تراجعت أسعار النفط في التعاملات الآسيوية المبكرة اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026، لتتخلى عن جزء من مكاسب الجلسة السابقة، بعدما أعادت رسالة أمريكية جديدة إلى طهران إحياء آمال استئناف محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما خفف مؤقتًا مخاوف المتعاملين من تعطل إمدادات الخام من الشرق الأوسط. وبحسب ما نقلته وكالة رويترز صباح اليوم، هبطت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.22 دولار، بما يعادل 1.1%، لتسجل 114.10 دولار للبرميل عند الساعة 03:51 بتوقيت جرينتش، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 1.33 دولار، أو 1.3%، إلى 101.45 دولار للبرميل.
أسعار النفط تنعكس الخميس بعد قفزة الأربعاء
جاء التراجع صباح الخميس عكسًا كاملًا لاتجاه جلسة الأربعاء، التي أغلقت فيها أسعار النفط على ارتفاع واضح مدفوعة بمخاوف التصعيد في البحر الأحمر والخليج. فقد أنهى خام برنت تعاملات الأربعاء مرتفعًا 1.3% عند 115.32 دولار للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس بنحو 3% ليستقر عند 102.78 دولار، كما غطى موقع الفلوس في تقريره السابق حول ارتفاع النفط عند التسوية وسط مخاوف من ضربة على إيران. الفارق بين جلستين متتاليتين، واحدة شراء بدافع الخوف وأخرى بيع بدافع الأمل في التهدئة، يلخص حالة السوق منذ أسابيع: الأسعار لا تتحرك على أساسيات العرض والطلب وحدها، بل على كل خبر سياسي يصدر من واشنطن أو طهران أو صنعاء.
رسالة واحدة من نائب الرئيس الأمريكي أعادت تسعير علاوة المخاطر الجيوسياسية في السوق، ولو بشكل جزئي. ومع ذلك، ظل برنت فوق 114 دولارًا، وهو مستوى مرتفع يعكس أن السوق لم تتخلَّ عن حذرها، وأن أي تطور ميداني جديد قد يعيد الأسعار إلى الصعود بالسرعة نفسها التي هبطت بها.
رسالة فانس إلى رضائي: باب خلفي لمحادثات السلام
المحرك الرئيسي لتراجع أسعار النفط اليوم كان ما كشفته صحيفة وول ستريت جورنال يوم الأربعاء، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين، من أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بعث برسالة إلى محسن رضائي، المسؤول الأمني الإيراني البارز، يسعى من خلالها إلى إحياء مفاوضات السلام بين البلدين. الرسالة، بحسب التقرير، تأتي ضمن تحرك أوسع شارك فيه وسطاء قطريون قدموا إلى إيران مسودة اتفاق جديدة، في محاولة لفتح قناة تفاوض بعد فترة من الجمود والتهديدات المتبادلة.
لكن الرد الإيراني الأولي لم يكن مشجعًا. فقد نقلت التقارير عن مسؤول إيراني كبير قوله إن المسودة المقدمة تتضمن «أفكارًا غير مقبولة» ولا ترقى إلى مستوى عرض حقيقي يمكن البناء عليه. هذا التباين بين التحرك الأمريكي والتحفظ الإيراني هو ما جعل هبوط الأسعار محدودًا، فالسوق أمام إشارة دبلوماسية لم تتحول بعد إلى مفاوضات فعلية، وأمام طرف إيراني يرفع سقف مطالبه أو يختبر جدية واشنطن قبل أي التزام.
تعليق يوكي تاكاشيما، المحلل في نومورا سيكيوريتيز، لخص مزاج السوق حين قال لوكالة رويترز إن «ضغوط البيع تسود وسط توقعات بأن محادثات السلام قد تُستأنف، لكن التراجع يظل محدودًا». فالمستثمرون يبيعون على الخبر، لكنهم لا يبنون مراكز بيع كبيرة على أمل لم يتأكد بعد.
هجمات الحوثيين ورأس تنورة: عوامل تدفع في الاتجاه المعاكس
في مقابل إشارة التهدئة القادمة من واشنطن، واصلت الجبهة اليمنية ضخ أخبار تدفع أسعار النفط إلى الأعلى وتمنعها من هبوط أعمق. فقد هاجم الحوثيون يوم الأربعاء مطار عدن، بحسب ما أعلنته القوات الحكومية اليمنية، في تصعيد جديد داخل اليمن نفسه. وفي الساعات الأولى من اليوم الخميس، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية أنه دمر صاروخًا باليستيًا أُطلق باتجاه المنطقة الشرقية من المملكة، وهي المنطقة التي تضم منشآت نفطية حيوية.
الأخطر في رواية الحوثيين كان ادعاءهم إصابة مصفاة رأس تنورة، أكبر مصافي السعودية بطاقة 550 ألف برميل يوميًا. هذا الادعاء لم تؤكده السلطات السعودية حتى الآن، لكن مجرد تداوله يكفي لإبقاء علاوة مخاطرة في الأسعار، لأن أي توقف حقيقي فيها سيظهر أثره فورًا في شحنات الخام المتجهة إلى آسيا. يضاف إلى ذلك تقارير سابقة لصحيفة وول ستريت جورنال عن احتمال ضربة أمريكية لإيران بعد انتخابات 3 نوفمبر.
