خفض المحللون توقعات أسعار الذهب لعام 2026 للمرة الثانية على التوالي في الاستطلاع الفصلي لوكالة رويترز، ليهبط متوسط التوقعات إلى 4495 دولارًا للأوقية، في إشارة واضحة إلى أن قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأمريكية أخذا من بريق المعدن الذي كان قد سجل مستوى قياسيًا عند 5595 دولارًا في يناير الماضي. الاستطلاع نُشر يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، وجاء قبل ساعات من قرار الاحتياطي الفيدرالي مساء اليوم الأربعاء، وقبل اجتماع البنك المركزي المصري غدًا الخميس، وهو ما يجعل أرقامه مهمة بشكل خاص للمدخر المصري الذي يراقب سعر عيار 21 عند مستويات 6390 إلى 6395 جنيهًا.
تفاصيل استطلاع رويترز: خفض ثانٍ على التوالي في توقعات أسعار الذهب
شمل استطلاع رويترز 30 محللًا ومتداولًا جرى استطلاع آرائهم خلال الأسابيع الثلاثة الماضية. وجاء متوسط توقعاتهم لسعر الذهب في 2026 عند 4495 دولارًا للأوقية، منخفضًا من 4509 دولارات في الاستطلاع السابق قبل ثلاثة أشهر. الفارق يبدو صغيرًا، 14 دولارًا فقط، لكن اتجاهه هو الخبر: هذا هو الخفض الثاني على التوالي، بعد سنوات كان فيها كل استطلاع جديد يرفع السقف أعلى من سابقه.
في المقابل، رفع المحللون توقعاتهم لعام 2027 إلى 4650 دولارًا للأوقية، مقارنة بـ4610 دولارات في الاستطلاع السابق. الصورة إذن ليست انهيارًا في الثقة بالذهب، بل تأجيلًا لموعد الصعود. المحللون يقولون عمليًا إن الضغوط الحالية ستستمر أطول مما كان متوقعًا، وإن التعافي سيأتي، لكن في العام بعد المقبل بصورة أوضح، لا في الشهور القليلة المقبلة.
رويترز أشارت أيضًا في تقرير منفصل اليوم الأربعاء 28 أكتوبر إلى أن المحللين خفضوا توقعاتهم لأسعار البلاتين والبلاديوم في 2026 للربع الثالث على التوالي، وهو ما يؤكد أن الضغط لا يطال الذهب وحده، بل مجموعة المعادن النفيسة كلها، وإن كان الذهب هو الأقدر على التماسك بينها بفضل طلب البنوك المركزية.
لماذا تراجعت توقعات أسعار الذهب؟ عوائد مرتفعة ودولار قوي وحرب إيران
الأسباب التي ساقها المشاركون في الاستطلاع تتكرر بلا اختلاف تقريبًا: عوائد سندات الخزانة الأمريكية مرتفعة، والدولار قوي، وتوقعات بأن تبقى أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول. الذهب لا يدر عائدًا، فحين تدفع السندات الأمريكية عائدًا سخيًا، يصبح الاحتفاظ بمعدن لا يوزع شيئًا مكلفًا نسبيًا، ويخرج جزء من أموال المضاربة إلى الدولار والسندات.
رحلة العام نفسه تشرح الخلفية. الذهب لامس 5595 دولارًا للأوقية في يناير، وهو رقم قياسي تاريخي، ثم هوى تدريجيًا إلى نحو 4000 دولار الآن، في حدود 4030 إلى 4061 دولارًا في تعاملات اليوم الأربعاء قبل قرار الفيدرالي. حرب إيران رفعت أسعار النفط، والنفط الأغلى أعاد إشعال مخاوف التضخم، فارتفعت العوائد، وقوي الدولار، وفقد الذهب جزءًا كبيرًا من زخمه. خسارة تقارب 28% من القمة إلى اليوم ليست تصحيحًا عابرًا، بل إعادة تسعير كاملة لتوقعات الفائدة والتضخم في العالم.
لهذا جاء خفض التوقعات منطقيًا من وجهة نظر المحللين. من كان يتوقع متوسطًا أعلى من 4500 دولار بات مضطرًا للاعتراف بأن النصف الثاني من العام لم يسر كما رسمه، وأن بقاء الفائدة مرتفعة يضغط على أي أصل لا يدر دخلًا. لكن اللافت أن الخفض ظل محدودًا جدًا، ولم يتحول إلى توقعات بهبوط حاد، وهذا فارق جوهري سنعود إليه في التحليل.
أصوات من السوق: تماسك ثم تعافٍ، وطلب آسيوي وبنوك مركزية تسند السعر
سوكي كوبر، المحللة في بنك ستاندرد تشارترد، ترى أن الأسعار ستتماسك ثم تتعافى في الشهور المقبلة، مع تحول تركيز السوق إلى قصص أطول أجل: اتجاه تقليل الاعتماد على الدولار، ومخاوف تآكل قيمة العملات الورقية بفعل الديون والعجز. هذه الحجج لم تختفِ مع التصحيح، بل هدأت مؤقتًا تحت ضغط العوائد، وقد تعود إلى الواجهة سريعًا إذا تغيرت لهجة الفيدرالي.
رونا أوكونيل من شركة ستون إكس ذهبت إلى نقطة عملية: بعيدًا عن حدث استثنائي من نوع «البجعة السوداء»، ستجد الأسعار دعمًا من تحسن الطلب الفعلي في الهند والصين، أكبر سوقين للمشغولات والسبائك في العالم. وأضافت أن مشتريات البنوك المركزية ترسل رسالة عن إدارة المخاطر أهم من حجم الأطنان المشتراة نفسه، لأنها تقول للسوق إن المؤسسات الرسمية نفسها تريد تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار.
