت الوحيدة التي يمكن أن تقلب هذا السيناريو ستأتي من بيانات التضخم الأمريكية المقرر صدورها يوم 14 أكتوبر، وأي قراءة مفاجئة قد تعيد تسعير أكتوبر نفسه.

ماذا يعني مسار الفيدرالي الأمريكي لمصر؟

هنا يبدأ الجانب الذي يهم القارئ المصري فعلًا. فمسار الفائدة الأمريكية ينعكس على مصر عبر ثلاث قنوات مباشرة. الأولى هي الأموال الساخنة: كلما ارتفعت عوائد أدوات الدين الأمريكية وأصبح الدولار أكثر جاذبية، زادت كلفة الاحتفاظ باستثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية. ومصر عاشت هذا الدرس مؤخرًا — فقد شهدت تدفقات خروج 9.5 مليار دولار من الأموال الساخنة قبل أن تعود بأكثر منها، ما يعني أن المستثمرين الأجانب يراقبون الفارق بين العائد المصري والأمريكي بدقة.

القناة الثانية هي سعر صرف الجنيه. الدولار القوي تاريخيًا يضغط على عملات الأسواق الناشئة، ويرفع كلفة الواردات المصرية بالدولار — من القمح والطاقة إلى مستلزمات الإنتاج — وهو ما يغذي بدوره التضخم المحلي ويصعّب مهمة البنك المركزي المصري. والقناة الثالثة هي توقيت القرار: الفيدرالي الأمريكي يعلن قراره مساء 28 أكتوبر بتوقيت القاهرة، والبنك المركزي المصري يجتمع صباح 29 أكتوبر، ما يعني أن صناع القرار في القاهرة سيدخلون اجتماعهم وهم يعرفون بالضبط ما فعله الفيدرالي وما قاله عن المستقبل.

العامل المطمئن نسبيًا في هذه المعادلة أن احتياطي النقد الأجنبي المصري سجل 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر — أعلى مستوى في تاريخه — وهو ما يمنح المركزي المصري وسادة نقدية للتعامل مع أي تقلبات ناجمة عن قرار الفيدرالي. لكن الاحتياطي مهما كان مرتفعًا لا يلغي الحسابات الأساسية: فارق العائد والاتجاه العالمي للفائدة يحددان في النهاية شهية الأجانب للجنيه.

تحليل الفلوس

رسالة وولر في جوهرها تقول شيئًا واحدًا: معركة الفيدرالي الأمريكي مع التضخم لم تنتهِ، والدولار القوي باقٍ معنا حتى نهاية العام على الأقل. بالنسبة لمصر، هذا يعني أن البيئة العالمية لن تكون رحيمة بعملات الأسواق الناشئة في الربع الأخير من 2026، وأن أي رهان على تراجع سريع للدولار عالميًا هو رهان سابق لأوانه. السيناريو المسعر حاليًا — تثبيت في أكتوبر ورفع في ديسمبر — هو في الحقيقة أفضل ما يمكن أن تتمناه القاهرة من واشنطن: فائدة أمريكية مرتفعة لكنها مستقرة في المدى القريب، تمنح البنك المركزي المصري هامشًا للتحرك وفق حساباته المحلية دون أن يُجرَّ جرًا وراء الفيدرالي.

لكن هذا الهامش مشروط ببيانة واحدة: تقرير التضخم الأمريكي الصادر يوم 14 أكتوبر. فإذا جاءت القراءة أعلى من المتوقع، ستقفز توقعات رفع أكتوبر نفسه، ويتحول السيناريو من “هدنة أكتوبر” إلى “مفاجأة أكتوبر” — وهو ما سيعني ضغوطًا فورية على الجنيه واختبارًا صعبًا لشهية الأجانب في أدوات الدين المصرية قبل اجتماع المركزي المصري بـ24 ساعة. أما إذا جاءت القراءة متماشية أو أدنى، فستتثبت الصورة الحالية ويصبح اجتماع 28 أكتوبر إجراءً شكليًا تنتقل بعده الأنظار كليًا إلى 29 أكتوبر في القاهرة.

بالنسبة للمدخر والمستثمر المصري، المعادلة العملية الآن واضحة: العائد على الشهادات والودائع المحلية ما زال يحمل فارقًا مغريًا فوق العائد الأمريكي، لكن هذا الفارق يُحسب بعد خصم مخاطر سعر الصرف — وهي المخاطر التي تتغذى تحديدًا على قوة الدولار العالمية. من يفكر بالدولار كملاذ، عليه أن يدرك أن الفيدرالي الأمريكي نفسه يعمل على إبقائه قويًا حتى نهاية العام. ومن يراهن على الجنيه، فعليه أن يراقب قرار 29 أكتوبر وما سيقوله البنك المركزي المصري عن التضخم المحلي. القرار الأهم في الأسابيع المقبلة ليس في واشنطن — واشنطن كشفت أوراقها تقريبًا — بل في القاهرة، حيث ستُترجم الإشارات الأمريكية إلى قرار مصري خالص.

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربهhttps://elfolos.com
أحمد عبد ربه — صحفي وإعلامي مصري، ومؤسس ورئيس تحرير موقع الفلوس (ELFOLOS). درس الإعلام والصحافة في جامعتي القاهرة وطنطا، ويعمل مديرًا لمنتدى الحوار من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يكتب ويشرف على تغطية الاقتصاد المصري: أسعار الذهب والدولار، البنوك وشهادات الادخار، البورصة، والسياسات الاقتصادية، بهدف تبسيط المعلومة المالية للمواطن المصري.

Related articles

spot_img

Recent articles

spot_img