مخزونات الخام الأمريكية تتراجع للأسبوع الرابع
بعيدًا عن السياسة، جاءت بيانات المخزونات الأمريكية لتدعم الأسعار من زاوية أساسيات السوق. فقد أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تراجع مخزونات الخام في الولايات المتحدة بمقدار 1.9 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 23 أكتوبر، وهو التراجع الأسبوعي الرابع على التوالي، في إشارة إلى أن الطلب الأمريكي على الخام ما زال متماسكًا وأن المعروض المتاح لا يفيض عن حاجة المصافي. في المقابل، ارتفعت مخزونات البنزين بمقدار 3.9 مليون برميل في الأسبوع نفسه، وهو ارتفاع يخفف الضغط على أسعار المنتجات المكررة ويشير إلى تباطؤ نسبي في استهلاك الوقود مع اقتراب نهاية موسم القيادة الصيفي.
الصورة المختلطة للمخزونات، سحب من الخام وبناء في البنزين، تترك السوق بلا اتجاه أساسي حاسم، ولهذا تبقى الكلمة العليا للأخبار السياسية. فحين تتراجع المخزونات أربعة أسابيع متتالية، يصعب على الأسعار أن تهبط بعمق ما لم يحدث انفراج سياسي حقيقي.
أسعار النفط بين سيناريو 108 دولارات وسيناريو 120 دولارًا
التغطيات السوقية المتداولة اليوم ترسم مسارين واضحين للفترة القريبة. المسار الأول يتحقق إذا تحولت الرسائل المتبادلة إلى محادثات رسمية معلنة بين واشنطن وطهران، وحينها قد تتراجع أسعار النفط باتجاه 108 دولارات للبرميل لخام برنت، مع انكماش علاوة المخاطر الجيوسياسية تدريجيًا وعودة التركيز إلى أساسيات السوق. المسار الثاني يتحقق إذا رفضت إيران المسودة بشكل نهائي، أو إذا تأكدت خطط ضربة عسكرية أمريكية، وحينها قد تقفز الأسعار باتجاه 120 دولارًا للبرميل، وربما تتجاوزها إذا تزامن ذلك مع أي تعطل فعلي في منشآت الخليج أو ممرات الشحن.
بين المسارين مسافة 12 دولارًا كاملة في البرميل، تعكس حجم عدم اليقين في سوق الطاقة اليوم. والحكومات المستوردة للطاقة، ومنها مصر، تراقب هذه الأرقام لأنها تحدد فواتير دعم وموازنات لم تُبنَ أصلًا على أسعار فوق 110 دولارات.
تحليل الفلوس
بالنسبة لمصر، الفارق بين سيناريو 108 دولارات وسيناريو 120 دولارًا ليس رقمًا نظريًا على شاشة تداول. القاعدة العملية التي يعرفها كل من يتابع ملف الطاقة المصري هي أن كل ارتفاع مستدام بمقدار 10 دولارات في برميل النفط يضيف عبئًا مباشرًا على فاتورة استيراد الوقود والمنتجات البترولية، ويوسع الفجوة التي تتحملها الموازنة العامة في بند دعم المواد البترولية. مصر تستورد جانبًا مهمًا من احتياجاتها من السولار والبنزين والبوتاجاز، وأي قفزة جديدة في الأسعار العالمية تصل إلى القاهرة في صورة فاتورة شهرية أثقل بالدولار، في وقت ما زالت فيه البلاد تدير مواردها من العملة الصعبة بحساب دقيق. على الجانب الآخر، تراجع مستدام باتجاه 108 دولارات أو أقل سيمنح لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية هامشًا أرحب في مراجعتها الدورية، ويخفف الضغط عن قرارات قد تمس أسعار السولار والبنزين التي يشعر بها المواطن في المواصلات وأسعار السلع مباشرة.
ومع ذلك، يجب قراءة هبوط اليوم الخميس على حقيقته: تراجع هش مبني على رسالة ومسودة وتصريحات متبادلة، لا على اتفاق موقّع ولا على وقف للهجمات في البحر الأحمر. الخطر الثاني على مصر تحديدًا لا يأتي من سعر البرميل وحده، بل من جغرافيا التصعيد نفسها؛ فاستمرار هجمات الحوثيين وتوسعها يهدد حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما ينعكس مباشرة على إيرادات قناة السويس التي تضررت أصلًا من تحويل شركات الشحن مساراتها حول رأس الرجاء الصالح. أي تصعيد أوسع قد يضرب مصر من بابين في وقت واحد: فاتورة وقود أغلى من الغرب، وإيرادات قناة أقل من الشرق.
ما يستحق المتابعة في الأيام المقبلة ثلاثة أمور مترابطة. الأول هو الرد الإيراني الرسمي على المسودة القطرية، فالقبول بالجلوس إلى طاولة مفاوضات، حتى بشروط، سيضغط على الأسعار فورًا، بينما الرفض القاطع سيعيدها إلى مسار الصعود. الثاني هو انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر وما بعدها، إذ تشير التقارير إلى أن خيار الضربة العسكرية قد يصبح أكثر واقعية بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي، وهو ما سيبقي علاوة مخاطرة في السوق حتى يتضح الموقف. والثالث هو بيانات المخزونات الأمريكية الأسبوعية المقبلة، فاستمرار السحب من مخزونات الخام سيعني أن أي صدمة سياسية ستسقط على سوق ضيقة المعروض أصلًا، وحينها لن يكون مستوى 120 دولارًا سقفًا بعيدًا كما يبدو اليوم.