هذه النقطة الأخيرة تفسر لماذا لم ينهار الذهب رغم كل الضغوط. البنوك المركزية تشتري بصبر ولا تبيع عند التصحيح، والطلب الآسيوي يعود كلما انخفض السعر، فيتشكل أرضية يصعب كسرها. الاستطلاع يعكس هذا التوازن: توقعات أقل من قبل، لكنها ما زالت أعلى من السعر الحالي بفارق مريح.
الفضة في الاستطلاع: توقعات أعلى من السعر الحالي وحذر أكبر
في الفضة، توقع المحللون متوسط سعر عند 70.30 دولارًا للأوقية في 2026، و66.75 دولارًا في 2027، مقارنة بسعر حالي يدور حول 53 دولارًا. الفضة بدورها سجلت رقمًا قياسيًا عند 121.60 دولارًا في يناير قبل أن تتراجع بعنف، وتاريخها معروف بتقلبات أشد من الذهب في الاتجاهين.
ازدواجية الفضة هي نقطة قوتها وضعفها معًا. هي معدن نفيس ومعدن صناعي في آن واحد، ولذلك تتأثر بأسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول أكثر من الذهب، وتتأثر أيضًا بتباطؤ الطلب الصناعي. الاستطلاع أشار إلى ضعف الطلب من قطاع الألواح الشمسية، واتجاه المصنعين إلى بدائل أرخص، وحذر المستثمرين بعد انعكاس تدفقات صناديق المؤشرات هذا العام، بما يترك السوق في حالة فائض عرض. أوكونيل لخصت الموقف بقولها إن الفضة مرشحة لأداء أضعف من الذهب في الفترة المقبلة، وهي رسالة تستحق الانتباه ممن يتعامل مع الفضة كبديل رخيص للذهب.
ماذا يعني ذلك لمصر؟ عيار 21 عند 6395 جنيهًا ودولار فوق 56
في السوق المصرية، استقر الذهب عيار 21 اليوم الأربعاء في حدود 6390 إلى 6395 جنيهًا للجرام، كما رصد تقرير أسعار الذهب في مصر اليوم الأربعاء على الفلوس، بينما يتحرك السعر العالمي حول 4030 إلى 4061 دولارًا في انتظار قرار الفيدرالي عند الساعة 18:00 بتوقيت جرينتش. المعادلة المحلية لا تعتمد على الأوقية وحدها، فسعر الدولار في مصر فوق 56 جنيهًا يرفع تكلفة كل انخفاض عالمي، ويجعل الجرام المحلي أقل حساسية للهبوط العالمي وأسرع استجابة لأي صعود.
للمدخر المصري، الفارق بين متوسط توقعات 2026 عند 4495 دولارًا والسعر العالمي الحالي قرب 4030 دولارًا يعادل نحو 11% صعودًا محتملًا إذا تحققت توقعات المحللين، قبل حساب أي تحرك إضافي في سعر الصرف محليًا. لكن الطريق إلى هذا الرقم لن يكون خطًا مستقيمًا، فقرار الفيدرالي الليلة واجتماع البنك المركزي المصري غدًا الخميس قد يحركان السوقين العالمي والمحلي في أيام قليلة أكثر مما تحركا في أسابيع.
تحليل الفلوس
القراءة الدقيقة لاستطلاع رويترز ليست أنه إشارة هبوط، بل أنه توقع صاعد جرى تقليمه. حين يخفض 30 محللًا متوسطهم من 4509 إلى 4495 دولارًا، فهم لا يقولون إن الذهب انتهى، بل يقولون إن الصعود سيتأخر وسيكون أصعب. والدليل الأقوى في الأرقام نفسها: التوقع المخفض ما زال أعلى من السعر الحالي بنحو 11%، وتوقعات 2027 جرى رفعها لا خفضها. لو كان المحللون قد انقلبوا على الذهب فعلًا، لرأينا خفضًا بثلاثة أرقام وتراجعًا في توقعات العام التالي، ولم يحدث أي من ذلك.
بالنسبة لمن يفكر في الشراء في مصر الآن، الصورة مركبة. الشراء عند عيار 21 قرب 6395 جنيهًا يعني الدخول بعد تصحيح عالمي كبير من قمة 5595 دولارًا، وهو توقيت أفضل بكثير من الشراء عند القمم، لكنه لا يلغي احتمال مزيد من التذبذب إذا أبقى الفيدرالي لهجته متشددة الليلة أو إذا فاجأ المركزي المصري السوق غدًا. التقسيم على دفعات يظل النهج العملي: جزء الآن لمن هدفه الادخار الطويل، وجزء مؤجل لما بعد وضوح قراري الفائدة، بدل رهان واحد بكامل المبلغ على جلسة واحدة.
ما يستحق المراقبة في الأيام المقبلة محدد وواضح: لهجة الفيدرالي الليلة حول مسار ديسمبر، وقرار البنك المركزي المصري غدًا وانعكاسه على الجنيه والشهادات، واستمرار مشتريات البنوك المركزية العالمية التي تشكل أرضية السعر. إذا بقي الذهب فوق 4000 دولار رغم فائدة مرتفعة ودولار قوي، فتلك علامة قوة لا ضعف، وسيكون استطلاع رويترز المقبل هو الحكم على ما إذا كان خفض اليوم مجرد استراحة في اتجاه صاعد، أم بداية مراجعة أعمق.







